ثورة قرغيزيا.. الاستبداد لا يسقط مجانًا

 
11-4-2010


كتب- عصام فؤاد:

للمرة الثانية خلال خمس سنوات، نجح الشعب القرغيزي في الانقلاب على نظام الحكم في قرغيزيا وخلع رئيس البلاد، إلا أن القراءة المتأنية للمشهد القرغيزي تعطي إشاراتٍ غير متفائلة عن التغيير، ولا تفرق بين ثورة أبريل 2010م والسوسن في مارس 2005م، سوى في بعض كتابات السيناريو فقط، بعيدًا عن مضمون القصة ومساراتها.

بعد اضطرابات واسعة شهدتها جمهورية قرغيزيا المسلمة الأسبوع الماضي، أعلنت المعارضة القرغيزية خلع الرئيس كرمان بيك باكييف وحل البرلمان، وتشكيل حكومة "أمر واقع" ستقوم بإقرار دستور جديد للبلاد وإجراء انتخابات ديمقراطية تشريعية ورئاسية خلال ستة أشهر.

ونصبت المعارضة روزا أوتونباييفا رئيسةً للحكومة المؤقتة، والتي دعت باكييف للاستقالة بهدف ضمان أمنه الشخصي، ولدعم الاستقرار النسبي الذي تشهده البلاد حاليًّا، بعد اشتباكات يوميّ الأربعاء والخميس الماضيين، والتي خلفت نحو 80 قتيلاً و1400 جريح، بعضهم إصابته خطيرة.

وأعلنت أوتونباييفا الحداد يوميّ 9 و10 أبريل على أرواح ضحايا الاشتباكات الأخيرة في البلاد، مشيرةً إلى أن الحكومة الجديدة ستقدم مساعدةً ماليةً بمقدار 22 ألف دولار لعائلة كل ضحية، كما ستقوم بزيارة المواطنين المصابين في الاشتباكات الذين يرقدون في المستشفيات.

وقالت إن المشكلة التي تواجه الحكومة المؤقتة هي إفلاس الدولة بسبب تهريب الرئيس وعائلته أموالاً طائلةً إلى بنوك أجنبية، مشيرةً إلى أن موارد خزينة الدولة لا تتجاوز حاليًّا 15 مليون دولار.

وتحاول الحكومة المؤقتة إجراء اتصالات للسيطرة على جميع الأجهزة؛ لأن قسمًا منها ما زال خارج سيطرتها، ولا تزال المؤسسات الحكومية متوقفة نتيجة الفوضى، وتحكم الحكومة الجديدة قبضتها على أربع مناطق في البلاد من أصل سبع، فيما أعلن وزير الدفاع في الحكومة المؤقتة إسماعيل إيزاكوف أن القوات المسلحة في البلاد وحرس الحدود انضموا إليهم، وقال وزير الداخلية بولوتبك شيرنيازوف: إن عناصر الشرطة انضموا أيضًا للحكومة المؤقتة.

فتنة عرقية

من جانبه، نفى الرئيس المخلوع باكييف إعطاءه أوامر للأمن بإطلاق النار على المتظاهرين، متهمًا القيادة التي استولت على السلطة بأنها المسئولة عن الدماء التي أُريقت، مشيرًا إلى أنه كان مضطرًا لمغادرة مكتب الرئاسة في بشكيك حرصًا على حياته.

وتتهم الحكومة المؤقتة باكييف وأفراد عائلته بإشعال الفتنة وتنظيم أعمال النهب، وقال أميل كبتاغايف القائم بأعمال رئيس إدارة الحكومة المؤقتة: إن هناك محاولة لزعزعة الأمن وإدخال البلاد إلى دوامة العنف الأهلي.

ولجأ باكييف إلى مسقط رأسه في جلال أباد، محاولاً الاحتماء بأهالي عرقه من الأوزبك وإثارتهم ضد ثورة القرغيزيين، وقام أفراد من عائلته بأعمال نهب وإطلاق النار على أناس أبرياء في الشوارع، لكي يتم نسبتها إلى القرغيز؛ ما يشعل نار الفتنة العرقية بين الأوزبك المنتشرين بالجنوب والقرغيزيين في الشمال.

 وعود

 وأعلنت الحكومة القرعيزية المؤقتة أنها ستوقع ليلة السبت على مرسوم ينقل السلطة إليها من الرئيس باكييف بعد إلغاء حصانته، وترفض الحكومة إجراء محادثات معه، فيما يتم ملاحقة نجلي الرئيس المخلوع وشقيقه الأصغر جانيش الذي كان يترأس جهاز أمن الدولة وأمر جنوده بإطلاق النار على المتظاهرين في الأحداث الأخيرة.

 وصرَّح عمر بك تكيباييف، مسئول الشئون الدستورية ونائب رئيسة الحكومة المؤقتة، أن حكومته لا تنوي إقامة نظام سياسي يحصل الفائز فيه على كل شيء، مؤكدًا أن أنصار باكييف سينتقلون إلى معسكر المعارضة، التي ستحصل على ضمانات جديدة في الدستور الجديد، وقال: على سبيل المثال من الواجب أن تحصل المعارضة على 30% من المقاعد على الأقل في لجنة الانتخابات المركزية وعلى عددٍ أدنى من المقاعد في البرلمان.

موسكو

 وأجرى رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين اتصالاً مع رئيسة الحكومة المؤقتة روزا أوتونباييفا عارضًا دعم بلاده، فيما نقلت طائرات عسكرية روسية قوات مظليين لحماية قاعدة عسكرية لموسكو، ما اعتبره المراقبون دعمًا للنظام الجديد بالعاصمة بشكيك، في سبيل مساومة الحكومة الجديدة على إغلاق القاعدة الأمريكية لديها مقابل تقديم الدعم المادي الذي تحتاجه.

الدعم الروسي جاء عقب الرسائل الصريحة التي أرسلها قادة المعارضة لطمأنة الدب الروسي، فأكد عمر بك تكيباييف مسئول الشئون الدستورية في الحكومة الجديدة أن روسيا لعبت دورها في الإطاحة بباكييف، وإن هناك احتمالاً كبيرًا لخفض مدة إيجار الولايات المتحدة لقاعدة ميناس الجوية الأمريكية التي تقع قرب بشكيك وتخدم القوات الأمريكية في أفغانستان.

كما قال وزير المالية في الحكومة المؤقتة تيمير سارييف: إن الحكومة الجديدة في قرغيزيا تعد روسيا "شريكًا إستراتيجيًّا رئيسيًّا"، وإنها طلبت المساعدة المالية والإستراتيجية من موسكو.

وهي التطمينات نفسها التي أرسلها الرئيس المخلوع باكييف حين ترأس الحكومة المؤقتة قبل خمس سنوات؛ ذلك لأن روسيا هي اللاعب الرئيسي في آسيا الوسطى كلها منذ انضمت البلاد للاتحاد السوفيتي بعد قيام الثورة البلشفية عام 1917م، قبل أن تنال قرغيزيا في عام 1936 الوضع القانوني للجمهورية الاتحادية ضمن الاتحاد السوفيتي.

وعقب تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1990م، تم انتخاب عسكر عاكايف كأول رئيسٍ للبلاد، التي تم إعلان استقلالها في يوم 31 أغسطس عام 1991م، وبعد تغيير دستورها عام 1993م تم تغيير اسم الدولة للتحول إلى جمهورية قرغيزيا بديلاً عن قرغيزستان.

القاعدة الأمريكية

 والتقت رئيسة الحكومة المؤقتة القائم بأعمال السفير الأمريكي في قرغيزيا، لتعلن بعدها أن القاعدة الأمريكية ستبقى في الوقت الحالي، وستباشر عملها بشكلٍ كامل، وقالت إن هذا الموضوع لم يثر بعد، إلا أنها أشارت إلى أن حكومتها ستلتزم بالاتفاقيات الدولية التي وقَّعتها بلادها وستفي بالتزاماتها.

وأعلن روبرت بليك مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشئون منطقة آسيا الجنوبية والوسطى أن واشنطن ترى أن السلطة الانتقالية الجديدة تسير في الاتجاه الصحيح، مؤكدًا أن بلاده على اتصالٍ مع طرفي النزاع هناك، دون أن يؤكد الاعتراف الرسمي الأمريكي بالسلطة الجديدة، وقال إن واشنطن تعترف بالدول وليس الحكومات.

وقال مسئولون بوزارة الخارجية الأمريكية: إن وزير خارجية قرغيزيا قادر بك سارباييف التقى مسئولاً دبلوماسيًّا أمريكيًّا رفيعًا في واشنطن، فيما التقى القائم بالأعمال الأمريكي روزا أوتونباييفا في بشكيك.

وكانت الولايات المتحدة استأجرت قاعدة ماناس الجوية عام 2001م لتوفير الإمدادات للقوات الأمريكية في أفغانستان القريبة، وسعى باكاييف العام الماضي لعدم تمديد تأجير القاعدة بعد حصوله على وعد روسي، بتقديم مساعدات بلغت 2 مليار دولار، لكنه غيَّر موقفه لاحقًا بعد موافقة الأمريكيين مضاعفة إيجارها من 17 مليون دولار سنويًّا إلى 63 مليون دولار.

وعملت القاعدة ساعات قليلة في ظل الحكومة المؤقتة، قبل أن يعلِّق الجيش الأمريكي عملها وينقل أنشطتها العسكرية ورحلاتها الجوية إلى قاعدة الكويت بصورة مؤقتة.

الرئيس المخلوع

ويؤكد المراقبون أن نظام باكييف ولَّى بلا رجعةٍ لينهي التاريخ السياسي للرئيس الذي وُلد أول أغسطس عام 1949م، وتخرَّج من معهد كويبيشيف للتكنولوجيا بتخصص الآلات الحاسبة،  وعمل حمَّالاً في مصنع تعليب الأسماك وميكانيكيًّا ثم مهندسًا، قبل أن يتولى عام 1985م إدارة مصنع "بروفيل" التابع لوزارة الصناعة الإلكترونية.

ودخل مجال السياسة عام 1991م حين عمل نائبًا لرئيس مجلس السوفيت في مقاطعة جلال آباد التي تولى إدارتها عام 1995م، قبل أن يشغل منصب رئيس الوزراء عام 2000م، وبقي بالمنصب شهورًا قليلة، قبل أن يضطر لتقديم استقالته بسبب وقوع أحداث مأسوية أسفرت عن  اضطرابات جماهيرية ومقتل 5 أشخاصٍ وإصابة العشرات بجروح في جنوب البلاد.

وفي عام 2004م انتخبت القوى السياسية المعارضة النائب باكييف رئيسًا لاتحاد القوى السياسية "حركة قرغيزيا الشعبية"، وبعد قيام ثورة السوسن في 25 مارس 2005م تم تعيينه قائمًا بأعمال رئيس الجمهورية ورئيسًا للحكومة القرغيزية المؤقتة، قبل انتخابه في يوليو 2005م رئيسًا للجمهورية القرغيزية.

وجدَّد ولايته الرئاسية في انتخابات عام 2009م التي لاقت انتقاداتٍ لاذعة من الاتحاد الأوروبي في تقريره الذي أكد افتقادها للنزاهة والشفافية، وحصل باكييف على عدة أوسمة دولية، أهمها وسام بطرس الأكبر الروسي ووسام "النجمة الفضية" للجمعية البرلمانية في رابطة الدول المستقلة.

تدهور

ويتهم باكييف أطرافًا خارجيةً بتجييش الثورة، إلا أنه لا يستطيع نفي الوضع المتدهور الذي وصلت إليه قرغيزيا خلال فترة حكمه؛ سواء على المستوى السياسي والاقتصادي أو في ملف الحريات وحق التعبير.

ويعيش نحو ثلث سكان قرغيزيا، البالغ عددهم 5.5 ملايين نسمة، تحت خط الفقر، ويبلغ متوسط الدخل الشهري للفرد نحو 130 دولارًا فقط، فيما بلغت السوم (عملة قرغيزيا الوطنية) أدنى مستوياتها خلال سبعة أعوام، ويبلغ سعر الدولار 45 سومًا.

وفضلاً عن تدني الأجور يواجه القرغيزيون ارتفاع الأسعار وسرقة أموال الخزانة العامة نتيجة تفشي الفساد، كما أن تحويلات العاملين القرغيزيين في روسيا انخفضت خلال الأزمة المالية العالمية، وهي تمثل وحدها نحو 30% من اقتصاد قرغيزيا البالغ قيمته 4.7 مليارات دولار.

كما مرر الحزب الحاكم بداية عام 2010م الجاري قانونًا جديدًا لتنظيم أنشطة المؤسسات الدينية، وهو القانون الذي وصفته المنظمات الإسلامية والمسيحية على أنه يقمع الحريات الدينية في البلاد، كما لا يميز بين التطرف والتعبير السلمي عن الدين.

القوى الخارجية

وتتشابه السيرة الذاتية لباكييف مع كثير من كوادر المعارضة التي تسيطر على الحكومة حاليًّا، كما تشابهت أوضاع البلاد في عهده مع أحوالها إبان حكم الرئيس الأسبق عسكر عاكييف، ما يلفت إلى أن ثورة أبريل قد تسير على نهج سابقتها في مارس 2005م، والسبب هو التأثيرات الخارجية التي تملك معظم أوراق مستقبل البلاد.

وتقع جمهورية قرغيزيا في شمال شرق آسيا الوسطى، وهي من أكثر بلدن العالم فقرًا؛ حيث تحتل الجبال أكثر من ثلاثة أرباع أراضيها ولا تطل حدودها على بحار، ولكنها تحتل مكانًا كبيرًا في الإستراتيجية العسكرية، لكلٍّ من روسيا وأمريكا والصين التي تشاركها في منطقة حدودية تبلغ 858 كم.

ويراها المتنافسون بوابة تطل على دول وسط آسيا الغنية بالطاقة، ومنطقة محورية في خطط الغرب للقضاء على الحركات الإسلامية في أفغانستان وآسيا الوسطى التي تشهد صعودًا إسلاميًّا منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، وهو الصعود البادي في اضطرابات وادي فرجانا بين أوزبكستان وطاجيكستان.

ومع التنافس بين القوى الثلاثة على سيادة قرغيزيا، يتفقون على أهمية استقرارها والسيطرة على أي أعمال عنف بها، حتى لا تمتد إلى الدول المتاخمة لها في كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان، ويكون لذلك عواقب لا يمكن التنبؤ بها على المنطقة بالكامل.

والاستقرار الذي تنشده القوى الكبرى لقرغيزيا، هو استقرار قيامها بمصالحهم بنسب معينة، واستثمار الأحداث والحركات الشعبية في رفع تلك النسب وزيادتها؛ وذلك دون التورط في دعم مسلح موسع لكل الأطراف بما يفتح دوامة عنف تؤثر على مصالحهم بالمنطقة.

ومن هذا نفهم رفض روسيا وأمريكا تقديم دعم عسكري كبير لأي من أطراف النزاع خلال الحركات الشعبية السابقة، حتى لو كانت نتائجها في غير صالح أحد المعسكرين، وتفضيل البقاء على الحياد عسكريًّا، مع التحرك سياسيًّا وماليًّا لاستمالة الطرف الكاسب وضمان تأمين مصالحهم هناك.

وهي المصالح التي تتغير وفق مقتضيات السياسة الدولية وحسب طلبات التحرك على رقعة الشطرنج في الحرب الباردة المستمرة بين واشنطن وموسكو، وكلتا العاصمتين جاهزتان للاستغناء عن حليف سابق والاتفاق مع نظام جديد؛ بما يضمن الحفاظ على نسبة مصالحها في البلاد أو في سبيل رفعها.

دروس

وإذا كانت المعطيات الراهنة تؤكد انهيار نظام باكييف، وانتقال زمام السلطة إلى المعارضة، إلا أن حساباتها المعقدة لا تؤكد انتقالها للشعب القرغيزي؛ لأن الأهم من القيام بالثورة هو تربية الشعب على أسس وثقافة الحرية التي تؤمن قيامها بتحقيق متطلباتهم، أو إقالة قياداتها بالطرق السلمية، كما حدث مع فيكتور يوتشينكو زعيم الثورة البرتقالية ورئيس أوكرانيا السابق، الذي خرج من الانتخابات الرئاسية يناير الماضي يجر ذيول الهزيمة والانكسار، بعد أن حصد ما يقارب 5.4% من الأصوات فقط.

أما أن تكتفي الثورة ببعض أعمال السلب والنهب التي تُعبِّر عن غياب ثقافة الاحتجاج، وتسلم قيادتها لأجندة خارجية جديدة تنفذ مشاريع موسكو وتراعي مصالح واشنطن، فهو نعي رخيص لدماء راحت ضحية جهلها بواقع بلادها السياسي، وربما تكون مدادًا لثورات جديدة على أنظمة مختلفة، إلى أن يتمكن الشعب القرغيزي من تشكيل نخبة وطنية انتماؤها الوحيد لبلادها.

وإذا كان البيت الأبيض المحروق في العاصمة بشكيك رسالة قوية لكلِّ مقرات الحكم عما قد تفعله الجماهير إذا اشتد جوعها وظلمها، فإن درس الثورة القرغيزية الأهم لدعاة الإصلاح الحقيقيين؛ هي أن تربية الشعوب أهم من ثوراته، وترسيخ إيمانه بالحرية وحقه في حكم بلاده، هو ضمان السير على الطريق الصحيح للنهضة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق