‏إظهار الرسائل ذات التسميات عربي ودولي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عربي ودولي. إظهار كافة الرسائل

ساحل العاج لمن؟!

23-12-2010


كتب- عصام فؤاد:

الأزمة التي شهدتها ساحل العاج مؤخرًا ربما يصنِّفها البعض على أنها خلافات ذات جذور دينية أو عرقية، مثل كثير من جبهات القتال في إفريقيا، إلا أن الرؤية الكاملة للمشهد تكشف الدور الأكبر لصراعات النفوذ الغربية، واتفاقاتها المصلحية في تشكيل الموقف كله.

وقد بدأت أحداث الأزمة الحالية حين أعلن لوران جباجبو، الرئيس العاجي المنتهية ولايته، رفضه الاعتراف بنتائج الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية يوم 28 نوفمبر الماضي، والتي قضت بفوز منافسه وزعيم المعارضة الحسن وطارا.

وأوعز جباجبو إلى المجلس الدستوري ليبطل نتائج الانتخابات بعدد من لجان التصويت الشمالية؛ حيث يتمركز المسلمون والمعارضة، ويعلن استمرار ولاية جباجبو الرئاسية؛ ليقوم الأخير بأداء اليمين الدستورية كرئيس للجمهورية يوم 4 ديسمبر الجاري، بالتزامن مع أداء وطارا اليمين نفسه، وإعلان بدء رئاسته لساحل العاج.

وفيما تعهد الجنرال فيليب مانجو، قائد القوات المسلحة، بالولاء لجباجبو، أعلن رئيس الوزراء جويلومي سورو استقالته من منصبه وتأييده مرشح المعارضة الفائز الحسن وطارا، وحذَّر- مع حلفاء وطارا- من احتمال أن تعود الحرب الأهلية إلى الاشتعال من جديد.

وبادر الرئيس الأمريكي باراك أوباما والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ومن بعدهما الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي، إلى إعلان تهنئة وطارا باعتباره الفائز الشرعي، داعين جباجبو إلى تسليم السلطة بشكل سلس.

وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية فرض حظر على سفر مساعدي جباجبو، بعد حظر مماثل فرضه الاتحاد الأوروبي على سفر جباجبو وكبار مساعديه، وهددت الأمم المتحدة بفرض عقوبات دولية، مؤكدة أنها ستعزز قواتها بساحل العاج هناك، والبالغ عددها 10 آلاف جندي، فيما أكدت فرنسا أن من حقِّ قواتها هناك- نحو 950 جنديًّا- الرد في حال تعرضها لهجوم.

اتفاق مشبوه

اللافت هنا الاتفاق الأمريكي الفرنسي في منطقة تَعْرِف صراع النفوذ بين الدولتين منذ عدة سنوات؛ فباريس تعتبر ساحل العاج إحدى قلاع الفرانكوفونية المهمة في إفريقيا، وذلك منذ أن احتلتها نهاية القرن التاسع عشر.

بل إن فرنسا جعلت من ساحل العاج نموذجًا للاحتلال الفرنسي المعروف بشراسته في فرض الثقافة واللغة الفرنسية، وحتى تغيير القيم وإبادة اللغات والمعتقدات الدينية لأهالي الدول المحتلة، وذلك بكلِّ الطرق سواء بالسيف أو الذهب وبالمكر والخديعة؛ فهو احتلال "استيطاني" يتاجر بالبشر والعسكر وباللغة والحضارة والثقافة، وحتى العقائد في سبيل مصلحته.

وحين استتب الوضع للاحتلال الفرنسي عام 1900م، اتجه إلى المدارس الإسلامية لعلمنتها، ونشر البعثات التنصيرية والمدارس المسيحية؛ لوقف تنامي الدعوة الإسلامية عدوه الإستراتيجي بغرب إفريقيا، خاصةً وقد عَرفَتْ المنطقة الإسلام منذ القرن التاسع الميلادي، عبر التجار المسلمين الذين بهروا الأفارقة بأخلاقهم، قبل أن يشاركهم العمل الدعوي عدد كبير من الدعاة والمتصوفين والفقهاء الذين توافدوا؛ لنشر الفقه الإسلامي.

وشنَّت فرنسا حربًا عنيفة على الهوية الإسلامية، فيما أفسحت المجال أمام المنصِّرين بالغابات الاستوائية جنوب ساحل العاج، إلا أن ذلك وغيره لم يمنع انتشار الإسلام، لترتفع أعداد المسلمين حتى بلغت نحو 60% من السكان، وهم اليوم حوالي 12 مليونًا من عدد سكان ساحل العاج المقدر بنحو 20 مليونًا، في حين تتراوح نسبة النصارى بين 20%- 25% معظمهم كاثوليك، ويشكّل الوثنيون النسبة الباقية.

وتمكنت الكاثوليك من السيطرة على الجهاز الإداري للدولة حتى بعد الاستقلال عام 1960م، فيما ساعدت الرئيس الأول هوفي بوانييه عبر قواتها العسكرية إلى تقسيم البلاد إلى شمال يسكنه الأغلبية المسلمة، وهي تعمل في زراعة الكاكاو، وتنتهي مهمتهم عند بيعه في أبيدجان، وجنوب يسكنه الوثنيون والمسيحيون الذين سيطروا على مقاليد الأمور- مع الفرنسيين- بتشكيل الحكومات والأجهزة المحلية، وحتى رئاسة المصارف وتجارة وتصدير الكاكاو.

وتنوعت صور الاستفادة الفرنسية من البلاد؛ سواء الإستراتيجية أو الاقتصادية، بعد أن فُتحت أسواق ساحل العاج للمستثمرين الفرنسيين، فشكلوا نحو 60% من رجال الأعمال بالبلاد، وبنت المدن الاقتصادية على السواحل حتى يسهل نقل المواد اللازمة إلى باريس بأقل تكلفة، وخاصة محصول الكاكاو الذي تُنْتِج منه ساحل العاج نحو 40% من الإنتاج العالمي، فضلاً عن كونها مصدرًا رئيسيًّا للموز والبن والقطن وزيت النخيل والأناناس والمطاط والأخشاب، وغيرها من الصناعات!.

لعبة الانقلاب!

وبعد سقوط الشمولية مع انهيار الاتحاد السوفيتي، تضاعف نمو الوعي السياسي للعاجيين، وتتابعت التحركات الشعبية والمظاهرات الطلابية؛ لطلب إقرار الديمقراطية، وإجراء انتخابات رئاسية تعددية؛ فاستدعى بوانيه الدكتور حسن وطارا، الذي كان حينها نائب رئيس صندوق النقد الدولي، ونصبه كأول رئيس وزراء للبلاد؛ ليضمن أصوات قبيلته الجيولا المسلمة، ويكسب تأييد الشمال المسلم؛ ما مكنه من كسب أول انتخابات رئاسية نهاية 1990م.

وظلت باريس هي المسيطر على القصر الجمهوري، فأعدت هانري كونان بيديه- رئيس البرلمان وقتها- ليتسلم الرئاسة بعد وفاة بوانييه العجوز عام 1993م، ولم تغب حتى عن الانقلابات، فتحالفت مع رئيس أركان الجيش الجنرال الكاثوليكي (روبرت جيه) بعد انقلابه نهاية عام 1999م، فيما منحت بيديه حقَّ اللجوء السياسي.

وبعدها بعدة أشهر أعلنت تأييد أستاذ التاريخ لوران جباجبو في انقلابه على الرئيس جيه، الذي أعلن فوزه في الانتخابات الرئاسية المزورة التي جرت أوائل عام 2000م، ويسرت للأخير التنسيق مع قيادات الدرك (الجيش العاجي) والشرطة لدعم انقلابه، الذي تم بسرعة ملحوظة مع دعم القوات الفرنسية التي بادر جباجبو لإعلان الولاء لبلادها.

ورغم عناد جباجبو ورفضه منح المسلمين أية مزايا تمتص غضبهم، إلا أن فرنسا لم تتأخر عن دعمه عسكريًّا ولوجيستيا، وتكفلت بإسكات صوت المجتمع الدولي، والحصول على قرار أممي بحفظ السلام في ساحل العاج، مع حقِّ التدخل العسكري إذا احتاجت ذلك؛ للتغطية على المذابح الجارية بحقِّ المسلمين هناك؛ لوأد تمردهم بالقوة.

من ناحية أخرى، وسَّعت فرنسا من أعمال المنظمات التنصيرية في الشمال بدعوى مساعدة المسلمين؛ لوقف حركة تمدد الإسلام إلى الجنوب الإفريقي، وإجهاض الثورات المتتالية التي تواصلت حتى استطاعت في سبتمبر سنة 2002م الانقلاب على جباجبو، والسيطرة على نصف البلاد، وكانت على وشك السيطرة على العاصمة ياموسوكرو، إلا أن القوات الفرنسية حالت دون ذلك.

ودخلت البلاد كلها في أتون الحرب الأهلية، فتحركت باريس لتوفير الأمن والاستقرار الاقتصادي لنحو 20 ألف فرنسي يستوطنون ساحل العاج، وجمعت أطراف النزاع للاتفاق على هدنة عسكرية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، يتولى المسلمون فيها رئاسة الوزراء، وزارتيّ الداخلية والدفاع، مع إقرار رئاسة جباجبو حتى موعد انتخابات 2005م، التي يكون من حقِّ جميع العاجيين خوضها.

ولم يرض أنصار جباجبو بالاتفاقية التي عدُّوها استسلامًا للشماليين، وخرق الأخير وقف إطلاق النار في نوفمبر 2004م، وقصف- بواسطة طائرتين قالت فرنسا إنهما صناعة صهيونية- مواقع للقوات الشمالية وآخر تابعًا للقوات الفرنسية، بينما خرجت مسيرات جماهيرية تطلب طرد القوات الفرنسية، والتنديد بسياسة الرئيس جاك شيراك، وحمل المتظاهرون أعلامًا أمريكيةً وصورًا للرئيس الأمريكي جورج بوش.

صراع أمريكي فرنسي



الرسالة التي أفصح عنها نحو 10 آلاف متظاهر يحملون الأعلام الأمريكية، أكدت نجاح أمريكا في فرض نفسها على الملعب العاجي، بعدما اندفعت إليه الأخيرة بقوة لمعاقبة تمرد باريس على خطة واشنطن؛ لتقسيم تركة العراق قبيل غزوه في مارس 2003م، وتزعم جاك شيراك، وهو آخر رئيس فرنسي بالعهد الديجولي، تجييش الرفض العالمي ضد أمريكا.

واستنكر مسئولو البيت الأبيض أن تتحدث دولة (الكولونيالية) عن حقوق الإنسان الذي تستعبده في غرب إفريقيا، ولم يتوان الرئيس الأمريكي جورج بوش عن القيام بزيارة تاريخية إلى 5 دول إفريقية في يوليو 2003م، من بينها ليبريا وساحل العاج في غرب إفريقيا، بدعوى محاولة انتشالهما من الأزمات السياسية.

وجاء الاهتمام الأمريكي المتزايد ضمن إستراتيجية "الإمبراطورية" بعهد إدارة بوش؛ لتحقيق الأمن القومي الأمريكي بمعناه الشامل، وتأمين الاحتياجات الأمريكية من الطاقة، لا سيما وأن إفريقيا تمتلك ثروة نفطية هائلة، تقدر بنحو 8% من الاحتياطي العالمي الخام، مع إمكانياتها الإستراتيجية التي تكفل التوسع العسكري لأمريكا عبر العالم، هذا غير أن القارة تعتبر سوقًا كبيرة، إذ يبلغ عدد سكانها نحو 750 مليون نسمة.

ويدعم التوجه الأمريكي سياسات الكيان الصهيوني الذي ينشط بساحل العاج منذ عام 1962م، لأهمية موقعه الإستراتيجي، ولفتح أسواق تبادل تجاري وزراعي مع الكيان، غير مشاركة الموساد في تصفية وجهاء المسلمين وزعمائهم، حتى تبقى السيطرة لحلفائهم من الأقلية النصرانية، وللانتقام من مؤيدي حزب الله اللبناني المنتشرين بين الجالية اللبنانية في ساحل العاج، والمقدرة بنحو 150 ألف شخص.

وردت باريس بشكل قوي ومباشر على تحرشات جباجبو، وما صاحبها من رسائل أمريكية وصهيونية، وذلك بتدمير كامل لقوة جيش الجنوب الجوية، وكشفت عن مقر تنصت تابع للموساد، وقامت بطرد 46 خبيرًا صهيونيًّا عسكريًّا، مع رسالة شديدة اللهجة للحكومة الصهيونية بوقف العبث في ساحل العاج، في إشارة إلى إنها لن تقبل المشاركة في مستعمرتها القديمة والحالية.

المعطيات الجديدة

إلا أن المشهد الحالي تغيَّر بفعل عدة عوامل، ليصبح في صورته الحالية من التوافق الفرنسي الأمريكي، أولها تواصل عناد جباجبو وإصراره على المضي في الحرب الأهلية التي أدَّت إلى تدهور كبير في الأمن والاستقرار الاقتصادي لساحل العاج؛ ما ألَّب عليه الجميع، وفي مقدمتهم فرنسا، ليتم إجباره على قبول اتفاقية واجادوجو نهاية عام 2007م.

الأمر الآخر هو تولي نيكولا ساركوزي رئاسة فرنسا في مايو 2007م، وهو يميني من أصل يهودي؛ ما جعل الشانزليزيه أطوع في التوافق مع سياسات البيت الأبيض، وجمع مختلف اللاعبين ضد جباجبو الذي ماطل كثيرًا في إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية؛ لكي يبقى في السلطة حتى الآن بصرف النظر عن شرعية حكمه.

ويصاحب التوتر الأمني تدهور شديد يكاد يعصف بالبقية من اقتصاد البلاد، ما خفّض إنتاجها من الكاكاو إلى 1.2 مليون طن فقط، أي نحو نصف الكمية السابقة من المادة الأولية لصناعة الشيكولاتة، والتي باتت صاحبة الكلمة الأولى في إدارة اقتصاديات الحرب ووجهتها، بعد الأزمة الاقتصادية التي هزت موازنات الدول الكبرى، ودفعتها شرقًا وغربًا لمحاولات تعويض خسائرها، لا سيما وأن موقع ساحل العاج يجعلها بوابة إلى أسواق "الاتحاد الاقتصادي والمالي لإفريقيا الغربية" و"المجموعة الاقتصادية لبلدان غرب إفريقيا إيكواس".

وتدفع أسباب أخرى فرنسا إلى عدم التمسك بأستاذ التاريخ لوران جباجبو؛ فهو مسيحي إنجيلي، وماركسي سابق، كما أنه أول رئيس يُضعف نفوذ "الأب الجديد" (Papa Nouveau) رجل الدين الكاثوليكي الأهم في ساحل العاج، والذي احتل مكانة بارزة في صدر المشهد الرسمي منذ الرئيس بوانييه، وكان يدعو إلى توحيد البلاد بالتوافق مع الفرنسيين، وقد أرجع البعض ذلك إلى أن زوجة جباجبو قريبة من "البنتكوتيين" المتأثرين بقوة بالهيمنة الأمريكية، ومعادية للاتجاه التوفيقي بين المسيحية والإحيائية، والأخير أحد أهم أسباب توسيع قاعدة التنصير في إفريقيا.

بديل مسلم مدجن!



وتعلم الدول الغربية أن دولة الرئيس جباجبو على وشك الانهيار رغم تأييد الجيش له؛ فقد فشل على مدار 8 سنوات في قمع الانقلاب الذي نجح من البداية في السيطرة على أسلحة ثقيلة، بما في ذلك الطائرات المروحية والمدرعات؛ ما دفع فرنسا إلى رفض طلب جباجبو بالتدخل لقمع الانقلاب وفق اتفاقية الدفاع المشترك.

في المقابل قدَّم اتحاد المعارضة في الشمال رسائل مقبولة غربيًّا حين شكل جبهته السياسية نهاية عام 2002م وأطلق عليها اسم الجبهة الوطنية لساحل العاج برئاسة جيوم سورو (مسيحي)، وأحسنوا في التعامل مع المدنيين، فلم يقدموا على ارتكاب مذابح أو قتل للمدنيين، وأفرجوا عن وزير الرياضة الذي كان موجودًا بالمناطق التي سيطروا عليها؛ ما أبرز صورة التسامح الإسلامي مع غيرهم.

كما حققت ساحل العاج- بفضل المسلمين- تقدمًا اقتصاديًا كبيرًا قبل الحرب الأهلية، وبلغ معدل النمو حوالي 6%، وتفوقت البلاد في إنتاج الكاكاو حتى بلغ 40% من الإنتاج العالمي، لذا فأفضل خياراتها هو تأييد استلام الحسن وطارا للحكم، مع سمعته الجيدة في مجال الإدارة الاقتصادية، وطواعيته لتنفيذ السياسات الغربية لا سيما الأمريكية، فهو الصديق الأقرب لواشنطن بساحل العاج، منذ كان يعمل في صندوق البنك الدولي بتسعينيات القرن الماضي.

الأمر الذي سيكون سببًا في امتصاص غضب الشمال المسلم والمعارضة، مع ضمان استمرار تنفيذ الأجندة "الاستعمارية"، خاصة استمرار تدفق الكاكاو من مزارعي الشمال إلى ميناء أبيدجان في الجنوب، ومنه إلى المصانع الغربية، فضلاً عن الاستغلال الأهم في تنفيذ المخططات الإستراتيجية للاعبين الأهم فرنسا وأمريكا والكيان الصهيوني.

الدعوات تتوالى من ساحل العاج إلى استخدام القوة ضد جباجبو؛ لإجباره على التنحي، ولاعبو الغرب يدرسون كيفية تحقيق أفضل النتائج بأقل خسائر ممكنة.

مسلمو ساحل العاج.. متمردون أم مقاومون؟

14-12-2010 

كتب- عصام فؤاد:

"تأجيل الانتخابات الرئاسية في ساحل العاج"، خبر اعتادت وكالات الأنباء إذاعته منذ نحو خمس سنوات، ورغم اختلاف المبررات التي يستند إليها التأجيل في كل مرة، إلا أن الهدف من ورائها دائمًا واحد، وهو استبعاد الأغلبية المسلمة عن استلام حكم البلاد أو حتى المشاركة في تسييره.

ويستحق مسلمو ساحل العاج الاعتذار مرتين، الأولى حين تركهم العرب والمسلمون فريسة لعمليات التنصير والتذويب القهري للهوية الإسلامية برعاية الاستعمار الفرنسي الكاثوليكي، ثم تجاهلوا المذابح التي راح ضحيتها آلاف المسلمين في عهد الرئيس الحالي لوران جباجبو.

 والثانية حين انساق الإعلام العربي وراء الادعاءات الغربية ضد المسلمين، والتي وصفتهم بالمتمردين حين اضطروا لرفع السلاح لوقف عمليات القتل الدائرة في صفوفهم على الهوية، ولتحقيق أبسط حقوقهم المدنية والسياسية في أوطانهم.

 أغلبية مضطهدة

 ويشكل المسلمون حوالي 60% من عدد سكان ساحل العاج البالغين نحو 20 مليون نسمة، ويستقر غالبيتهم في الشمال، ورغم كونهم الأغلبية في البلاد، إلا أنهم لاقوا أبشع صور الاضطهاد؛ سواء في دينهم أو أموالهم وأنفسهم، منذ سقوط دولة القائد المسلم ساموري توري، ودخول الاحتلال الفرنسي أواخر القرن التاسع عشر.

 وبعد استقلال البلاد عام 1960م، اختلفت صور الاضطهاد من حيث اللين والشدة، فاقتصرت فترة حكم الرئيس الأول للجمهورية هوفي بوانيه على الحرب الدينية ضد الإسلام الصحيح، وكان بوانيه عميلاً فرنسيًّا بامتياز، مهمته تأمين مصالح باريس السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية، وقبل ذلك نشر الكاثوليكية التي تحمل فرنسا رايتها وترعى شئونها.

 وتنامى الوعي السياسي للعاجيين؛ خاصة بعد سقوط الشمولية مع انهيار الاتحاد السوفيتي، ما أعقبه تحركات شعبية ومظاهرات طلابية، لطلب إقرار الديمقراطية وإجراء انتخابات رئاسية تعددية.

وأعلن بوانيه الاستجابة للرغبات الجماهيرية وإجراء انتخابات رئاسية نهاية 1990م، ولكي يواجه المنافسين الأقوى أستاذ التاريخ د. لوران جباجبو رئيس الجبهة الشعبية الإيفوارية ذات التوجهات الاشتراكية، ورئيس البرلمان كونان بيديه؛ قام باستحداث منصب رئيس الحكومة، وعهد به إلى المسلم الشمالي حسن أوطارا الذي كان حينها نائب رئيس صندوق النقد الدولي، وذلك ليضمن أصوات قبيلته الجيولا المسلمة ويكسب تأييد الشمال المسلم.

وبعد فوزه بالانتخابات أعطى بوانيه صلاحيات مطلقة لرئيس حكومته أوطارا، فاستغلها الأخير في عمل إصلاحات اقتصادية واسعة، واستغل موارد البلاد الطبيعية في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وحازت ساحل العاج 40% من حصة إنتاج الكاكاو بالعالم، وارتفع معدل النمو إلى 6%، فيما بلغ متوسط دخل الفرد سنويًّا نحو 2000 دولار.

وبعد وفاة بوانيه سنة 1993م، دعمت فرنسا رئيس البرلمان الكاثوليكي كونان بيديه لتولي رئاسة البلاد، لحين إجراء الانتخابات التي أعلن نفسه مرشحًا لها، ولكي يتجنب الخسارة أمام الزعيم المسلم ورئيس الوزراء حسن أوطارا، ابتدع ما يعرف حاليًّا في الأدبيات السياسية بـ"الذاتية العاجية"، والتي لا تعطي الحقوق السياسية كاملة، إلا للمواطنين "أنقياء" الجنسية، والهدف هو استبعاد أوطارا من خوض الانتخابات الرئاسية بدعوى أن أمه تحمل جنسية بوركينا فاسو.

الانقلاب الأول

واستمر حكم بيديه ست سنوات عجاف، تدهورت فيها الأحوال الاقتصادية والاجتماعية خاصة بالشمال المسلم؛ وذلك نتيجة الفساد وتفشي المحسوبية وقمع المعارضة، فجاء الانقلاب الأول نهاية 1999م على يد رئيس أركان الجيش الجنرال روبرت جيه وبدعم شعبي كبير في الشمال والجنوب، ما أجبر بيديه على الهروب إلى باريس التي منحته حق اللجوء السياسي.

وشهدت البلاد في رئاسية جيه المؤقتة فترة هادئة عسكريًّا وساخنةً سياسيًّا، بما حفلت به من مناورات للتحايل على حقوق مسلمي الشمال في ترشيح حسن أوطارا، باستدعاء بدعة الذاتية العاجية من جديد، وهو ما تم انتخابات أكتوبر سنة 2000م، والتي شهدت تلاعبًا وتزويرًا فاضحًا، حتى يفوز جيه برئاسة ساحل العاج.

ولم يتول الرئاسة بعد الانتخابات سوى يوم واحد، قبل أن يدعو منافسه لوران جباجبو إلى انتفاضة شعبية، وقام بالتنسيق مع قيادات الدرك (الجيش العاجي) والشرطة لدعمه في إسقاط جيه وتنصيبه رئيسًا البلاد؛ وهو ما تم بسرعة ملحوظة مع دعم القوات الفرنسية التي بادر جباجبو لإعلان الولاء لبلادها.

وطالب الزعيم المسلم حسن أوطارا بإعادة الانتخابات التي تمت بعيوب دستورية، إلا جباجبو تحايل على الدعوة، ووعد المسلمين بإجراء تعديلات دستورية وإصلاحات اقتصادية، تمكن كافة العاجيين من خوض الانتخابات، وترفع المستوى المعيشي لأهل الشمال.

وحظيت وعوده بموافقات مسلمة، لم يستثمرها جباجبو في تحقيق الوحدة الوطنية، ولكنه تحايل للالتفاف عليها، ورفض إلغاء مبدأ الذاتية العاجية، ليستبعد أوطارا من الانتخابات التشريعية، خاصة بعد النجاح الكبير الذي حققه حزب التجمع الجمهوري بقيادة أوطارا في الانتخابات البلدية.

انفصال الشمال

وأمر جباجبو بتشكيل حكومة جديدة استبعد الشماليين منها، وكانت القاضية في سبتمبر سنة 2002م حين سرح أكثر من 800 جندي وصف ضابط من الجيش معظمهم من مسلمي الشمال؛ ما دفع الشماليين لإعلان العصيان والانقلاب.

ونجحوا في زمن قياسي من السيطرة على نصف البلاد، وأهم مدينتين وهما بواكيه وكورجوهو ذات الأغلبية المسلمة، وكانوا على وشك السيطرة على العاصمة ياماساكرو، إلا أن القوات الفرنسية حالت دون ذلك.

وقد أعلن قادة الانقلاب تشكيل جبهة سياسية أطلق عليها اسم الجبهة الوطنية لساحل العاج برئاسة جيوم سورو (مسيحي)، وإعلان الضابط (شريف عثمان) قائدًا للجناح العسكري للجبهة.

وطالب الشمال المسلم بتعديل الدستور خاصة المادة 35 بشأن هوية المرشحين، وإجراء انتخابات وطنية، يشارك فيها الجميع دون تمييز، مع وضع حد لسيطرة الجنوبيين على شئون البلاد، وتجاهل الأغلبية المسلمة.

وواجه جباجبو طلبات الشمال المسلم بمزيد من العنف والتنكيل، وعاونته القوات الفرنسية في ضرب القوات الشمالية، فيما شكل جباجبو ميليشيات عسكرية باسم (كتائب الموت)، من أفراد حرسه الخاص، وأبناء قبيلته (البيتي)، فارتكبت أبشع المذابح في صفوف المسلمين، وحاولت اغتيال الزعيم أوطارا، إلا أن أنصاره استطاعوا تهريبه ليحتمي بإحدى السفارات الغربية، بعد قتل نحو 50 مسلمًا من معاونيه.

فرنسا والصهاينة

وتكفلت باريس بإسكات صوت المجتمع الدولي، والحصول على قرار أممي بحفظ السلام في ساحل العاج مع حق التدخل العسكري إذا احتاجت ذلك، فيما تجاهل الإعلام ذبح المسلمين، ولم يهتم بتناول الأزمة العاجية، إلا لإبراز معاناة الجالية الفرنسية، التي بلغت نحو 20 ألف فرنسي؛ نتيجة تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية.

وكان لضغط تلك الجالية الدور الأكبر في تحرك فرنسا لجمع أطراف النزاع على مائدة التفاوض، والاتفاق في مايو 2003م على هدنة عسكرية وتشكيل حكومة وحدة وطنية، يتولى المسلمون فيها رئاسة الوزراء وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، مع إقرار رئاسة جباجبو حتى موعد الانتخابات الرئاسية في 2005م، التي يكون من حق جميع العاجيين خوضها.

ولم يرض أنصار جباجبو بالاتفاقية التي عدوها استسلامًا للشماليين، وتحايل الأخير على تشكيل الحكومة الوطنية، قبل أن يخرق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2004م، حين قامت طائرتان حكوميتان بقصف مواقع القوات الشمالية وموقع تابع للقوات الفرنسية في مدينة بواكيه شمالي البلاد.

وصاحب قصف الموقع الفرنسي مسيرات جماهيرية لطلب طرد القوات الفرنسية، والتنديد بسياسة الرئيس الفرنسي جاك شيراك، فيما حمل المتظاهرون أعلامًا أمريكيةً وصورًا للرئيس الأمريكي جورج بوش.

وزاد من القلق الفرنسي نجاح الكيان الصهيوني في استمالة جباجبو، بعد إمداده بأسلحة عسكرية متقدمة، وايفاد خبراء صهاينة لتدريب قواته وحرسه الرئاسي، لضرب المسلمين في الشمال، فضلاً عن دور جهاز الموساد في تصفية وجهاء المسلمين وزعمائهم، حتى تبقى السيطرة لحلفائهم من الأقلية النصرانية، وللانتقام من مؤيدي حزب الله اللبناني المنتشرين بين الجالية اللبنانية في ساحل العاج، والتي تقدر بنحو 150 ألف شخص.

وكان الرد الفرنسي قويًّا ومباشرًا بقصف وتدمير قوة الجيش الجوية، والكشف عن مقر تنصت تابع للموساد، وطرد 46 خبيرًا صهيونيًّا عسكريًّا، مع رسالة شديدة اللهجة للحكومة الصهيونية بوقف العبث في ساحل العاج.

كما تم التنسيق مع البيت الأبيض لضمان "الحقوق" الفرنسية في ساحل العاج التي تعتبرها باريس قلعة الفرانكوفونية، على أن تؤمن فرنسا حاجة أمريكا الاقتصادية في البلاد، وتراعي مصالحها الحيوية في شرق ووسط إفريقيا.

ومهدت الجفوة مع فرنسا الطريق أكثر أمام الانتشار الصهيوني الذي تفشى في باقي المؤسسات من الزراعة إلى التجارة وحتى معاهد التكنولوجيا والأبحاث، ورفض جباجبو المحاولات الدولية للتهدئة، خاصة من دول الجوار التي يعيش قطاع كبير من شعبها على الأموال التي تحولها الأيدي العاملة في زراعة الحقول العاجية أو في صناعات البن والكاكاو.

وارتكن في تسليح قواته على الكيان الصهيوني والعصابات عابرة الحدود التي تذكي الصراعات المحلية والإقليمية في سبيل سرقة أحجار الماس وخامات النحاس والكوبالت واليورانيوم وتهريبها، مقابل توفير المرتزقة وشحنات سلاح لأطراف الصراع كافة، بما يضمن استمراره.

اتفاقية واجادوجو

وتعددت المؤتمرات والاتفاقيات بين جباجبو وقادة الشمال برعاية دولية وإقليمية، وكان الأخير يتحايل في كل مرة لنقض الاتفاق، وإيثار مصلحته الشخصية ومصالح القبائل النصرانية المهيمنة على السلطة والثروة والمناصب العليا في قوات الجيش والشرطة.

ومع تواصل الحرب الأهلية تيقن جباجبو من عجزه عن دحر جيش الشمال، فاستجاب للضغوط الإقليمية بوقف القتال وتوقيع اتفاقية بالعاصمة البوركينية واجادوجو نهاية عام 2007م، والتي تم بموجبها تنصيب جيوم سورو رئيسًا للوزراء، على أن يتم انسحاب المسلحين إلى ثكناتهم، ودمج جنود الشمال والجنوب في جيش وطني، تمهيدًا لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في يونيو عام 2008م.

وتحايل جباجبو بكل الطرق لتعطيل الانتخابات، وواصل تشدده في استبعاد ما يقرب من 2 مليون عاجي مسلم من حق التصويت، بعد أن أدرك استحالة الاستجابة لمطالبه السابقة بإلغاء إدراج نحو 6 ملايين مسلم من الاقتراع بحجة أصولهم البوركينية، وذلك في سبيل تغيير المعطيات الحالية التي تؤكد أن الانتخابات القادمة لن تكون في صالحه.

وتعددت حجج التأجيل من موعد لآخر، حتى قام جباجبو أواسط فبراير الماضي بإقالة حكومة جيوم سورو وحل اللجنة الانتخابية، ما تبعه احتجاجات شعبية واسعة صاحبها اعتداء الجيش العاجي على المتظاهرين وإثخان صفوفهم بالقتلى والجرحى، قبل الإعلان عن تأجيل جديد للانتخابات التي كانت مقررة في شهر مارس الماضي.

وكشف وزير الدفاع نهاية الشهر عن حجة جديدة هي طلب نزع السلاح الكامل من جنود الشمال؛ الأمر الذي رفضه الشماليون، وأكدوا التزامهم بالاتفاق السابق الذي يقضي برجوعهم فقط إلى ثكناتهم حتى يتم إجراء الانتخابات قبل دمج من تنطبق عليه شروط التجنيد في الجيش الوطني العاجي.

تدهور اقتصادي

ويأتي عناد جباجبو في ظل تدهور شديد يكاد يعصف بالبقية من اقتصاد البلاد، خاصة مع انتشار الأمراض نتيجة القتل والتهجير؛ ما خفض إنتاج ساحل العاج من الكاكاو إلى 1.2 مليون طن فقط، أي نحو نصف الكمية المنتجة سابقًا، كما توقع صندوق النقد الدولي- قبل أسبوعين- انخفاض معدل النمو الاقتصادي لساحل العاج إلى 3% فقط؛ نتيجة الاضطرابات السياسية وتعرَّض بنية البلاد التحتية لخسائر كبيرة.

ورغم العداء الواضح من جباجبو للمعسكر الفرنسي، تنديده أكثر من مرة بعلاقاتها "الخبيثة مع بعض الدول الإفريقية، ورفضه انتشار القوات الفرنسية بدعم أممي للفصل بين القوات الحكومية والشمالية، إلا أن باريس ترفض التحرك بجدية لإقالته، وتفضل الاكتفاء ببعض المصالح، على أن يأتي رئيس شمالي أو زعيم مسلم يقضي على هيمنة الأقلية النصرانية على سلطات البلاد ومقاديرها.

كما يضمن التوتر الحالي بقاء القوات الفرنسية بحجة حفظ السلام؛ الأمر الذي تشتد إليه حاجة باريس التي يضطرها التوغل الأمريكي والتحرك الشعبي على إخلاء قواعدها العسكرية يومًا بعد يوم، وكان أقربها استرداد السنغال- يوم الرابع من أبريل الجاري- جميع القواعد التي كانت فرنسا تسيطر عليها في السابق.

فيما يغض المجتمع الدولي البصر عن مذابح المسلمين وتتجاهل الأمم المتحدة إجرام جباجبو؛ لارتباط أجندتها بمصالح الدول الكبرى والممولة، وتكتفي ببيان هزيل كل عدة أشهر لطلب الإسراع في الانتخابات، أو الإشراف على مفاوضات جديدة، يتعمد جباجبو نقضها والتهرب من شروطها.

ويبقى الحال في ساحل العاج على ما هو عليه، جنوب يحكمه الكاثوليك بالحديد والنار، وشمال مسلم يرفع راية المقاومة ضد محاولات تنصيره وتغيير هويته الإسلامية، ويطلب حقه الشرعي في إنهاء التمييز الديني ضد أبنائه، وفتح الطريق أمام مشاركتهم في إدارة شئون بلادهم ووطنهم.

ويظل الحاضر الغائب هو الوطن العربي والإسلامي الذي لم تشفع عنده ملايين المسلمين والجالية اللبنانية العربية في ساحل العاج؛ للتدخل ولو عبر القنوات السياسية والقانونية، لوقف نزيف مئات الآلاف من العرب والمسلمين، مفسحًا المجال أمام عدوه الصهيوني لتنفيذ مشروعه في اختراق إفريقيا، والانفراد بساحة جديدة يمارس فيها عداوته الأشد ضد الإسلام والمسلمين.

ثورة قرغيزيا.. الاستبداد لا يسقط مجانًا

 
11-4-2010


كتب- عصام فؤاد:

للمرة الثانية خلال خمس سنوات، نجح الشعب القرغيزي في الانقلاب على نظام الحكم في قرغيزيا وخلع رئيس البلاد، إلا أن القراءة المتأنية للمشهد القرغيزي تعطي إشاراتٍ غير متفائلة عن التغيير، ولا تفرق بين ثورة أبريل 2010م والسوسن في مارس 2005م، سوى في بعض كتابات السيناريو فقط، بعيدًا عن مضمون القصة ومساراتها.

بعد اضطرابات واسعة شهدتها جمهورية قرغيزيا المسلمة الأسبوع الماضي، أعلنت المعارضة القرغيزية خلع الرئيس كرمان بيك باكييف وحل البرلمان، وتشكيل حكومة "أمر واقع" ستقوم بإقرار دستور جديد للبلاد وإجراء انتخابات ديمقراطية تشريعية ورئاسية خلال ستة أشهر.

ونصبت المعارضة روزا أوتونباييفا رئيسةً للحكومة المؤقتة، والتي دعت باكييف للاستقالة بهدف ضمان أمنه الشخصي، ولدعم الاستقرار النسبي الذي تشهده البلاد حاليًّا، بعد اشتباكات يوميّ الأربعاء والخميس الماضيين، والتي خلفت نحو 80 قتيلاً و1400 جريح، بعضهم إصابته خطيرة.

وأعلنت أوتونباييفا الحداد يوميّ 9 و10 أبريل على أرواح ضحايا الاشتباكات الأخيرة في البلاد، مشيرةً إلى أن الحكومة الجديدة ستقدم مساعدةً ماليةً بمقدار 22 ألف دولار لعائلة كل ضحية، كما ستقوم بزيارة المواطنين المصابين في الاشتباكات الذين يرقدون في المستشفيات.

وقالت إن المشكلة التي تواجه الحكومة المؤقتة هي إفلاس الدولة بسبب تهريب الرئيس وعائلته أموالاً طائلةً إلى بنوك أجنبية، مشيرةً إلى أن موارد خزينة الدولة لا تتجاوز حاليًّا 15 مليون دولار.

وتحاول الحكومة المؤقتة إجراء اتصالات للسيطرة على جميع الأجهزة؛ لأن قسمًا منها ما زال خارج سيطرتها، ولا تزال المؤسسات الحكومية متوقفة نتيجة الفوضى، وتحكم الحكومة الجديدة قبضتها على أربع مناطق في البلاد من أصل سبع، فيما أعلن وزير الدفاع في الحكومة المؤقتة إسماعيل إيزاكوف أن القوات المسلحة في البلاد وحرس الحدود انضموا إليهم، وقال وزير الداخلية بولوتبك شيرنيازوف: إن عناصر الشرطة انضموا أيضًا للحكومة المؤقتة.

فتنة عرقية

من جانبه، نفى الرئيس المخلوع باكييف إعطاءه أوامر للأمن بإطلاق النار على المتظاهرين، متهمًا القيادة التي استولت على السلطة بأنها المسئولة عن الدماء التي أُريقت، مشيرًا إلى أنه كان مضطرًا لمغادرة مكتب الرئاسة في بشكيك حرصًا على حياته.

وتتهم الحكومة المؤقتة باكييف وأفراد عائلته بإشعال الفتنة وتنظيم أعمال النهب، وقال أميل كبتاغايف القائم بأعمال رئيس إدارة الحكومة المؤقتة: إن هناك محاولة لزعزعة الأمن وإدخال البلاد إلى دوامة العنف الأهلي.

ولجأ باكييف إلى مسقط رأسه في جلال أباد، محاولاً الاحتماء بأهالي عرقه من الأوزبك وإثارتهم ضد ثورة القرغيزيين، وقام أفراد من عائلته بأعمال نهب وإطلاق النار على أناس أبرياء في الشوارع، لكي يتم نسبتها إلى القرغيز؛ ما يشعل نار الفتنة العرقية بين الأوزبك المنتشرين بالجنوب والقرغيزيين في الشمال.

 وعود

 وأعلنت الحكومة القرعيزية المؤقتة أنها ستوقع ليلة السبت على مرسوم ينقل السلطة إليها من الرئيس باكييف بعد إلغاء حصانته، وترفض الحكومة إجراء محادثات معه، فيما يتم ملاحقة نجلي الرئيس المخلوع وشقيقه الأصغر جانيش الذي كان يترأس جهاز أمن الدولة وأمر جنوده بإطلاق النار على المتظاهرين في الأحداث الأخيرة.

 وصرَّح عمر بك تكيباييف، مسئول الشئون الدستورية ونائب رئيسة الحكومة المؤقتة، أن حكومته لا تنوي إقامة نظام سياسي يحصل الفائز فيه على كل شيء، مؤكدًا أن أنصار باكييف سينتقلون إلى معسكر المعارضة، التي ستحصل على ضمانات جديدة في الدستور الجديد، وقال: على سبيل المثال من الواجب أن تحصل المعارضة على 30% من المقاعد على الأقل في لجنة الانتخابات المركزية وعلى عددٍ أدنى من المقاعد في البرلمان.

موسكو

 وأجرى رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين اتصالاً مع رئيسة الحكومة المؤقتة روزا أوتونباييفا عارضًا دعم بلاده، فيما نقلت طائرات عسكرية روسية قوات مظليين لحماية قاعدة عسكرية لموسكو، ما اعتبره المراقبون دعمًا للنظام الجديد بالعاصمة بشكيك، في سبيل مساومة الحكومة الجديدة على إغلاق القاعدة الأمريكية لديها مقابل تقديم الدعم المادي الذي تحتاجه.

الدعم الروسي جاء عقب الرسائل الصريحة التي أرسلها قادة المعارضة لطمأنة الدب الروسي، فأكد عمر بك تكيباييف مسئول الشئون الدستورية في الحكومة الجديدة أن روسيا لعبت دورها في الإطاحة بباكييف، وإن هناك احتمالاً كبيرًا لخفض مدة إيجار الولايات المتحدة لقاعدة ميناس الجوية الأمريكية التي تقع قرب بشكيك وتخدم القوات الأمريكية في أفغانستان.

كما قال وزير المالية في الحكومة المؤقتة تيمير سارييف: إن الحكومة الجديدة في قرغيزيا تعد روسيا "شريكًا إستراتيجيًّا رئيسيًّا"، وإنها طلبت المساعدة المالية والإستراتيجية من موسكو.

وهي التطمينات نفسها التي أرسلها الرئيس المخلوع باكييف حين ترأس الحكومة المؤقتة قبل خمس سنوات؛ ذلك لأن روسيا هي اللاعب الرئيسي في آسيا الوسطى كلها منذ انضمت البلاد للاتحاد السوفيتي بعد قيام الثورة البلشفية عام 1917م، قبل أن تنال قرغيزيا في عام 1936 الوضع القانوني للجمهورية الاتحادية ضمن الاتحاد السوفيتي.

وعقب تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1990م، تم انتخاب عسكر عاكايف كأول رئيسٍ للبلاد، التي تم إعلان استقلالها في يوم 31 أغسطس عام 1991م، وبعد تغيير دستورها عام 1993م تم تغيير اسم الدولة للتحول إلى جمهورية قرغيزيا بديلاً عن قرغيزستان.

القاعدة الأمريكية

 والتقت رئيسة الحكومة المؤقتة القائم بأعمال السفير الأمريكي في قرغيزيا، لتعلن بعدها أن القاعدة الأمريكية ستبقى في الوقت الحالي، وستباشر عملها بشكلٍ كامل، وقالت إن هذا الموضوع لم يثر بعد، إلا أنها أشارت إلى أن حكومتها ستلتزم بالاتفاقيات الدولية التي وقَّعتها بلادها وستفي بالتزاماتها.

وأعلن روبرت بليك مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشئون منطقة آسيا الجنوبية والوسطى أن واشنطن ترى أن السلطة الانتقالية الجديدة تسير في الاتجاه الصحيح، مؤكدًا أن بلاده على اتصالٍ مع طرفي النزاع هناك، دون أن يؤكد الاعتراف الرسمي الأمريكي بالسلطة الجديدة، وقال إن واشنطن تعترف بالدول وليس الحكومات.

وقال مسئولون بوزارة الخارجية الأمريكية: إن وزير خارجية قرغيزيا قادر بك سارباييف التقى مسئولاً دبلوماسيًّا أمريكيًّا رفيعًا في واشنطن، فيما التقى القائم بالأعمال الأمريكي روزا أوتونباييفا في بشكيك.

وكانت الولايات المتحدة استأجرت قاعدة ماناس الجوية عام 2001م لتوفير الإمدادات للقوات الأمريكية في أفغانستان القريبة، وسعى باكاييف العام الماضي لعدم تمديد تأجير القاعدة بعد حصوله على وعد روسي، بتقديم مساعدات بلغت 2 مليار دولار، لكنه غيَّر موقفه لاحقًا بعد موافقة الأمريكيين مضاعفة إيجارها من 17 مليون دولار سنويًّا إلى 63 مليون دولار.

وعملت القاعدة ساعات قليلة في ظل الحكومة المؤقتة، قبل أن يعلِّق الجيش الأمريكي عملها وينقل أنشطتها العسكرية ورحلاتها الجوية إلى قاعدة الكويت بصورة مؤقتة.

الرئيس المخلوع

ويؤكد المراقبون أن نظام باكييف ولَّى بلا رجعةٍ لينهي التاريخ السياسي للرئيس الذي وُلد أول أغسطس عام 1949م، وتخرَّج من معهد كويبيشيف للتكنولوجيا بتخصص الآلات الحاسبة،  وعمل حمَّالاً في مصنع تعليب الأسماك وميكانيكيًّا ثم مهندسًا، قبل أن يتولى عام 1985م إدارة مصنع "بروفيل" التابع لوزارة الصناعة الإلكترونية.

ودخل مجال السياسة عام 1991م حين عمل نائبًا لرئيس مجلس السوفيت في مقاطعة جلال آباد التي تولى إدارتها عام 1995م، قبل أن يشغل منصب رئيس الوزراء عام 2000م، وبقي بالمنصب شهورًا قليلة، قبل أن يضطر لتقديم استقالته بسبب وقوع أحداث مأسوية أسفرت عن  اضطرابات جماهيرية ومقتل 5 أشخاصٍ وإصابة العشرات بجروح في جنوب البلاد.

وفي عام 2004م انتخبت القوى السياسية المعارضة النائب باكييف رئيسًا لاتحاد القوى السياسية "حركة قرغيزيا الشعبية"، وبعد قيام ثورة السوسن في 25 مارس 2005م تم تعيينه قائمًا بأعمال رئيس الجمهورية ورئيسًا للحكومة القرغيزية المؤقتة، قبل انتخابه في يوليو 2005م رئيسًا للجمهورية القرغيزية.

وجدَّد ولايته الرئاسية في انتخابات عام 2009م التي لاقت انتقاداتٍ لاذعة من الاتحاد الأوروبي في تقريره الذي أكد افتقادها للنزاهة والشفافية، وحصل باكييف على عدة أوسمة دولية، أهمها وسام بطرس الأكبر الروسي ووسام "النجمة الفضية" للجمعية البرلمانية في رابطة الدول المستقلة.

تدهور

ويتهم باكييف أطرافًا خارجيةً بتجييش الثورة، إلا أنه لا يستطيع نفي الوضع المتدهور الذي وصلت إليه قرغيزيا خلال فترة حكمه؛ سواء على المستوى السياسي والاقتصادي أو في ملف الحريات وحق التعبير.

ويعيش نحو ثلث سكان قرغيزيا، البالغ عددهم 5.5 ملايين نسمة، تحت خط الفقر، ويبلغ متوسط الدخل الشهري للفرد نحو 130 دولارًا فقط، فيما بلغت السوم (عملة قرغيزيا الوطنية) أدنى مستوياتها خلال سبعة أعوام، ويبلغ سعر الدولار 45 سومًا.

وفضلاً عن تدني الأجور يواجه القرغيزيون ارتفاع الأسعار وسرقة أموال الخزانة العامة نتيجة تفشي الفساد، كما أن تحويلات العاملين القرغيزيين في روسيا انخفضت خلال الأزمة المالية العالمية، وهي تمثل وحدها نحو 30% من اقتصاد قرغيزيا البالغ قيمته 4.7 مليارات دولار.

كما مرر الحزب الحاكم بداية عام 2010م الجاري قانونًا جديدًا لتنظيم أنشطة المؤسسات الدينية، وهو القانون الذي وصفته المنظمات الإسلامية والمسيحية على أنه يقمع الحريات الدينية في البلاد، كما لا يميز بين التطرف والتعبير السلمي عن الدين.

القوى الخارجية

وتتشابه السيرة الذاتية لباكييف مع كثير من كوادر المعارضة التي تسيطر على الحكومة حاليًّا، كما تشابهت أوضاع البلاد في عهده مع أحوالها إبان حكم الرئيس الأسبق عسكر عاكييف، ما يلفت إلى أن ثورة أبريل قد تسير على نهج سابقتها في مارس 2005م، والسبب هو التأثيرات الخارجية التي تملك معظم أوراق مستقبل البلاد.

وتقع جمهورية قرغيزيا في شمال شرق آسيا الوسطى، وهي من أكثر بلدن العالم فقرًا؛ حيث تحتل الجبال أكثر من ثلاثة أرباع أراضيها ولا تطل حدودها على بحار، ولكنها تحتل مكانًا كبيرًا في الإستراتيجية العسكرية، لكلٍّ من روسيا وأمريكا والصين التي تشاركها في منطقة حدودية تبلغ 858 كم.

ويراها المتنافسون بوابة تطل على دول وسط آسيا الغنية بالطاقة، ومنطقة محورية في خطط الغرب للقضاء على الحركات الإسلامية في أفغانستان وآسيا الوسطى التي تشهد صعودًا إسلاميًّا منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، وهو الصعود البادي في اضطرابات وادي فرجانا بين أوزبكستان وطاجيكستان.

ومع التنافس بين القوى الثلاثة على سيادة قرغيزيا، يتفقون على أهمية استقرارها والسيطرة على أي أعمال عنف بها، حتى لا تمتد إلى الدول المتاخمة لها في كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان، ويكون لذلك عواقب لا يمكن التنبؤ بها على المنطقة بالكامل.

والاستقرار الذي تنشده القوى الكبرى لقرغيزيا، هو استقرار قيامها بمصالحهم بنسب معينة، واستثمار الأحداث والحركات الشعبية في رفع تلك النسب وزيادتها؛ وذلك دون التورط في دعم مسلح موسع لكل الأطراف بما يفتح دوامة عنف تؤثر على مصالحهم بالمنطقة.

ومن هذا نفهم رفض روسيا وأمريكا تقديم دعم عسكري كبير لأي من أطراف النزاع خلال الحركات الشعبية السابقة، حتى لو كانت نتائجها في غير صالح أحد المعسكرين، وتفضيل البقاء على الحياد عسكريًّا، مع التحرك سياسيًّا وماليًّا لاستمالة الطرف الكاسب وضمان تأمين مصالحهم هناك.

وهي المصالح التي تتغير وفق مقتضيات السياسة الدولية وحسب طلبات التحرك على رقعة الشطرنج في الحرب الباردة المستمرة بين واشنطن وموسكو، وكلتا العاصمتين جاهزتان للاستغناء عن حليف سابق والاتفاق مع نظام جديد؛ بما يضمن الحفاظ على نسبة مصالحها في البلاد أو في سبيل رفعها.

دروس

وإذا كانت المعطيات الراهنة تؤكد انهيار نظام باكييف، وانتقال زمام السلطة إلى المعارضة، إلا أن حساباتها المعقدة لا تؤكد انتقالها للشعب القرغيزي؛ لأن الأهم من القيام بالثورة هو تربية الشعب على أسس وثقافة الحرية التي تؤمن قيامها بتحقيق متطلباتهم، أو إقالة قياداتها بالطرق السلمية، كما حدث مع فيكتور يوتشينكو زعيم الثورة البرتقالية ورئيس أوكرانيا السابق، الذي خرج من الانتخابات الرئاسية يناير الماضي يجر ذيول الهزيمة والانكسار، بعد أن حصد ما يقارب 5.4% من الأصوات فقط.

أما أن تكتفي الثورة ببعض أعمال السلب والنهب التي تُعبِّر عن غياب ثقافة الاحتجاج، وتسلم قيادتها لأجندة خارجية جديدة تنفذ مشاريع موسكو وتراعي مصالح واشنطن، فهو نعي رخيص لدماء راحت ضحية جهلها بواقع بلادها السياسي، وربما تكون مدادًا لثورات جديدة على أنظمة مختلفة، إلى أن يتمكن الشعب القرغيزي من تشكيل نخبة وطنية انتماؤها الوحيد لبلادها.

وإذا كان البيت الأبيض المحروق في العاصمة بشكيك رسالة قوية لكلِّ مقرات الحكم عما قد تفعله الجماهير إذا اشتد جوعها وظلمها، فإن درس الثورة القرغيزية الأهم لدعاة الإصلاح الحقيقيين؛ هي أن تربية الشعوب أهم من ثوراته، وترسيخ إيمانه بالحرية وحقه في حكم بلاده، هو ضمان السير على الطريق الصحيح للنهضة.

مسرحية "أوباما- ميدفيديف".. للكبار فقط!

 
12-4-2010

كتب- عصام فؤاد:

صخب إعلامي مكثف صاحب توقيع الرئيسين الأمريكي والروسي على اتفاقية جديدة للحد من الأسلحة الهجومية الإستراتيجية (ستارت 2)، فيما تؤكد بنود المعاهدة والظروف الدولية المصاحبة أنها لن تكون أكثر من "شو إعلاني" جديد، يحقق مصالح بعينها لكلا الطرفين أو حلفائهما.

فقد توجهت أنظار العالم كله صباح الخميس الماضي إلى العاصمة التشيكية براغ؛ حيث التقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما نظيره الروسي ديمتري ميدفيديف؛ للتوقيع على اتفاقية الحدِّ من الأسلحة الإستراتيجية بين روسيا والولايات المتحدة، ونقلت عدسات العالم مراسم التوقيع على الهواء مباشرةً؛ باعتبار أنها من أهم أحداث القرن الحالي.

ورحَّب يوكيا أمانو المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالمعاهدة الأمريكية الروسية، وقال: إن الحد من كمية الأسلحة النووية يمثل خطوةً إيجابيةً؛ من أجل إقامة عالم يخلو من الأسلحة النووية، ويعيش في ظل الأمن والسلام، (ويمثل خطوة ستنعكس إيجابيًّا على الجهود الرامية إلى حظر انتشار الأسلحة النووية).

وتحلُّ هذه المعاهدة الجديدة محل سابقتها (ستارت 1) عام 1991م، والتي انتهى مفعولها في 5 ديسمبر عام 2009م، وتحتاج للتصديق عليها من مجلس الشيوخ الأمريكي والدوما (البرلمان الروسي)، حتى تصبح سارية المفعول.

وتنص المعاهدة الجديدة بين روسيا والولايات المتحدة على خفض ترسانتي البلدين من الأسلحة الإستراتيجية الهجومية، وتقليص الرءوس النووية الحربية إلى 1550 لدى كل من الطرفين، وهو ما يعتبر أقل بـ74% من حدود (ستارت 1) عام 1991م، وأقل بـ30% عن السقف المحدد لهذه الرءوس (1700- 2200) وفقًا لمعاهدة موسكو عام 2002م.

وجاء توقيع المعاهدة الجديدة ثمرةً للمفاوضات الثنائية التي عقدت في جنيف طوال أشهر، ولفت مدفيديف إلى أن المعاهدة الجديدة لن تكون فاعلةً وقابلة للتنفيذ إلا بشرط عدم توسع منظومة الدرع الصاروخية الأمريكية، سواء في النوع أو العدد، فيما صرَّح أوباما بأنه يؤيد "حوارًا جديًّا" مع موسكو حول هذه المسألة الشائكة.

مكاسب روسية

ويفتح توقيع (ستارت 2) صفحةً جديدةً في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، التي يأمل رئيسها جني أرباح اقتصادية نظير الموافقة على شروط المعاهدة، التي لم تعطِ روسيا مميزات إضافية كسابقتها في 1991م.

وتأتي الاتفاقية الجديدة بعد عام من لقاء وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ووزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، وضغطهما على زرٍّ رمزيٍّ لإعادة تشغيل العلاقات الثنائية بين البلدين.

ويتوقع الجانبان تقدمًا أكبر في علاقات البلدين هذا العام بعد نتائج ليست كبيرةً العام المنصرم، كان من بينها التوصل إلى اتفاق حول نقل الشحنات الأمريكية إلى أفغانستان عبر الأجواء الروسية، مقابل توقف الأمريكان عن مواصلة تنفيذ مخطط حكومة بوش لإقامة الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية.

وأكد الرئيس الروسي ميدفيديف- في مؤتمر صحفي عقده مع نظيره الأمريكي عقب التوقيع- أنه سيزور الولايات المتحدة في الصيف المقبل، لبحث دفع سبل التعاون الاقتصادي بين البلدين ومسارات تطويره.

وتناولت مباحثات الرئيسين تنمية حجم الاستثمارات الأمريكية في الاقتصاد الروسي، والتي تبلغ 7 مليارات دولار فقط، من خلال مشاريع كبرى في مجال التكنولوجيات المتقدمة، لدعم اقتصاد روسي "ذكي"، يقوم على أساس التكنولوجيا المتقدمة، ويستخدم الخبرة الأمريكية في هذا المجال.

ويعتبر التعاون الاقتصادي بين روسيا وأمريكا هو الأكثر تأخرًا بالنظر لمستوى التعاون العسكري والأمني؛ إذ تتفق الدولتان على كثير من الملفات، مثل الحرب الأمريكية على أفغانستان، وتأمين الكيان الصهيوني، ورعاية تفوقه العسكري على مجموع الدول العربية، والمصالح الأمريكية بالشرق الأوسط، فيما تراعي الولايات المتحدة الإستراتيجية الروسية في آسيا الوسطى وبلاد القوقاز.

كما شهد توقيع (ستارت 2) توافقًا أمريكيًّا روسيًّا في مسألة فرض عقوبات أشد على إيران، وصرَّح أوباما بأن "بلاده ستتحرك مع روسيا في مجلس الأمن لتمرير تلك العقوبات، ولن يتم التسامح مع تصرفات تنتهك معاهدة حظر الانتشار النووي".

وقال ميدفيديف: "إن طهران لا تأبه بمجموعة مقترحة من الحلول الوسط البناءة، ولا يمكننا أن نغلق أعيننا حيال ذلك، ولا أستبعد أن يضطر مجلس الأمن لفرض عقوبات؛ ولكن ذكية ومركزة؛ بحيث لا تؤدي إلى كارثة إنسانية".

تاريخ إجرامي

تصريحات أوباما بأن الاتفاق "سيجعل الولايات المتحدة والعالم أكثر أمانًا"، تحتاج إلى مطالعة تاريخ بلاده في استخدام القوة النووية، ومراجعة بنود الاتفاقية التي تفند بل تكذب تصريحاته.

ويذكر التاريخ أن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي استعملت القنبلة النووية في تاريخ الحروب، عندما ضربت مدينتي هيروشيما وناجاساكي اليابانيتين في أغسطس عام 1945م، بقنبلتين نوويتين خلَّفتا أكثر من 120.000 ألف قتيل في نفس اللحظة، وضعف هذا العدد بعد سنوات.

 ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وقع نحو 2000 انفجار نووي بغرض التجريب، قامت بها الدول السبع التي أعلنت امتلاكها أسلحة نووية، وهي: الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة والصين وباكستان والهند، وأعلنت كوريا الشمالية رسميًّا امتلاكها لأسلحة نووية؛ لكنها لم تقدم أدلة ملموسة حول إجراء اختبار لقنبلتها النووية.

 وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة وروسيا يمتلكان 90% من الأسلحة النووية في العالم، ويأتي الاتحاد الروسي في مقدمة مالكي الرءوس النووية؛ حيث يمتلك نحو 18 ألف رأس معظمها مخزن، وكان ينشر منها حوالي 5000 رأس نووي، أغلبها على حدوده الشرقية المتاخمة لأوروبا، فيما تحلُّ الولايات المتحدة ثانيًا من حيث عدد الرءوس بنحو 11 ألف رأس نووي، أغلبها في المخازن.

وتحوز المملكة المتحدة حوالي 400 قنبلة نووية، فيما قلَّصت فرنسا عدد الرءوس النووية عام 2008م إلى النصف تقريبًا، لتضمَّ ترسانتها نحو 350 رأسًا نوويًّا، وتمتلك الصين 400 رأس، والهند نحو 90، مقابل 40 رأسًا نوويًّا باكستانيًّا، أما قوة كوريا الشمالية النووية فتقدر بحوالي 15 قنبلة نووية.

ولم تعلن الحكومات الصهيونية أو تنكر رسميًّا امتلاكها لأسلحة نووية، وتضع مجلة "جينز" البريطانية المتخصصة في الشئون العسكرية الكيان الصهيوني في المرتبة السادسة من حيث القوة النووية، وقالت- في تقرير لها يوم السبت 10/4/2010م- إن الكيان لديه أسلحة نووية تتراوح ما بين 100- 300 رأس نووي، يمكن تركيبها على صواريخ أرض- أرض، أو إطلاقها من مقاتلات وغواصات نووية.

وكان هناك عدد من الدول التي امتلكت أسلحة نووية ثم تخلت عنها، وهي: أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان اللائي ورثْن آلاف الرءوس من الاتحاد السوفيتي، ولكنها تخلت عنها عام 1996م بنقلها إلى روسيا، غير جنوب إفريقيا التي أنتجت 6 قنابل نووية في الثمانينيات، ولكنها تخلت عنها، وقامت بتدميرها في التسعينيات.

وعلى العكس من روسيا التي تعارض بشدة الانتشار النووي، ساعدت أمريكا حليفتها بريطانيا على بناء ترسانتها النووية، ثم لم تعترض على المشروع النووي الفرنسي، وكان قرب الترسانتين جغرافيًّا من الاتحاد السوفيتي عاملاً إستراتيجيًّا مهمًّا في الحرب الباردة.

ثغرات الاتفاقية

تاريخ الولايات المتحدة في استخدام السلاح النووي أو دعم نشره لفائدتها، يفنِّد المزاعم الحالية بنزعه عالميًّا؛ الأمر الذي تؤكده بنود المعاهدة الجديدة التي تضم ما يزيد عن 160 صفحة، ولا تشمل أحكامها الأسلحة المخزنة، ولكنها تعتني بالأسلحة المنشورة فقط، والتي تمثل أقل من ربع الأسلحة المخزنة.



وتقضي الاتفاقية بأن يقلص الجانبان أسلحتهما الإستراتيجية الهجومية؛ بحيث لا تزيد كمياتها الإجمالية بعد مرور 7 سنوات من سريان مفعول المعاهدة عن 1550 قطعة من الرءوس النووية القتالية، و700 قطعة من الصواريخ الباليستية المنشورة العابرة للقارات، والصواريخ البالستية المنصوبة في الغواصات والقاذفات الثقيلة، و800 قطعة من المنصات المنشورة وغير المنشورة للصواريخ البالستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية المنصوبة في الغواصات والقاذفات الثقيلة.

ولا تنص المعاهدة الجديدة على استمرار المراقبة على تصنيع الصواريخ الروسية، كما أنها لا تقضي بحضور مراقبين في أثناء تصفية تلك الأسلحة، كما يحق لروسيا الخروج من المعاهدة إذا ضخمت واشنطن إلى حد كبير درعها الصاروخية.

وقد حظرت المعاهدة نشر الأسلحة الإستراتيجية الهجومية خارج أراضي الدولة التي تمتلكها، لكنها أباحت مرور الغواصات وتحليقات الطائرات ودخول الغواصات في موانئ دول أخرى، وفقًا  لأحكام القانون الدولي المتفق عليها.

واعتبرت المعاهدة أن إتلاف الأسلحة الإستراتيجية الهجومية يمكن عن طريق تحويلها إلى نوع جديد من الأسلحة التي لا يدخل في نطاق المعاهدة، فإذا تمت إعادة تجهيز منصة للصواريخ البالستية العابرة للقارات أو الصواريخ البالستية المنصوبة بالغواصات- لتستخدم كمنصة من نوع آخر- فإنها توصف بمثابة منصة لذلك النوع الذي تم تحويلها إليه.

ويستمر مفعول المعاهدة خلال 10 سنوات إذا لم يتم استبدال اتفاقية أخرىبها قبل حلول هذا الموعد، ويمكن أن يتفق الجانبان على تمديد مفعول المعاهدة لفترة لا تزيد عن 5 سنوات.

ويحق لكل من واشنطن وموسكو الخروج من المعاهدة، في حال إذا هددت الأمور المتعلقة بها  مصالحها، ويبطل مفعول المعاهدة بعد مرور 3 أشهر، اعتبارًا من لحظة إبلاغ أحد الجانبين الآخر بهذا الشأن، كما فعلت الولايات المتحدة حين خرجت عام 2002م من معاهدة الدرع الصاروخية الموقعة عام 1972م، وذلك من جانب واحد.

مضمون فارغ

البنود السالفة تثبت فراغ المعاهدة من مضمون حقيقي، فضلاً عن قدرة أي من الطرفين على التنصل منها في أي لحظة، حال هددت اليسير من مصالحه، إلا أن تدشينها بهذا الزخم الإعلامي قدم مكاسب مختلفة لإدارتي الكرملين والبيت الأبيض.

فبجانب المكاسب الاقتصادية التي ستجنيها روسيا، تضمن الاتفاقية مكاسب سياسية للرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف الذي يحتاج إلى إنجازات قوية؛ للخروج من مظلة رئيس الوزراء المتنفِّذ فلاديمير بوتين.

وتعكس معاهدة (ستارت 2) التوازن في مصالح روسيا والولايات المتحدة، فلا تتجه المعاهدة فعلاً إلى تخليص العالم من الأسلحة النووية، بل تحتفظ للدولتين بحق التهديد باستخدام الأسلحة النووية في ضربة أولى؛ ما يُبقي العالم تحت خطر التهديد النووي، بدون تقدم خطوة واحدة نحو النزع الشامل لهذه الأسلحة.

وتلبي المعاهدة حاجات الدولتين لتوفير بعض من تكلفة المحافظة على الأسلحة النووية وتأمين مخاطرها، كذلك فإن التطور الكبير في الأسلحة التقليدية جعل الأسلحة التقليدية شديدة التأثير؛ بحيث تقترب من نتائج الأسلحة النووية من دون المشكلات المتعلقة بالإشعاعات والنتائج المعنوية السيئة.

وفي هذا الإطار يأتي الكشف عن نية الجيش الأمريكي تطوير أسلحة ذات رءوس تقليدية، حتى تتمتع بسرعة فائقة وقوة تفجير عالية؛ ما يمكنها من ضرب أي هدف في العالم في غضون ساعة واحدة، بقوة تدميرية تقترب من قوة الأسلحة النووية.

كما تحرص المعاهدة على توفير عمليات تحقيق تضمن لطرف معرفة ما يفعله الآخر؛ ما يحقق درجة من الثقة في عدم انتقال الأسلحة الإستراتيجية إلى جهات أخرى، ويقلل من مخاطر الحوادث والسرقة وحتى البيع؛ ما يقصر حق دخول النادي النووي على أعضائه الحاليين، ويحظر عضويته على المتطلعين إليها، خاصةً من الأطراف الإسلامية، حتى يستمر التفوق الصهيوني في هذا المجال.

مكاسب أوباما

والنقطة السابقة تعدُّ أهم المطامح الأمريكية، وقد صرَّح أوباما بأن المعاهدة ستحاول وقف ظهور دول جديدة تمتلك السلاح النووي أو تنوي امتلاكه، وقال هذا أمر يشكِّل خطرًا غير مقبول على الأمن العالمي قد يؤدي إلى سباق التسلح في الشرق الأوسط وفي الشرق عمومًا!!.

وترى إدارة أوباما أن تحسين العلاقات مع موسكو خطوة مهمة في طريق إنهاء المشروعات النووية الإيرانية وقضية كوريا الشمالية، فضلاً عن التعاون في ملفات أفغانستان والعراق.

ويضمن التلميع الإعلامي للرئيس الأمريكي تحقيق أول انتصار فعلي لسياسته، ويرسم نصرًا شخصيًّا لقائد يتصور العالم خاليًا من الأسلحة النووية؛ ما سيكون له أكبر الأثر في أصوات الناخبين الأمريكيين في انتخابات التجديد النصفي نهاية العام الحالي.

ويأتي التوقيع بعد ثلاثة أيام من إعلان إدارة أوباما إستراتيجية نووية جديدة، تتعهد بعدم استخدام أمريكا سلاحها النووي هجوميًّا، باستثناء كوريا الشمالية وإيران، ويستطيع أوباما أن يستخدم نتائجها حشد الزخم لقمة الأمن النووي ولمنح إدارته مصداقية أكبر في القمة المقرر عقدها في واشنطن يومي 12 و13 أبريل الحالي.

فيما لا تلغي سياسة أوباما للحد من استخدام القوة النووية حق استخدام النووي للحفاظ على مصالح أمريكا وحلفائها، وهذا ما أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون من أن بلادها ستنظر في استخدام الأسلحة النووية في الظروف القصوى للدفاع عن مصالحها الحيوية أو مصالح حلفائها وشركائها.

إيران وباكستان

   وبينما تحرص قمة واشنطن على تجييش المجتمع الدولي ضد أية تحركات- خاصة الإسلامية- لامتلاك السلاح النووي؛ يعلن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو اعتذاره عن عدم حضور القمة، لوأد التحركات التركية التي ستدعو إلى فرض رقابة على المفاعلات والمنشآت النووية الصهيونية، وممارسة ضغوط على الكيان لينضم إلى معاهدة حظر انتشار السلاح النووي.

ويمثل إجهاض برنامج إيران النووي الخطوة الأولى في مسيرة (ستارت 2)، قبل أن يتسع مشوارها ليشمل النووي الباكستاني الذي يحظى باهتمام أمريكي متنامٍ، ويبدو أن فاتورة الاتفاقية الجديدة سيدفعها- كالعادة- العرب والمسلمون، لتحقيق مكاسب شخصية وأخرى دولية تصب جميعها بعيدًا عن الأراضي العربية والإسلامية.