مسرحية "أوباما- ميدفيديف".. للكبار فقط!

 
12-4-2010

كتب- عصام فؤاد:

صخب إعلامي مكثف صاحب توقيع الرئيسين الأمريكي والروسي على اتفاقية جديدة للحد من الأسلحة الهجومية الإستراتيجية (ستارت 2)، فيما تؤكد بنود المعاهدة والظروف الدولية المصاحبة أنها لن تكون أكثر من "شو إعلاني" جديد، يحقق مصالح بعينها لكلا الطرفين أو حلفائهما.

فقد توجهت أنظار العالم كله صباح الخميس الماضي إلى العاصمة التشيكية براغ؛ حيث التقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما نظيره الروسي ديمتري ميدفيديف؛ للتوقيع على اتفاقية الحدِّ من الأسلحة الإستراتيجية بين روسيا والولايات المتحدة، ونقلت عدسات العالم مراسم التوقيع على الهواء مباشرةً؛ باعتبار أنها من أهم أحداث القرن الحالي.

ورحَّب يوكيا أمانو المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالمعاهدة الأمريكية الروسية، وقال: إن الحد من كمية الأسلحة النووية يمثل خطوةً إيجابيةً؛ من أجل إقامة عالم يخلو من الأسلحة النووية، ويعيش في ظل الأمن والسلام، (ويمثل خطوة ستنعكس إيجابيًّا على الجهود الرامية إلى حظر انتشار الأسلحة النووية).

وتحلُّ هذه المعاهدة الجديدة محل سابقتها (ستارت 1) عام 1991م، والتي انتهى مفعولها في 5 ديسمبر عام 2009م، وتحتاج للتصديق عليها من مجلس الشيوخ الأمريكي والدوما (البرلمان الروسي)، حتى تصبح سارية المفعول.

وتنص المعاهدة الجديدة بين روسيا والولايات المتحدة على خفض ترسانتي البلدين من الأسلحة الإستراتيجية الهجومية، وتقليص الرءوس النووية الحربية إلى 1550 لدى كل من الطرفين، وهو ما يعتبر أقل بـ74% من حدود (ستارت 1) عام 1991م، وأقل بـ30% عن السقف المحدد لهذه الرءوس (1700- 2200) وفقًا لمعاهدة موسكو عام 2002م.

وجاء توقيع المعاهدة الجديدة ثمرةً للمفاوضات الثنائية التي عقدت في جنيف طوال أشهر، ولفت مدفيديف إلى أن المعاهدة الجديدة لن تكون فاعلةً وقابلة للتنفيذ إلا بشرط عدم توسع منظومة الدرع الصاروخية الأمريكية، سواء في النوع أو العدد، فيما صرَّح أوباما بأنه يؤيد "حوارًا جديًّا" مع موسكو حول هذه المسألة الشائكة.

مكاسب روسية

ويفتح توقيع (ستارت 2) صفحةً جديدةً في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، التي يأمل رئيسها جني أرباح اقتصادية نظير الموافقة على شروط المعاهدة، التي لم تعطِ روسيا مميزات إضافية كسابقتها في 1991م.

وتأتي الاتفاقية الجديدة بعد عام من لقاء وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ووزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، وضغطهما على زرٍّ رمزيٍّ لإعادة تشغيل العلاقات الثنائية بين البلدين.

ويتوقع الجانبان تقدمًا أكبر في علاقات البلدين هذا العام بعد نتائج ليست كبيرةً العام المنصرم، كان من بينها التوصل إلى اتفاق حول نقل الشحنات الأمريكية إلى أفغانستان عبر الأجواء الروسية، مقابل توقف الأمريكان عن مواصلة تنفيذ مخطط حكومة بوش لإقامة الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية.

وأكد الرئيس الروسي ميدفيديف- في مؤتمر صحفي عقده مع نظيره الأمريكي عقب التوقيع- أنه سيزور الولايات المتحدة في الصيف المقبل، لبحث دفع سبل التعاون الاقتصادي بين البلدين ومسارات تطويره.

وتناولت مباحثات الرئيسين تنمية حجم الاستثمارات الأمريكية في الاقتصاد الروسي، والتي تبلغ 7 مليارات دولار فقط، من خلال مشاريع كبرى في مجال التكنولوجيات المتقدمة، لدعم اقتصاد روسي "ذكي"، يقوم على أساس التكنولوجيا المتقدمة، ويستخدم الخبرة الأمريكية في هذا المجال.

ويعتبر التعاون الاقتصادي بين روسيا وأمريكا هو الأكثر تأخرًا بالنظر لمستوى التعاون العسكري والأمني؛ إذ تتفق الدولتان على كثير من الملفات، مثل الحرب الأمريكية على أفغانستان، وتأمين الكيان الصهيوني، ورعاية تفوقه العسكري على مجموع الدول العربية، والمصالح الأمريكية بالشرق الأوسط، فيما تراعي الولايات المتحدة الإستراتيجية الروسية في آسيا الوسطى وبلاد القوقاز.

كما شهد توقيع (ستارت 2) توافقًا أمريكيًّا روسيًّا في مسألة فرض عقوبات أشد على إيران، وصرَّح أوباما بأن "بلاده ستتحرك مع روسيا في مجلس الأمن لتمرير تلك العقوبات، ولن يتم التسامح مع تصرفات تنتهك معاهدة حظر الانتشار النووي".

وقال ميدفيديف: "إن طهران لا تأبه بمجموعة مقترحة من الحلول الوسط البناءة، ولا يمكننا أن نغلق أعيننا حيال ذلك، ولا أستبعد أن يضطر مجلس الأمن لفرض عقوبات؛ ولكن ذكية ومركزة؛ بحيث لا تؤدي إلى كارثة إنسانية".

تاريخ إجرامي

تصريحات أوباما بأن الاتفاق "سيجعل الولايات المتحدة والعالم أكثر أمانًا"، تحتاج إلى مطالعة تاريخ بلاده في استخدام القوة النووية، ومراجعة بنود الاتفاقية التي تفند بل تكذب تصريحاته.

ويذكر التاريخ أن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي استعملت القنبلة النووية في تاريخ الحروب، عندما ضربت مدينتي هيروشيما وناجاساكي اليابانيتين في أغسطس عام 1945م، بقنبلتين نوويتين خلَّفتا أكثر من 120.000 ألف قتيل في نفس اللحظة، وضعف هذا العدد بعد سنوات.

 ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وقع نحو 2000 انفجار نووي بغرض التجريب، قامت بها الدول السبع التي أعلنت امتلاكها أسلحة نووية، وهي: الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة والصين وباكستان والهند، وأعلنت كوريا الشمالية رسميًّا امتلاكها لأسلحة نووية؛ لكنها لم تقدم أدلة ملموسة حول إجراء اختبار لقنبلتها النووية.

 وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة وروسيا يمتلكان 90% من الأسلحة النووية في العالم، ويأتي الاتحاد الروسي في مقدمة مالكي الرءوس النووية؛ حيث يمتلك نحو 18 ألف رأس معظمها مخزن، وكان ينشر منها حوالي 5000 رأس نووي، أغلبها على حدوده الشرقية المتاخمة لأوروبا، فيما تحلُّ الولايات المتحدة ثانيًا من حيث عدد الرءوس بنحو 11 ألف رأس نووي، أغلبها في المخازن.

وتحوز المملكة المتحدة حوالي 400 قنبلة نووية، فيما قلَّصت فرنسا عدد الرءوس النووية عام 2008م إلى النصف تقريبًا، لتضمَّ ترسانتها نحو 350 رأسًا نوويًّا، وتمتلك الصين 400 رأس، والهند نحو 90، مقابل 40 رأسًا نوويًّا باكستانيًّا، أما قوة كوريا الشمالية النووية فتقدر بحوالي 15 قنبلة نووية.

ولم تعلن الحكومات الصهيونية أو تنكر رسميًّا امتلاكها لأسلحة نووية، وتضع مجلة "جينز" البريطانية المتخصصة في الشئون العسكرية الكيان الصهيوني في المرتبة السادسة من حيث القوة النووية، وقالت- في تقرير لها يوم السبت 10/4/2010م- إن الكيان لديه أسلحة نووية تتراوح ما بين 100- 300 رأس نووي، يمكن تركيبها على صواريخ أرض- أرض، أو إطلاقها من مقاتلات وغواصات نووية.

وكان هناك عدد من الدول التي امتلكت أسلحة نووية ثم تخلت عنها، وهي: أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان اللائي ورثْن آلاف الرءوس من الاتحاد السوفيتي، ولكنها تخلت عنها عام 1996م بنقلها إلى روسيا، غير جنوب إفريقيا التي أنتجت 6 قنابل نووية في الثمانينيات، ولكنها تخلت عنها، وقامت بتدميرها في التسعينيات.

وعلى العكس من روسيا التي تعارض بشدة الانتشار النووي، ساعدت أمريكا حليفتها بريطانيا على بناء ترسانتها النووية، ثم لم تعترض على المشروع النووي الفرنسي، وكان قرب الترسانتين جغرافيًّا من الاتحاد السوفيتي عاملاً إستراتيجيًّا مهمًّا في الحرب الباردة.

ثغرات الاتفاقية

تاريخ الولايات المتحدة في استخدام السلاح النووي أو دعم نشره لفائدتها، يفنِّد المزاعم الحالية بنزعه عالميًّا؛ الأمر الذي تؤكده بنود المعاهدة الجديدة التي تضم ما يزيد عن 160 صفحة، ولا تشمل أحكامها الأسلحة المخزنة، ولكنها تعتني بالأسلحة المنشورة فقط، والتي تمثل أقل من ربع الأسلحة المخزنة.



وتقضي الاتفاقية بأن يقلص الجانبان أسلحتهما الإستراتيجية الهجومية؛ بحيث لا تزيد كمياتها الإجمالية بعد مرور 7 سنوات من سريان مفعول المعاهدة عن 1550 قطعة من الرءوس النووية القتالية، و700 قطعة من الصواريخ الباليستية المنشورة العابرة للقارات، والصواريخ البالستية المنصوبة في الغواصات والقاذفات الثقيلة، و800 قطعة من المنصات المنشورة وغير المنشورة للصواريخ البالستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية المنصوبة في الغواصات والقاذفات الثقيلة.

ولا تنص المعاهدة الجديدة على استمرار المراقبة على تصنيع الصواريخ الروسية، كما أنها لا تقضي بحضور مراقبين في أثناء تصفية تلك الأسلحة، كما يحق لروسيا الخروج من المعاهدة إذا ضخمت واشنطن إلى حد كبير درعها الصاروخية.

وقد حظرت المعاهدة نشر الأسلحة الإستراتيجية الهجومية خارج أراضي الدولة التي تمتلكها، لكنها أباحت مرور الغواصات وتحليقات الطائرات ودخول الغواصات في موانئ دول أخرى، وفقًا  لأحكام القانون الدولي المتفق عليها.

واعتبرت المعاهدة أن إتلاف الأسلحة الإستراتيجية الهجومية يمكن عن طريق تحويلها إلى نوع جديد من الأسلحة التي لا يدخل في نطاق المعاهدة، فإذا تمت إعادة تجهيز منصة للصواريخ البالستية العابرة للقارات أو الصواريخ البالستية المنصوبة بالغواصات- لتستخدم كمنصة من نوع آخر- فإنها توصف بمثابة منصة لذلك النوع الذي تم تحويلها إليه.

ويستمر مفعول المعاهدة خلال 10 سنوات إذا لم يتم استبدال اتفاقية أخرىبها قبل حلول هذا الموعد، ويمكن أن يتفق الجانبان على تمديد مفعول المعاهدة لفترة لا تزيد عن 5 سنوات.

ويحق لكل من واشنطن وموسكو الخروج من المعاهدة، في حال إذا هددت الأمور المتعلقة بها  مصالحها، ويبطل مفعول المعاهدة بعد مرور 3 أشهر، اعتبارًا من لحظة إبلاغ أحد الجانبين الآخر بهذا الشأن، كما فعلت الولايات المتحدة حين خرجت عام 2002م من معاهدة الدرع الصاروخية الموقعة عام 1972م، وذلك من جانب واحد.

مضمون فارغ

البنود السالفة تثبت فراغ المعاهدة من مضمون حقيقي، فضلاً عن قدرة أي من الطرفين على التنصل منها في أي لحظة، حال هددت اليسير من مصالحه، إلا أن تدشينها بهذا الزخم الإعلامي قدم مكاسب مختلفة لإدارتي الكرملين والبيت الأبيض.

فبجانب المكاسب الاقتصادية التي ستجنيها روسيا، تضمن الاتفاقية مكاسب سياسية للرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف الذي يحتاج إلى إنجازات قوية؛ للخروج من مظلة رئيس الوزراء المتنفِّذ فلاديمير بوتين.

وتعكس معاهدة (ستارت 2) التوازن في مصالح روسيا والولايات المتحدة، فلا تتجه المعاهدة فعلاً إلى تخليص العالم من الأسلحة النووية، بل تحتفظ للدولتين بحق التهديد باستخدام الأسلحة النووية في ضربة أولى؛ ما يُبقي العالم تحت خطر التهديد النووي، بدون تقدم خطوة واحدة نحو النزع الشامل لهذه الأسلحة.

وتلبي المعاهدة حاجات الدولتين لتوفير بعض من تكلفة المحافظة على الأسلحة النووية وتأمين مخاطرها، كذلك فإن التطور الكبير في الأسلحة التقليدية جعل الأسلحة التقليدية شديدة التأثير؛ بحيث تقترب من نتائج الأسلحة النووية من دون المشكلات المتعلقة بالإشعاعات والنتائج المعنوية السيئة.

وفي هذا الإطار يأتي الكشف عن نية الجيش الأمريكي تطوير أسلحة ذات رءوس تقليدية، حتى تتمتع بسرعة فائقة وقوة تفجير عالية؛ ما يمكنها من ضرب أي هدف في العالم في غضون ساعة واحدة، بقوة تدميرية تقترب من قوة الأسلحة النووية.

كما تحرص المعاهدة على توفير عمليات تحقيق تضمن لطرف معرفة ما يفعله الآخر؛ ما يحقق درجة من الثقة في عدم انتقال الأسلحة الإستراتيجية إلى جهات أخرى، ويقلل من مخاطر الحوادث والسرقة وحتى البيع؛ ما يقصر حق دخول النادي النووي على أعضائه الحاليين، ويحظر عضويته على المتطلعين إليها، خاصةً من الأطراف الإسلامية، حتى يستمر التفوق الصهيوني في هذا المجال.

مكاسب أوباما

والنقطة السابقة تعدُّ أهم المطامح الأمريكية، وقد صرَّح أوباما بأن المعاهدة ستحاول وقف ظهور دول جديدة تمتلك السلاح النووي أو تنوي امتلاكه، وقال هذا أمر يشكِّل خطرًا غير مقبول على الأمن العالمي قد يؤدي إلى سباق التسلح في الشرق الأوسط وفي الشرق عمومًا!!.

وترى إدارة أوباما أن تحسين العلاقات مع موسكو خطوة مهمة في طريق إنهاء المشروعات النووية الإيرانية وقضية كوريا الشمالية، فضلاً عن التعاون في ملفات أفغانستان والعراق.

ويضمن التلميع الإعلامي للرئيس الأمريكي تحقيق أول انتصار فعلي لسياسته، ويرسم نصرًا شخصيًّا لقائد يتصور العالم خاليًا من الأسلحة النووية؛ ما سيكون له أكبر الأثر في أصوات الناخبين الأمريكيين في انتخابات التجديد النصفي نهاية العام الحالي.

ويأتي التوقيع بعد ثلاثة أيام من إعلان إدارة أوباما إستراتيجية نووية جديدة، تتعهد بعدم استخدام أمريكا سلاحها النووي هجوميًّا، باستثناء كوريا الشمالية وإيران، ويستطيع أوباما أن يستخدم نتائجها حشد الزخم لقمة الأمن النووي ولمنح إدارته مصداقية أكبر في القمة المقرر عقدها في واشنطن يومي 12 و13 أبريل الحالي.

فيما لا تلغي سياسة أوباما للحد من استخدام القوة النووية حق استخدام النووي للحفاظ على مصالح أمريكا وحلفائها، وهذا ما أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون من أن بلادها ستنظر في استخدام الأسلحة النووية في الظروف القصوى للدفاع عن مصالحها الحيوية أو مصالح حلفائها وشركائها.

إيران وباكستان

   وبينما تحرص قمة واشنطن على تجييش المجتمع الدولي ضد أية تحركات- خاصة الإسلامية- لامتلاك السلاح النووي؛ يعلن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو اعتذاره عن عدم حضور القمة، لوأد التحركات التركية التي ستدعو إلى فرض رقابة على المفاعلات والمنشآت النووية الصهيونية، وممارسة ضغوط على الكيان لينضم إلى معاهدة حظر انتشار السلاح النووي.

ويمثل إجهاض برنامج إيران النووي الخطوة الأولى في مسيرة (ستارت 2)، قبل أن يتسع مشوارها ليشمل النووي الباكستاني الذي يحظى باهتمام أمريكي متنامٍ، ويبدو أن فاتورة الاتفاقية الجديدة سيدفعها- كالعادة- العرب والمسلمون، لتحقيق مكاسب شخصية وأخرى دولية تصب جميعها بعيدًا عن الأراضي العربية والإسلامية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق