‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مصر. إظهار كافة الرسائل

تناقضات هيكل وإلهامات الشمولية

 

بقلم: عصام فؤاد

ردود أفعال متابينة أفرزها حوار جريدة الأهرام مع الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل بعد دعوة الأخير إلى تجاوز نتيجة الاستفتاء السابق وما أعقبه من إعلان دستوري وتأجيل الترتيب للانتخابات التشريعية والرئاسية وصياغة البرلمان لدستور جديد، معللا ذلك بقوله: "أريد أن ألح في موضوع الاطمئنان والاستقرار والشعور بالأمن والراحة, فذلك لا يوفره مجرد إجراء انتخابات علي غير أساس, أو وضع دستور علي طريقة عرفناها مرات".

"وما يوفر الاطمئنان والاستقرار والشعور بالأمن والراحة – في رأي هيكل - أن ترسل هذه الكتل الجماهيرية بممثلين إلي مجلس من نوع ما.. تشاوري أو مؤقت أو تأسيسي, مجلس معترف به، وهو مجلس أمناء الدولة والدستور".

ولم يوضح كيفية اختيار مجلس أمناء الدستور أو المؤتمر الوطني وكيف ترسل هذه الكتل الجماهيرية بممثليها بطريقة غير الانتخابات المقررة في سبتمبر ويدعو هيكل لتأجيلها؟، ولا حتى كيف سيتوفر الأمان والاستقرار بمجرد اختيار مجلس الأمناء مع إطالة الفترة الانتقالية؟، رغم أن هيكل يعود في نهاية حواره فيؤكد أن الوضع الحالي طبيعي، ويقول "لكني أعرف أن تلك تجربة الثورة في كل عصر ومكان وتصنع مثل هذه الآثار غداة وقوعها, وأتفهم هذه الحيرة وهذه المخاطر إلي درجة الفوضي".

والحاجة للمجلس أو مؤتمر وطني جامع "ألا تظل المسألة طرفا يطلب وآخر يستجيب أو لا يستجيب, وحتي لا تظل الجماهير تشهد ويعجبها أو لا يعجبها", رغم أن هذه النقطة تحديدا من خصائص المرحلة الانتقالية التي يطلب هيكل إطالتها لسنتين أو ثلاث سنوات وربما أكثر.

ويعرج على مسألة الرئاسة فيوضح: أنه لا يجد حرجا في تسمية المشير طنطاوي رئيسا للدولة في هذه المرحلة الانتقالية, وإذا رأى المشير أن تكون رئاسة الدولة لمجلس رئاسي فليس من الصعب العثور علي عضوين فيه إلي جانب المشير طنطاوي مع استمرار مسئوليته عن وزارة الدفاع وعن المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذي يمكن أن يتحول إلي مجلس أعلى للأمن الوطني".

ويصعب فهم اقتراح هيكل غير المتحرج، فلا طائل من وراء تسمية المشير رئيسا سوى مجاملة تاريخية، لاسيما وهو يقوم فعلا بمهام رئيس الدولة بهذه المرحلة الانتقالية، ويعود هيكل فيتحرج من اقتراح مجلس رئاسي انتقالي، ويجعله مرهونا بإرادة المشير "إذا رأى أن تكون رئاسة الدولة لمجلس رئاسي فليس من الصعب العثور علي عضوين فيه (خيالين مآتة) إلي جانب المشير طنطاوي مع استمرار مسئوليته عن وزارة الدفاع وعن المجلس الأعلى للقوات المسلحة".

ويعمل مجلس أمناء الدولة والدستور مع المجلس الرئاسي في التحضير لانتخابات جمعية تأسيسية, تطرح دستورا جديدا بدون برلمان، ما اعتبره "ضمانة كبري لسلامة وشرعية فترة الانتقال ذاتها".

وبالتأكيد الضمانة الحقيقية هي برلمان شعبي يضع دستور وطنه بطريقة ديموقراطية غير "التي عرفها هيكل مرات"، سواء الإعلانات الدستورية التي اعتمد عليها مجلس ثورة 23 يوليو حتى وضع دستور 1956م أو دستور الوحدة في مارس 1958م والدستور المؤقت في مارس 1964م وحتى دستور 1971م، بالإضافة لمشاركته بالصمت عن رفض مجلس قيادة الثورة مشروع دستور 1954م الأفضل في تاريخ مصر المعاصر، والذي شهد هيكل إجهاضه ورميه في صنايق القمامة وضرب العلامة القانونية السنهورى باشا بالحذاء؛ لإقرار ذلك الدستور نظام الجمهورية البرلمانية.

ويبدو أن تلك التجربة الديموقراطية هي ما يحث هيكل الجيش على تنفيذها حين اعتبر تجربة ثورة يوليو 1952م ملهمة لإدارة الفترة الانتقالية، وذلك حين علقت القوات المسلحة العمل بالدستور وحلت الأحزاب وجماعة الإخوان المسلمين وأجلت مشروع الديمقراطية، بدعوى توفير الأمن وتوعية المواطن قبل الانتخابات!!.

وإن تعجب فالأعجب أن الاقتراحات جاءت من شخص يؤكد في الحوار أنه "مراقب مهتم من بعيد" لمسار الثورة الحالية، فلما يقحم نفسه داخلها في هذا التوقيت؟!.

وبعد اكتساب بعض المصداقية ببيان بعض جرائم نظام مبارك، يشرك هيكل الشعب في المسئولية عن جرائمه "بتفوقه في صنع الطغاة"، ويرى أن "مبارك يحاسب علي غير الأساس الذي يجب أن يحاسب عليه, ويكون التعويض التلقائي عن ذلك بإساءة التصرف معه, والحديث إليه بفظاظة, ثم ينقل لنا أنه أغمى عليه في أثناء التحقيق معه, وأنه كرر القول أن الله كبير".

ويتابع: "في بعض اللحظات, وأنا رجل عرفت وتابعت وعارضت سياساته في وقتها, لم أتمالك نفسي من التعاطف مع مبارك كإنسان وكأب, وكزوج"، معتبرا أن الجرائم السياسية فقط هي التي يواجهها مبارك "ولا تدخل في نطاق النيابة العامة".

ويطلب هيكل محاكمة مبارك "بسلطة السياسة وبمنطق التاريخ الذي عرفه العالم كله, خصوصا تاريخ الثورات"، ويحصرها قائلا: "هناك ثلاث طرق وليس أربع: إما عقاب مباشر، فات وقته فيما أظن، أو محاكمة شعبية مفتوحة وإن كان ظني أن ذلك ليس وقتها, بإعتبار أن البلد ليست في حاجة إلي شاغل آخر عن المستقبل, وكذلك فإنه من الممكن تأجيل مثل تلك المحاكمة, وإحالتها إلي عهدة البرلمان القادم، وإما خروج بشروط".

وبحسب قواعد تاريخ هيكل فليس أمام الشعب سوى تأجيل محاكمة مبارك السياسية إلى البرلمان القادم والذي طالب بتأجيل انتخاباته، ما يعني تأجيل المحاكمة لما يزيد عن ثلاث أو أربع سنوات، أو السماح له بالفرار بشروط قد تكون تسليم ممتلكاته في مصر وإعتذار شفهي للشعب الطيب، رغم أن هيكل يعود فيناقض حديثه عن منطق تاريخ الثورات فيقول في جزء آخر من حواره: "وأنا أعرف من دروس التاريخ أن الثورات لا تتشابه ولا تتكرر, وأن كل ثورة لها طبائعها ومناخها وأحوالها, وأن الثورة المصرية الراهنة هي الأخري فريدة من نوعها".

ولم يكتم هيكل خلال الحوار شهوته في إظهاره كأحد رجال العالم العارفين ببواطن الأمور بدءً من عملية اغتيال بن لادن وحتى تحركات وخطط المجموعة الأوربية، وهو كلام في مجمله يحتمل الصواب أو الخطأ لغياب مصداقية المصدر، فضلا عن توافر دقته التي غابت حين حدد أنواع الفساد "في 3 قضايا أساسية: المالي والإداري، والاستراتيجي والسياسي، والمتعلق بجرائم إنسانية مثل التعذيب"، متجاهلا المسئولية عن الفساد الاجتماعي والأخلاقي، الذي يعاني من آثاره كل أفراد المجتمع، ولكنه ليس على أجندة الكاتب الكبير.

وأقول لهيكل: نعم الأجيال الجديدة هي التي تملك المستقبل، وبإذن الله تصنعه بعد أن قرأت تاريخها ووعت دروسه وعرفت أولوليات الوقت وواجباته، والتي ليس من بينها إلهامات انقلاب 52 أول المسئولين عن صنع الطغاة.

جدارهم العالي وفولاذنا التحتاني

 


2-1-2010

 بقلم: عصام فؤاد

أحسن ما أبرزه الجدار الفولاذي- إن كان بالأمر حُسن- هو التطابق الكامل بين نظام مصر الحاكم والإدارة الصهيونية في التعامل مع ملف القضية الفلسطينية، فإن اختلفت الوسائل وتغيرت الأسباب، تبقى المصلحة للإدارتين واحدةً والموت للفلسطينيين واحدًا.

وربما تكون النتيجة السابقة معروفة للمتابع البصير، إلا أن قيمة الجدار الفولاذي ما أثبته بالنظر المجرد من اتفاق النتائج واختلاف الصياغات، وذلك بعقد مقارنة بسيطة بين الجدار العازل الذي يبنيه الكيان الصهيوني قرب الخط الأخضر، والجدار الفولاذي الذي يتبناه فريق الرئيس مبارك على الحدود بين رفح المصرية والفلسطينية.

لم يكن مفاجئًا ولا مستترًا بناء حكومة الصهيوني آرييل شارون لما أسماه الجدار العازل، والذي بدأ تنفيذه سنة 2002م بقصد وقف هجمات المقاومة الفلسطينية ضد سكان دولة الكيان أو المغتصبات الصهيونية القريبة، فيما بدأ واستمر العمل بالجدار الفولاذي سرًّا بغرض خنق المقاومة الغزاوية ووقف دعمها، وبعد أن اكتمل بناء أكثر من نصفه فضحته الصحافة الصهيونية، وكشفت أمره على الملأ.

فوق الأرض كان الجدار العازل، عاليًا وصريحًا رغم افتقاده التسليح الحقيقي وسهولة اختراقه مثل شأن الكيان في التعامل مع العرب عامة والقضية الفلسطينية خاصة، وتحت الأرض كان الجدار الفولاذي مختبئًا ولئيمًا، قوي التسليح وشديد الضرر، كحال الحكومة المصرية الحالية في ضرب القضية الفلسطينية.

والجدار العازل سيبلغ طوله عند إتمام بنائه نحو 704 كيلومترات بالمحاذاة للخط الأخضر الذي رسمه الصهاينة على حدود الضفة الغربية، ويفصل بين حدود الأراضي المحتلة سنة 1948م والمحتلة سنة 67، وأضرار الجدار؛ أهمها الاقتصادي بالتشديد على سكان الضفة والتضييق على عمالها طالبي الرزق داخل حدود الخط الأخضر، وكذلك التشديد الأمني على المقاومة بمضاعفة التحصينات وتكثيف حماية الصهاينة.

أما الجدار الفولاذي فيجري بناؤه على مسافة 10 كيلومترات هي طول محور صلاح الدين الفاصل بين مصر وغزة، ويتم غرس حوائطه الحديدية في الأرض على عمق (20- 30م)، ويتكون من صفائح حديدية صلبة طول الواحدة منها 18م وسمكها 50 سم مزودةً بمجسات تنبِّه إلى محاولات خرقه، ومهمته إكمال الحصار البري والبحري والجوي ضد قطاع غزة، ووقف ما تهربه الأنفاق إليه، وتجويع أهله بتشديد حصاره، وخنق المقاومة بل قتلها، وشل تهديدها الدائم لأمن الكيان الصهيوني.

وصاحبت الجدار العازل شرعية قانونية وشعبية في دولة الكيان، فقد تم بناؤه بقرار حكومة تحمل شرعية صهيونية، وبعد إقراره واعتماده في الكنيست (البرلمان)، فيما تبنى "الفولاذي" حكومة ليس لها في مصر سوى شرعية البلطجة وهراوات الأمن المركزي، وبدون عرض على مجلس الشعب أو حتى الاهتمام برأيه، مع القدرة على تمريره بعد افتضاحه بواسطة مصفقي الأغلبية وعرائس الحزب الوطني بالبرلمان.

أغرب ما في المقارنة هو أن الجدار العازل أوقف بناءه قرار محكمة العدل الصهيونية العليا للأخذ بالتماسات فلسطينيين وأعضاء من جمعيات صهيونية طالبت بتغيير مسار الجدار وتخفيف حدة أضراره بحياة الفلسطينيين وأراضيهم الزراعية، وهو القرار الذي التزمت به الحكومة فقامت بتعديل مسار الجدار، بينما يعرف القاصي والداني مصير الدعوى المرفوعة حاليًّا أمام القضاء الإداري المصري وتختصم رئيس الجمهورية وحكومته؛ لوقف بناء الجدار الفولاذي، وإزالة ما تم بناؤه منه، فتاريخ نظام مبارك معروف في عدم احترام القانون أو تقديره.

وطنيًّا كان آرييل شارون وهو يبني الجدار العازل حماية لبني جلدته، وشريفًا كان في إعلان كراهيته للعرب ورغبته في قتلهم جميعًا، تحقيقًا لمصلحة كيانه المزعوم، أما ما يتم الآن تحت الأرض، فيدور بتواطؤ مصري صهيوأمريكي، كما صرح ريتشارد فولك المقرر الخاص في "الأمم المتحدة" والمعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل يتم بالمخالفة لبنود معاهدة جنيف الرابعة الخاصة بدعم سكان الأراضي الخاضعة للاحتلال، وإن اختلفت أوصاف القرار المباركي، فلا اختلاف في أن الفولاذي لا يخدم سوى مصلحة الكيان الصهيوني ولا يراعي سوى أمنه.

المشهد لم تغب عنها صورة جمعيات صهيونية تتدخل لتعديل مسار الجدار العازل وتحركات شعبية لدعمه وتأييده للحفاظ على أمنهم، فيما يغيب تمامًا الشعب المصري الذي يكتفي بإغماض عينيه ودفن لسانه بعد ضميره، ليجري وراء لقمة غموسها الخنوع ومذاقها الذل والهوان، حتى يقضيَ الله أمرًا كان مفعولاً.

حظر منابر المقاومة.. قبل الذبح أوقف الكاميرا!

  12-12-2009

تحقيق- عصام فؤاد:

في خطوة أمريكية لتكميم الأفواه وقصف مآذن المقاومة الإعلامية وَافَقَ الكونجرس الأمريكي بأغلبية ساحقة على مشروع قانون لمعاقبة القنوات الفضائية التي تناهض مخططات الاحتلال الأمريكي بالوطن العربي والإسلامي.

مشروع القانون- الذي نال موافقة 395 عضوًا من أعضاء الكونجرس مقابل رفض ثلاثة فقط- يطالب باتخاذ إجراءات عقابية بحق أية قناة فضائية تحرض ضد الأمريكان أو الممتلكات الأمريكية، مثل: الأقصى والقدس الفلسطينيتين، والمنار اللبنانية، والرافدين العراقية، ومعاقبة مالكي قمريّ نايل سات وعرب سات اللذين يسمحون ببث هذه القنوات.

وليس جديدًا تعامل الكونجرس الأمريكي مع المنطقة العربية على أنها ولايات أمريكية يحكمها البيت الأبيض، ولا التعامل مع حكامها على أنهم عُمَدٌ أمريكيون خاضعون للدستور الأمريكي، ولكن اللافت هو التجاهل الكبير للمشروع على مستوى الإعلام العربي الرسمي وكثير من الصحف المستقلة، رغم خطورة القانون واتساع رقعة تأثيره.

ويعتبر مشروع القانون- الذي سيتم تصويت مجلس الشيوخ قبل إقراره- نكتة سوداء  جديدة على وجه العالم الليبرالي الحر التي تدعي أمريكا زعامته، وعلامة استفهام كبيرة حول معنى شعارات حرية التعبير المرفوعة فقط عند الاستهزاء بالقيم الدينية والربانية.

وقد تعلَّمنا من ازدواجية المعايير الأمريكية أن المقاومة تصبح إرهابًا، ويصبح دعمها جريمة إذا طالت مصلحة أمريكية أو صهيونية، لذا فخطورة هذا المشروع تتمثل في تقنين الإجرام الصهيوأمريكي، وتشريع إبادة المدنيين في فلسطين والعراق وأفغانستان على أنها حروب دفاعية عن أصحاب الدم الأزرق.

"إخوان أون لاين" فتح التساؤلات حول المشروع وقانونيته، وما إن كان بداية لحرب جديدة ضد المقاومة بعد إجهاض أسلحتها الإعلامية، وسبل المواجهة العربية للمشروع، وكان ردُّ الخبراء التالي..

استباحة

يرى المستشار طارق البشري نائب رئيس مجلس الدولة السابق أن ضعف الأنظمة العربية هو المسئول الأول والأخير عن إصدار مثل هذه التشريعات؛ لأنها تسمح للإدارة الأمريكية بالتدخل الدائم في شئونها؛ حتى أصبحت تستبيح المنطقة كلها وتطوعها لمصالحها.

ولا يستبعد أن يكون مشروع القانون مقدِّمة لضربة عسكرية جديدة بالشرق الأوسط، موضحًا أن أمريكا تستخدم كل أدواتها الناعمة والخشنة لخدمتها، ولتأمين مصالح الكيان الصهيوني وأمنه.

 إعلان حرب

ويصف الكاتب الصحفي عبد الحليم قنديل المنسق العام لحركة "كفاية" مشروع القانون الأمريكي بأنه تشريع إجرامي، وإعلان حرب صريح ضد المنطقة العربية كلها؛ لأنه يقنن حرب إعلام المقاومة، والبداية عقوبات اقتصادية على قنواته الفضائية ومالكيها قبل إفساح الطريق لقصفها وضرب الأراضي التي تحتضنها.



ويحذر من التهاون مع المشروع؛ لأنه يَلْبَسُ اليوم ثوبًا أمريكيًّا قد يتحول إلى دولي إذا نجح الأمريكان في رفعه إلى الأمم المتحدة واستخدام طرقهم لتمريره، ومن ثم تصبح الحرب ضد إعلام المقاومة حربًا دولية والعقوبات كذلك.

 ويوضح أن الأنظمة العربية استمرأت الاستعباد وصارت بلا حصانة دولية، ما يتطلب حركة فاعلة من المعارضة والقوى الشعبية للضغط على أنظمتها في سبيل التحرك السياسي لوأد مشروع القانون قبل تنفيذه.

ويطالب قنديل بتعبئة سريعة على الجبهة الإعلامية بكل الوطن العربي لمناصرة مآذن المقاومة، وتحريك الشارع العربي لدفع تلك لكارثة، وذلك بالتعاون مع النقابات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني، معلنًا أنه دعا لمؤتمر عاجل بنقابة الصحفيين لمناقشة الرد على المشروع الأمريكي وسبل وقفه.

صمت مريب

ويتفق د. صفوت العالم، عميد كلية الإعلام بجامعة 6 أكتوبر مع مطالبة قنديل بتعبئة الجبهة الإعلامية والشارع العربي، مطالبًا لجنة الإعلام الدائمة بجامعة الدول العربية ووزراء الإعلام العرب بالتدخل السياسي العاجل قبل تنفيذ المشروع.

ويتعجب د.العالم من الصمت المريب لوسائل الإعلام العربي الرسمي إزاء تدخل الكونجرس لفرض وصايته على إعلامنا، في ظل غياب عربي كامل عن متابعة الحدث فضلاً عن مواجهته.

ويحذر د. صفوت من توسيع رقعة الحرب إلى كافة وسائل الإعلام العربي عدا أبواق التطبيع منها، وفي الوقت نفسه تبث القناتان الثانية والعاشرة الصهيونيتان دعايات عدائية مستمرة ضد العرب والمسلمين، بلغت حد محاولة الإساءة لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، بحجة حماية حرية التعبير.

برلمان عاجز

ومن جانبه لا يتوقع النائب حسين إبراهيم نائب رئيس كتلة الإخوان المسلمين البرلمانية أي تصرف جدي من مجلس الشعب لإجهاض المشروع الأمريكي، ويقول: إن أغلبية الحزب الحاكم تنازلت عن حقها تمامًا وصارت مطية للنظام، فلا أتصور أن تتحرك لفعل أي شيء إلا بأمره.

ويذكِّر إبراهيم أن نواب الحزب عارضوا طلب وقف مد الكيان الصهيوني بالغاز رغم حرب الإبادة التي يشنها جيشه ضد العرب والمسلمين من وقت لآخر، ويتابع قائلاً: لذا فإن احتمالات طلب معاملة الأمريكين بالمثل ومعاقبة إعلامهم الذي يحرض علينا ويتعرض لقيمنا الدينية غير واردة بالمرة.

ويؤكد أن كتلة الإخوان البرلمانية بصدد دراسة الأمر قبل اتخاذ كافة السبل لمواجهة المشروع سواء على الصعيد البرلماني أو على الصعيد السياسي والشعبي، فضلاً عن تعرية الجانب الأمريكي وفضح ازدواجية معاييره.

شوكة أفغانستان

ويستبعد اللواء محمد علي بلال الخبير العسكري وقائد القوات المصرية في حرب الخليج الثانية توجيه القوات الصهيونية أو الأمريكية ضربة عسكرية ضد أي هدف بالمنطقة، مشيرًا إلى أن الظرف الراهن لا يساعد على مثل هذه الضربات.

ويوضح أن الموقف المتردي في أفغانستان والعراق يمثل شوكة كبيرة بحلق الإدارة الأمريكية، ما يمنعها من توسيع رقعة الحرب ضد أهداف جديدة، أو حتى السماح للصهاينة بفتح جبهة أخرى في هذا التوقيت ولو بمعرفتهم، مؤكدًا أن الكيان لا يقوم بخطوة على المستوى العسكري دون إذن أمريكي مسبق.

ضعف

ويؤكد د. أحمد رفعت أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة أن الضعف الاقتصادي والسياسي للدول العربية هو السبب في تهديدها بتلك العقوبات الأمريكية التي لن تتعدى قطع المعونات أو الخصم منها، أو بعض صور الحظر التجاري والمقاطعة الدبلوماسية، الأمر الذي يؤثر فقط في الدول الضعفية؛ لاحتياجها الدائم لدعم أمريكا الاقتصادي والسياسي.

ويوضح د. رفعت أن القانون الدولي لا يعارض تشريع الدول لأية قوانين ترى أنها تصب في مصلحتها، ما اقتصر الأمر على صور التعامل الاقتصادي والدبلوماسي الخاصة بها، لافتًا إلى أن القانون الدولي يجّرم فقط الاعتداءات الفعلية على الآخرين، لا قطع المعونات عنهم.

 الاختلاف وارد حول ما وراء مشروع القانون الأمريكي وتوقيت الحروب الصهيوأمريكية على الإسلام والمسلمين، إلا أن ثمة اتفاق على أن القوة الشعبية فقط هي التي تستطيع وقف مخططاتهم ووأدها، بعيدًا عن مهاترات الجدل حول بيان معنى الإرهاب وحق الدفاع عن النفس، فوقت النزال السيف وحده يحسم المعركة لا اللسان ولا القلم.

إلغاء العلاج على نفقة الدولة.. الموت للفقراء

 


6-3-2010


تحقيق- عصام فؤاد:

لغط واسع يدور حاليًّا في البرلمان حول قرارات العلاج على نفقة الدولة، مع اتجاه وزارة الصحة لتقليصها، وتحديد ما يحصل عليه النائب الواحد بمبلغ 50 ألفًا شهريًّا فقط، وقرارها بوقف علاج المريض في غير المستشفيات الحكومية، ورفض العلاج في المستشفيات الخاصة أو العسكرية، وحتى الجامعية.

وأعلنت وزارة الصحة ضوابط جديدة، أهمها عدم تحديد القيمة المالية للعلاج في القرار، ويقتصر التحديد على نوع التدخل الطبي المطلوب، على أن تحدد المجالس الطبية المتخصصة الجهة التي سيحول إليها المريض، وفقًا لقوائم الانتظار الخاصة بالمستشفيات، وتخصصاتها الطبية، وحالة المريض.

وصرَّح وزير الصحة د. حاتم الجبلي أن وزارته لن تقدِّم علاج قسطرة القلب والدعامة إلا لقلة من المرضى من خلال صندوق الكوارث، ولم يحدد ضوابط اختيارهم؛ ما يفتح المجال واسعًا أمام المحسوبية.

كما أكد أن التأمين الصحي سيغطي العمليات العادية فقط، ويستبعد جراحات المخ والأعصاب والجراحات الدقيقة التي تشمل جراحات ترقيع الجلد في الحروق، وجراحات الأوعية الدموية، وتغيير المفاصل وغيرها.

وبالفعل صدرت الأوامر لمديري المستشفيات بوقف توقيع وخاتم قرارات العلاج على نفقة الدولة، كما استحضرت الوزارة لجانًا من مباحث الأموال العامة والجهاز المركزي للمحاسبات إلى مقر المجالس الطبية المتخصصة؛ لمراقبة قرارات العلاج، مع الإيعاز إلى إدارييها بتقليل أي قيمة مطلوبة إلى أقل من النصف، فمن يريد قرارًا بألف جنيه مثلاً يحصل على 400 فقط؛ ما تسبب في تراجع عدد القرارات إلى الثلث تقريبًا.

كما طالبت الصحة وزارة الداخلية بالاستعلام عن المستفيدين بالقرار لتحديد صدق حالته؛ الأمر الذي أساءت الشرطة استخدامه، فقررت استدعاء طالبي العلاج من المرضى والتحري عنهم بالأقسام والمراكز، الأمر الذي قد يستمر لساعات طويلة تؤثر على المريض، وقد تدفعه لإعلان تخليه عن الطلب.

والعلاج على نفقة الدولة يحكمه القرار الجمهوري رقم 691 لسنة 1975م، ويقضي بأحقية المواطنين والعاملين بالجهاز الإداري للدولة في العلاج داخل الجمهورية وخارجها، بعد أن يقدم المريض طلبًا إلى المجالس الطبية المتخصصة، يصف فيه 3 أطباء حالته، ويحمل الطلب توقيعهم، بالإضافة إلى خاتم المستشفى وخاتم النسر عليه.

وكان الهدف من القانون سد الثغرة العلاجية التي سببها ضعف هياكل المستشفيات الحكومية، وعجزها عن تقديم خدمات متكاملة للمرضى، مع عدم تغطية جهاز التأمين الصحي لنسبة كبيرة للمواطنين، فضلاً عما يعانيه من ضعف تقني وبشري.

وبالتزامن مع حملة وزارة الصحة ضد العلاج على نفقة الدولة؛ كشف الإعلام عن حصول الدكتور بطرس غالي- وزير المالية- على عشرة قرارات للعلاج بالخارج كلفت الدولة ما يزيد عن 915 ألف جنيه، كما يتواصل علاج النائب كمال الشاذلي- المشرف العام على المجالس القومية المتخصصة- بألمانيا وأمريكا على نفقة الدولة منذ نحو 15 عامًا رغم تمتعه بـ"نظام تأميني خاص"، وشملت القرارات بدلات سفر وتذاكر ترانزيت، واستخدام طيران أجنبي بالمخالفة للقانون.

وأصدر رئيس الوزراء د. أحمد نظيف قرارًا رقم 188 لسنة 2010م لعلاج الدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة على نفقة الدولة في بريطانيا، إلا أن الأخير شكر الهدية، وأعلن أنه يفضل العلاج على نفقته.

التناقض بين الكرم الحكومي مع الوزراء ودوائرهم والجفاف المعلن ضد الفقراء، يثير حفيظة أي متابع، ويشكك كثيرًا في ادعاءات الحكومة بأن غرضها الحفاظ على أموال الشعب، ويطرح الأسئلة حول دوافع الهجوم ضد العلاج على نفقة الدولة؟ وهل هناك سر وراء إعلانه قبيل أشهر من الاستعداد لانتخابات برلمانية جديدة؟ وماذا سيكون مصير غير القادرين إذا نجحت الصحة في مخططها بإلغاء ذلك القانون، وتمرير مشروعها للتأمين الصحي؟

ترشيد لا إلغاء

يرى د. إبراهيم مصطفى (مدير مشروع العلاج باتحاد نقابات المهن الطبية) أن تلك المشكلة مفتعلة من وزارة الصحة، وتمثل تراجعًا عن خطط الوزارة، وعن وعود برنامج الرئيس الانتخابي بتأمين الخدمة العلاجية للمواطن.

 ويوضح أن تقنين قرارات العلاج على نفقة الدولة ليس بتحديدها، ولكن بترشيد إنفاقها، حتى تصل لمستحقها، أما حل المشكلة من جذورها، فيحتاج في رأيه إلى تغيير سياسة التأمين الصحي، وأن تحصل وزارة الصحة على ما يلزمها لتطوير مستشفياتها تقنيًّا وبشريًّا، ونشر مراكز على أعلى مستوى تغطي مصر كلها، على أن يتم علاج المواطنين فيها كليًّا على نفقة الدولة، وفق نظام صارم يمنع التلاعب والفساد.

واعتبر د. مصطفى أن الوزارة هي المسئولة فعليًّا عن أي إهدار قد يلحق بقرارات العلاج، وذلك بسبب اللوائح المنظمة للقرارات، والتي تتيح مجالاً واسعًا للتدليس والتزوير، مطالبًا الوزارة بأن تشكل لجانًا مهمتها استقبال طلبات العلاج من المواطنين، ولو عبر الإنترنت، فيسجل المريض بياناته في الطلب، لتباشر لجنة طبية مهمة توصيف مرضه، وما يحتاجه للعلاج.

ويروي قصتين تابعهما بنفسه؛ الأولى لمريض كان يحتاج علاجًا بنحو 10 آلاف جنيه، واستطاع عن طريق معارفه الحصول على قرار بـ18 ألف جنيه، غطت علاجه، وتم توزيع باقيها على المستشفى والأطباء، والثانية لحالة طفل أصابه مرض نادر جدًّا يسبب له أورامًا لو تناول البروتين، ويحتاج للغذاء بألبان خاصة خالية من البروتينات، ورغم صعوبة حالته؛ أعطت الوزارة أسرته قرار علاج بثلاثة آلاف فقط، لا تكفي شراء لبن لشهر واحد.

ويؤكد د. إبراهيم أن الحملة الحالية غرضها تشويه قرارات العلاج أمام الناس؛ تمهيدًا لإلغائها نهائيًّا، واستبدالها بقانون التأمين الصحي الجديد الذي يقترح مشروعه مشاركة المريض بنحو 30% من مصاريف العلاج، ويتحمل 50% من قيمة الدواء، فضلاً عن أنه لا يغطي سوى العلاج الاعتيادي من الكشوفات والعمليات البسيطة، أما الأمراض المستعصية فتزيد نسبة مشاركة المريض في تكاليفها.

ويطالب برقابة شديدة على قرارات العلاج لا وقفها، وتحويل فوري لأي متورط للنيابة العامة، داعيًا مسئولي الحكومة للتعفف عن الاستفادة منها، حتى لا يحدث تقاطع بين مصلحتهم، وما يديرونه من أموال، وقال: نحن في مشروع علاج الأطباء قننا لائحة تمنع أزواج وأبناء العاملين بالمشروع من العلاج على نفقته، وذلك من باب درء الشبهات، وعدم فتح أي باب أمام الأطماع.

سياسة مشبوهة

ويشير د. محمد فضل (عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الصحة بمجلس الشعب) إلى أهداف سياسية مشبوهة وراء الحملة ضد العلاج على نفقة الدولة، ويقول توقيت الهجوم قبل الانتخابات البرلمانية يكشف غرضها في حصار نواب الإخوان، والمعارضة، وتحجيم خدماتهم للأهالي؛ حيث إن قرارات العلاج كانت أحد المنافذ المهمة التي نخدم الشعب من خلالها، في ظل حصار الحكومة لنا في معظم الجهاز الإداري للدولة.

ويحذر من أن تفويض وزارة الداخلية في الاستعلام عن المرضى طالبي العلاج، قد يشكل ورقة جديدة يضغط بها الأمن على أسماء بعينها، مستغلاً حاجتهم للعلاج، مستشهدًا بواقعة حدثت في الإسكندرية حين ضغط الأمن على أحد المواطنين ممن حصلوا على قرار علاج، ليتهمه بحصوله على أموال مقابل استخراج الطلب له.

ويتابع أنه سيتقدم ببيان عاجل حول تدليس الشرطة بالإسكندرية، وكذلك عن إهانة نواب البرلمان، والمواطنين بالمجالس الطبية المتخصصة، خلال محاولتهم استخراج قرارات العلاج.

ويرفض النائب وقف العلاج على نفقة الدولة، أو تحديد مبلغ معين للنائب شهريًّا، ويقول: أنا من بين أكثر النواب استخراجًا لقرارات العلاج، وأفخر بأني خدمت بها مئات المواطنين من كل أنحاء الجمهورية، ولن أتوقف عن استخراجها حتى يتم إقرار نظام تأمين صحي يتكفل بكامل علاج المواطن الفقير.

ويطالب النائب باتخاذ كافة الطرق لترشيد إنفاق أموال العلاج، وقطع يد أي متورط في إهدارها، واستخدام كل الضوابط التي تضمن وصولها لمستحقيها مثل النظام الكودي وغيره، بشرط استمرار تنفيذ قرارات علاج المحتاجين.

إرهاب الداخلية



أما واقعة الإسكندرية، فيروي النائب تفاصيلها بأن المواطن (هواري) كان يحتاج سماعة أذن لزوجته التي تعاني مشاكل سمعية ولا يقدر توفير ثمنها، فاستعان بأحد معارفه (عبد الحميد) الموظف بشركة مستلزمات طبية، فقام بتوصيل طلبه لمكتب النائب، واستطاع النائب أن يحصل على سماعة أذن لزوجة (هواري).

ومع طلب وزارة الصحة استعلام الداخلية عن المستفيدين بقرارات العلاج؛ تم استدعاء هواري ليدل على من أوصله للنائب، وبعد احتجاز حماته وزوجته أرشدهم للموظف عبد الحميد، الذي اعتقلته شرطة القسم نحو 14 ساعة، وهدده أمين شرطة يدعى محمود نوار باتهام مكتب النائب محمد فضل بالحصول على أموال مقابل قرار العلاج، أو أن تكون "وقعته سودة".

ولم ينقذ عبد الحميد من أيديهم سوى ضابط يعرفه تصادف مروره بالقسم، واندهش لاعتقاله واتهامه، وأقنع مأمور القسم بأن عبد الحميد ميسور الحال، ويملك عقارات قيمة، وينتفي عن أخلاقه التربح من مثل هذه التوافه، فاستجاب له المأمور وأخرجه.

الخصخصة قادمة

من جانبه، يحذر د. محمد حسن خليل (استشاري أمراض القلب ورئيس اللجنة الوطنية للدفاع عن الحق في الصحة) من المخطط الحكومي لإلغاء العلاج على نفقة الدولة، ويقول: آثار ذلك ستكون كارثية سواء على مستوى الصحة التي ستشهد تدهورًا غير مسبوق يضاف لتردي مستواها الحالي، أو على المستوى الأمني للاحتقان الذي سيرتفع لدى قطاع كبير من المواطنين المحتاجين للعلاج، والعاجزين عن تدبير نفقاته.

ويضيف: الحكومة لا تخفي رغبتها في التخلص من نفقات ذلك العلاج، وخصم بنده من الميزانية، وقد صرح المهندس أحمد عز برغبة الحزب الوطني والحكومة في ذلك، وعلى هذا فقد تم تخفيض بند العلاج على نفقة الدولة بنسبة 50% من 2.2 مليار جنيه إلى 1.1 مليار فقط.

ويوضح د. خليل أن خطوة الحكومة الراهنة هي تقديم نصف قيمة العلاج فقط للمواطنين، ويتابع: وهذا أمر خطير جدًّا، فمصر بها 29 ألف مريض فشل كلوي لا يغطيهم التأمين الصحي، ويلجئون لقرارات العلاج، فإذا امتنعت الصحة عن تقديم كامل التكلفة إليهم، وتقديم نصفها فقط، فهي تحكم عليهم بالإعدام، لعدم قدرتهم على توفير باقي تكاليف العلاج.

ويستنكر دعاوى الحكومة أن غرضها حماية أموال الشعب، ويتساءل: أين جهدها ذلك في محاربة الفساد المتفشي في جميع أجهزتها؟، وهل الحل في وقف العلاج على نفقة الدولة أم في محاربة التربح منه ورقابته؟!، لاسيما إذا كان المسئولون ومعارفهم هم أول المستفيدين من تلك القرارات؟.

ويؤكد د. خليل أن ما ظهر من معالم مخطط الحكومة يضعنا أمام جريمة مكتملة الأركان؛ حيث تستخدم إرهاب الداخلية والتعنت الإداري لتقليل قرارات العلاج، قبل أن تتخلى نهائيًّا عن مسئوليتها في علاج المواطنين الذين لا يغطي التأمين الصحي سوى ثلثهم فقط، وتسلم أصحاب الحالات الحرجة إلى الموت.

ويطالب المجتمع المدني بمواصلة تصديه لمشروع قانون التأمين الصحي الجديد، والذي سيقدم المواطن ضحية جاهزة للمستشفيات الخاصة، ويجعل جهاز التأمين كشركة قابضة مجالها الربح والاستثمار لا العلاج.

ثمة اتفاق على أن الحملة الراهنة ضد قرارات العلاج على نفقة الدولة غرضها التشويه قبل التحرك لتقليصها وإلغائها، ولا زال الرعب ساريًا بين المتابعين من الكوارث التي ستحل على المرضى المحتاجين لو مررت الحكومة قانون التأمين الصحي الجديد، إلا أن فاعلية المواطن في الرفض أو التمرد هي نقطة اختلاف لن تحسمها سوى الأيام.

د. إبراهيم مصطفى: سألوني بتغسل أموال؟.. قلت: "لأ باشطف"

 14-12-2009


حوار- عصام فؤاد:

إلى شارع د. إبراهيم مصطفى كانت وجهتي، وهذا الاسم هو الذي يستحقه شارع مشروع الأطباء العلاجي بحي جاردن سيتي، ذلك أن اسم الدكتور إبراهيم هو الأشهر هناك، حتى إنك لا تكاد تذكره حتى يتبارى الموجودون في دلالتك على مكتبه بمقر المشروع الذي جعل منه الدكتور إبراهيم قبلة يؤمها كافة خريجي الكليات الطبية وأسرهم.

 لم أمر على سكرتارية خاصة وأنا أدخل لمدير المشروع ومؤسسه، فقط وجد لافتة تدل على مكتبه، وابتسامة عريضة هي أول ما استقبلني بها، قبل أن أدلف من بابه المفتوح دائمًا، طالما كان الدكتور إبراهيم هناك.

تواضعه أجبرني أن أفتش وراءه لأعرف كثيرًا من إنجازاته التي داراها عني في أدب رفيع وذوق جم، إلا أن وفود المقبلين على مشروع العلاج وحجاج مكتبه وزواره تكشف العديد منها، وتلهج ألسنتهم بمدحه وحبه الذي يبادلهم إياه ولعمله الذي لم يتحمل التأخر عنه سوى ساعات محدودة عقب الإفراج عنه من اعتقال دام 6 أشهر على ذمة القضية المعروفة باسم التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

د. إبراهيم مصطفى إبراهيم مولود بوسط القاهرة 1954م، وتفوق بدراسته ليلتحق بكلية طب قصر العيني، وبعد البكالوريوس حصل على ماجستير أنف وأذن وماجستير إدارة مستشفيات وثالث بالإدارة العامة.

عمل كاختصاصي أنف وأذن قبل أن يتولى إدارة مستشفى الجمعية الطبية الإسلامية، وعمل كاستشاري للعديد من المستشفيات، ثم التحق بالبنك الدولي؛ حيث أعد الكثير من الدراسات عن القطاع الطبي؛ ليصبح خبيرًا بالبنك والمؤسس لمشاريع العلاج التأميني في النقابات المهنية، ومدير مشروع علاج اتحاد نقابات المهن الطبية.

تزوَّج د. إبراهيم، وانتقل لمنزل بحي الدقي، قبل أن يعود قبل سنوات إلى بيته القديم بوسط القاهرة، لمؤانسة والدته، مع ابنيه مصطفى وإسماعيل، وبناته الثلاث آلاء وآية وآمنة.

الجماعة الإسلامية

* نبدأ حديثنا من بداية معرفتكم بجماعة الإخوان المسلمين.

** كانت البداية مع الجماعة الإسلامية في أواسط السبعينيات، حينما التحقت بكلية طب قصر العيني، وتعرفت على زملائي د. سناء أبو زيد- رحمه الله- ود. عصام العريان، وشاركت في أعمال الجماعة الإسلامية بالجامعة، وكان مسئولنا د. حلمي الجزار، وكنت نائب أمين اتحاد طلاب كلية الطب، وأمين الاتحاد بعد اعتذار الأمين عن منصبه.

 وتعرفت على الإخوان بعد خروجهم من المعتقلات مع باقي إخواني بالجماعة الإسلامية، وانضممنا للجماعة، وشاركنا بأنشطة كثيرة بالأحياء والمنطقة؛ خاصة ما يخص أعمال البر والأنشطة الخيرية.

* كنتَ مديرًا للجمعية الطبية الإسلامية سابقًا؛ فما تعليقك على المشكلة التي تواجهها حاليًّا؟

** ما نواجهه الآن مشكلة إدارة صنعها تعنت الحي الشديد معنا، فنحن قد طلبنا ترخيصًا للمستشفى، فمنحنا الحي رخصة بثلاثة أدوار فقط، فلجأنا للقضاء الذي وافق على البناء بارتفاع 36 مترًا أي نحو 7 أدوار، فواصلت الإدارة البناء بالحكم القضائي، إلا أن الحي تعنت ضدنا مجددًا، وكلف محافظ القاهرة شركة المقاولون العرب بتولي الهدم.

رغم أن الاسترشاد في صالح الجمعية، والاسترشاد أحد وسائل القانون لمعرفة حق الباني في طلب رفع البناء، وذلك بالنظر للمنطقة فإذا كانت الجهة الإدارية أعطت تصريحًا للمجاورين بالارتفاع فلا يمكنها رفض طلب الآخرين، وبجوار الجمعية أبراج مجمع سيتي ستارز التجارية والفندقية والسكنية، والتي تبلغ أكثر من 13 طابقًا.

خصومة ومصالح

* وما تفسيركم لهذا التعنت؟

** الأمر يبدو فيه رائحة الخصومة السياسية مع الإخوان أو مصالح نفعية لآخرين في القطاع الطبي يرفضون إنشاء هذا المستشفى الخيري، وهو أمر غير مفهوم أن لا تستثني الحكومة حتى المرض من عداوتها وخصومتها، رغم أن الأرض هبة من الحكومة للجمعية بدلاً من أرضها التي استولى عليها الجيش، وبنى عليها مستشفى الجلاء، فتم إعطاؤنا هذه الأرض بدلاً منها، وكان من المقرر أن تؤسس على أرقى المستويات التقنية والطبية، وتدار بالكامل بوسائل رقمية حديثة، ويتم متابعة المريض منذ دخوله وحتى الخروج بواسطة الكمبيوتر، وبدون ملفات أو حتى أشعات ورقية، ويتم بها إجراء عمليات طبية متقدمة، ما يدخل العمل الخيري مستوى عالٍ من الخدمة تفوق الموجود من مستشفيات ومستوصفات وهي في خدمة المواطن غير القادر.

* ألا ترى أن الحكومة تستغل أيضًا مرض إنفلونزا الخنازير في السياسة؟

** نعم، تفعل ذلك بمشاركة الإعلام الذي يلعب دورًا كبيرًا في فوضى الخنازير الحالية، والمرض موجود بالعالم كله وفي أوروبا وأمريكا بنسب أعلى بكثير، إلا أنك تجد أن الإعلانات الأمريكية تكتفي فقط بطلب غسل الأيدي والحرص على النظافة، في حين لم يغلقوا المدارس، ولا يثيرون الهلع كما يحدث عندنا.

وما تراه من تغطية كبيرة عندنا إجراءات ليست في محلها وغرضها إلهاء الناس، وإشعار الناس بمجهودات حكومية غير حقيقية وفي غير محلها، إذ يغيب دور الوزارة في علاج الكبد الوبائي والسرطانات المتفشية وأمراض الكلى والصدر وغيرها، فيما أعلنوا الحرب على إنفلونزا الخنازير التي تتسبب في موت واحد كل عشرة آلاف، فيما تقضي الإنفلونزا العادية على 6 من الألف، والاهتمام بالخنازير يأتي استجابةً لتربيطات مع منظمة الصحة الدولية التي رفعت درجة المرض إلى 6 وهو رقم عالٍ جدًّا، وفيه مبالغة كبيرة جدًّا، تؤكد ما تنشره التقارير الغربية عن مصالح لشركات اللقاحات والأمصال وغيرها.

خصخصة التأمين

* مع خبرتك الكبيرة في مجال العلاج التأميني؛ كيف تقيِّم أداء التأمين الصحي بمصر؟

** التأمين الصحي فكرة تأتي في إطار إدارة المخاطر، ولكن ما يحدث في مصر غير ذلك تمامًا من أيام جمال عبد الناصر، فتجد التأمين جزءًا من مرتب العامل الشهري، فهو مع انخفاض راتبه يحصل على خدمة التأمين الصحي له ولأسرته مجانًا، ما اعتبره الموظف جزءًا من راتبه وإحدى مزايا التوظيف في الحكومة.

 والطب تغيَّر من أيام عبد الناصر وحتى اليوم؛ حيث تحول من سرير وسماعة إلى أجهزة باهظة الثمن، وجعل المجانية صعبة جدًّا، وتحتاج تغطية كبيرة من الدولة وتخطيطًا جيدًا لها، واقتراح الوزارة اليوم بمشاركة المريض في نفقة العلاج غير واقعي أو منطقي بالمرة؛ لأنه يأتي بينما تغلق الشركات أبوابها أو يتم تخصيصها وطرد عمالها في الشارع، ما يعد عبئًا جديدًا على المواطن لا يتحمله.



والوزارة تحاول العلاج بفصل الخدمة عن التمويل أي أن يكون مدير المستشفى مفصولاً عن التمويل وهو مسئول عن الخدمات الصحية، ويتم محاسبته دوريًّا على ما عنده من إمكانات، وعلى ما يحصل عليه من تمويل، وهو اقتراح يساهم في الحل إلا أنه فشل تمامًا، لضعف مستوى إدارة المستشفيات المعينين بالواسطة والمحسوبيات.

والآن يفكرون في خصخصة المستشفيات أو تأجيرها بنظام الـ"bot"، أو يبيعون البعض الآخر بحيث تشتري الهيئة الخدمة من القطاع الخاص، والحلان في النهاية تعميق للمشكلة مع ما يواجهه المجتمع من مشكلات اقتصادية طاحنة.

* وهل هناك إجراءات فعلية لتلك الخصخصة؟

** إسكندرية طرحت مستشفيات للمناقصة ولإيجارها بنظام الـ"bot"، وسيتبعها غيرها، وإسكندرية هي من بدأت التأمين الصحي ومبنى التأمين القديم أنشئ في الإسكندرية أولاً.

* نرجع لموضوع الاعتقال، هل تم اعتقالك قبل هذه المرة، وكيف ترى قصة "التنظيم الدولي"؟

** اعتقلت من قبل مرة واحدة سنة 1981م، بين الآلاف التي اعتقلها الرئيس السادات، وكنت وقتها أمين اتحاد طب قصر العيني.

أما ما يخص قضية التنظيم الدولي، فهي قضية غريبة جدًّا، وتضم مجموعة غير متجانسة بالمرة، والهدف منها إظهار غضب الحكومة وسخطها على فعاليات الإخوان الإغاثية والشعبية لمناصر غزة إبان العدوان الغاشم عليها؛ حتى إنهم اتهموا وجدي غنيم بجمع تبرعات لغزة بلندن، وهو اتهام غير منطقي ولا مقبول؛ لأن الدولة التي جمع بها التبرعات لو صح كلامهم، لم ترفض ذلك، والقضية إعلامية تمامًا حتى اسمها إعلامي ومخالف تمامًا لسيرها القضائي، ومجرى التحقيقات.

 ولا تفهم ماذا يريد النظام من اتهام أفراد من غير الإخوان بدول أخرى؛ حتى إنهم اتهموا السيد إياد السامرائي رئيس البرلمان العراقي، والذي جاء بعدها في زيارة لمصر واستقبله الرئيس رسميًّا.



"شطف" أموال

 * كيف كانت قصة اعتقالك؟

 ** في الثالثة صباحًا دهمت منزلنا قوة كبيرة يقودها ضابط بزيٍّ مدني، وفطنت للأمر من اللحظة الأولى، فقلت لهم المنزل تحت أمركم، وتركتهم لأتوضأ وأصلي القيام، وبقوا في المنزل حوالي ساعة ونصف الساعة، وبعد التفتيش صادروا أجهزة المحمول، وجهازي "لاب توب" أحدهم كان بكرتونته ولم يُستخدم بعد، وعددًا من الكتب والأدوات الشخصية.

 وانتقلت معهم بعد التفتيش إلى القسم، ومنه إلى التجمع الخامس؛ حيث مقر نيابة أمن الدولة، وبعدها إلى سجن المحكوم.

* وبماذا اتهمتك النيابة؟

** اتهموني بغسل الأموال، فقلت لهم إني موظف لا أملك إلا راتبي، وليس عندي أموال لأغسلها فلو كان هناك من يغسل فأنا "بشطف"، والغريب أن معظم المقبوض عليهم ليسوا تجارًا أو يعملون بالتجارة.

واتهموني بالمشاركة في تنظيم مظاهرات بالعالم الإسلامي لدعم غزة، وهو اتهام باطل يدحضه أن المظاهرات خرجت أولاً في الدول الأوروبية ومن غير مسلمين؛ لأنها كانت محرقة يستنكرها أي إنسان، وما قام به المسلمون كان بدافع غضبهم وغيرتهم وليس بإيعاز من أحد، والبلاد التي حدثت بها المظاهرات لم ترفضها أو تعترض عليها.

تنسيق دولي

* وما حقيقة وجود تنظيم دولي للإخوان؟

** لا يوجد ما يسمى بالتنظيم الدولي للإخوان، ولكن الإخوان فكرة لها أصول وقواعد ومدرسة ذات ثقافة إسلامية أصيلة، وهي معاصرة ومناسبة لتطبيق الإسلام الصحيح في كل زمان ومكان، وكثير من المسلمين تأثروا بفكرتها في العالم كلها، حتى إن بعض البلدان ربما يسير فيها دعاة على منهج الإخوان ولا نعرف حتى اسم بلدهم.

* ولكن بعض البلدان بها فروع رسمية للجماعة؟

** نعم، هناك أفرع رسمية للإخوان ببعض البلدان مثل الأردن وفلسطين وغيرها، إلا أن ارتباطنا الحالي معها هو تنسيقي فقط في المواقف الخارجية للأحداث الكبرى مثل مناصرة قضية فلسطين، ولا يوجد أكثر من ذلك لأنه يتطلب تكاليف باجتماعات وتشاورات مستمرة لا يستطيعها إلا الدول ذات الإمكانيات الكبرى أو الأمم المتحدة.

ودور التنسيق مع باقي الإخوان مناصرة القضايا الإسلامية العالمية، والأمر لا يتطرق إلى التدخل لعمل الإخوان بالأقطار، فالصورة اختلفت عن عهد الإمام حسن البنا مع كثرة البلدان التي ينتشر بها فكر الإخوان، وحتى ما كان في عهد البنا من التزام فهو كان بقصد التعليم وتبيين المنهج.

والأستاذ مهدي عاكف سبق أن أعلن أن كل ما هو موجود بالإخوان هو التنسيق على مستوى القضايا الدولية، ولوضع الخطوط العريضة لمنهج العمل الإخواني.

* وكيف مرت عليكم شهور التحقيق والاعتقال؟

** بالطبع كانت محنة كبيرة، إلا أن إيجابياتها أكثر من سلبياتها على مستوى الفرد؛ حيث يستطيع في خلوته بالمعتقل أن يراجع نفسه، ويأخذ إجازة للتأمل ومراجعة أموره وخططه، وحتى على مستوى عائلتك وأصدقائك، فالمحنة تعطي الفرصة لإظهار الحب الكبير بيننا.

وعاينت في السجن أهمية اختيار أخت للزواج؛ حتى تتفهم الأمر، وترفع عنك هم أسرتك بالخارج، وتتولاها كأنك بالخارج ما يرفع عنك أي ضغوط، فلا بد أن تكون زوجتك معك على الطريق ومتفهمة قضيتك، وكذلك ينبغي على الأولاد أن يكونوا متفهمين مسألة التضحية في سبيل الله والعمل لأجل الإسلام، حتى يثبتوا حولك رغم اضطراب القضية وشائعات تحويلها لعسكرية أو لمحكمة أمن دولة عليا.

مخدرات

* وكيف كانت أحوالكم بسجن المحكوم؟

** سجن المحكوم مخصص للمحبوسين احتياطيًّا على ذمة التحقيق في الجنايات، و95% من المسجونين به على ذمة قضايا مخدرات والباقي جرائم نفس وأموال، وبالمحكوم تعاصر القضايا منذ بدايتها، فيكون مثل كوة تنظر منها للمجتمع، وترى إقبالاً على الله من البعض في البداية حتى يأخذ حكمًا، وبعدها ربما ينقلب تمامًا وتتغير حياته بعد أن تحضر زوجته للزيارة ليطلقها، وقد تجد بعضهم مظلومًا لتلفيقات من ضابط أو مخبر بعد التعاون معهم أو تقديم خدمات لهم.

* وهل أعداد المسجونين الكبيرة تشير بارتفاع الجريمة بالمجتمع؟

** أعداد المخدرات كبيرة وتثير تساؤلات عديدة، منها لماذا لا تحارب الحكومة الخمور رغم كونها مخدرات والشرع يجرم الخمر لفظًا والمخدرات قياسًا، وكذلك تسمع من المسجونين الكثير، فقد قابلت من التجار من أكد لي أن المتحكمين في دخول المخدرات أفراد محدودون لا تصل الشرطة لهم لنفوذهم ومصالحهم مع ذوي السلطة، كما أن المخدرات مدعومة من الكيان حتى إن تذكرة الكوكايين بـ30 جنيهًا فقط، في حين أن تكلفتها 60 جنيهًا.

وسمات متعاطي وتجار المخدرات متقاربة فهم شخصيات ضعيفة تريد الهروب من المشاكل أو الواقع، وأغلبهم من أسر متفككة ومجتمعات منهارة أخلاقيًّا، والأمر يبدأ مع التجار الصغار بالتعاطي، ثم التجارة البسيطة مع أصحابه وعلى النواصي، قبل أن يتم القبض عليه ينتهي مستقبله في السجن، والقانون عاجز عن معالجة الأمر، ولا بد من إفساح المجال للشريعة لتطبيق عقوبات تعاقب الجاني وتربيه وتساعده على إكمال حياته، لا أن تقضي على مستقبله وتخرجه من السجن محترف إجرام.

* وكيف كنتم تتعاملون مع هؤلاء الأفراد؟

** الجنائيون لهم معنا مواقف كثيرة، ويحتاجون فقط لاحتضان، ومن يسمعهم وينصحهم، وهو ما لا يحدث مطلقًا في السجن فلا تهذيب ولا تأديب ولا نية إصلاح، وتجد بالسجن جرائم كثيرة منبعها ضعف الثقة في أن يأتي لك القانون بحقك؛ ما يضطر الفرد إلى أن يأخذ حقه بنفسه، فيتحول من ولي حق إلى جانٍ.

وقد جلس بجواري يومًا مسجون، وقال لي ألسنا في سجن؟ فقلت: نعم، قال فإذا كان سجنًا فلمَ أراكم تضحكون باستمرار وفرحون ألستم معنا في هذا السجن؟ فقلت له نحن أتينا هنا في رضا الله سبحانه وتعالى، وهذه فترة نستغلها في طاعة الله وحفظ القرآن والقيام؛ فسجننا خلوة طيبة مع الله سبحانه، فكيف لا نفرح بها.

* وإدارة السجن؟

** وإن كان التعامل مع الإخوان ذا طابع خاص، إلا أن كثافة السجن عالية والتكدس يكون كبيرًا داخل العنابر، ومسئولو السجن كانوا يعاملوننا بكل احترام ويستشيروننا في مجالات تخصصنا وبالإدارة أيضًا، وأحد الضباط طلب مني قانون تنظيم عمل أطباء التكليف داخل السجن، وفرح جدًّا لما قدمت له نص القانون وكيفية العمل به.

* ولماذا لا تستفيد من خبرتكم الحكومة خارج السجن؟

** نحن نمد أيدينا للتعاون في أي مصلحة تفيد البلاد، ولنا أصدقاء كثيرون بالحكومة وفي مجالي الطبي أعرف بصورة شخصية وزير الصحة د. حاتم الجبلي والمتحدث الإعلامي باسم الوزارة د. عبد الرحمن شاهين، إلا أني أقدر الضغوط الحزبية عليهما التي تمنع التعاون بيننا، فسياسة النظام الحالي جعلت الحكومة شأنًا حزبيًّا، لا يعمل به إلا المنتمون إلى الحزب ومصالحه، حتى لو من غير الإخوان؛ لذلك يهدرون طاقات كثيرين هربوا للخارج وتميزوا هناك سواء في الغرب أو الشرق، وليس الدكتور أحمد زويل منا ببعيد الذي هرب مرة أخرى من مصر بعد ما كادوا يقضون عليه بالفساد والبيروقراطية.

 ولا صلاح للأوضاع في ظل المسئولين الحاليين الذين ضيعوا البلاد، ولا يمكن أن ننتظر منهم الحل ونظم الإدارة الحديثة تقصي أي مدير عن مكانه بعد عدد من السنوات ترى أنه فيه قدم كل ما عنده.

 * وهل سبق أن قدمتم حلولاً واقتراحات للنهوض بالمجال الطبي؟

 ** أفكار كثيرة وحلول متعددة ولكن المهم نية التنفيذ، ولقد شاركت من قبل في لجان تطوير طبي مع الدكتور محمد عرفة رئيس التأمين الصحي ومع الدكتور إسماعيل سلام أثناء توليه الوزارة، ولكن هذه اللجان كانت تقف أمام غياب نية الإصلاح وأمام الفساد المتفشي بكل مكان، حتى إنك لو قدمت الحل لمدير مستشفى مثلاً فلن ينفذه لأن تفكيره ليس الحل، ولكن في الاستفادة من منصبه.

 ولا يوجد في مصر خطة للنهوض بالقطاع الطبي، ولا حتى إحصائيات حقيقية تعبر عن واقعنا، وكل الأرقام الواردة بالتقارير مغلوطة، وهي مرفوعة من المحافظات بعد تدوينها في جلسات ودية وعلى المكاتب.

 * هل لنا أن نعرف سر كل هذا الود المنهال عليكم من كل الزائرين؟

 ** الحمد لله الذي منّ علينا بالحب والشفافية في التعامل مع الآخرين، والذين يدهشهم في أول مرة النزاهة والمكاشفة العالية بالمكان لما يعلمونه ويرونه في الأماكن الأخرى، وسيحبك الآخرون إذا صدقت بحبهم ووجدوا منك حسن التعامل وطيب اللسان والسماحة مع الصدق والأمانة والشرف.

 ونصيحتي لكل أخ أن يستهدف الإصلاح في كل مكان وكل وقت، ويرتدي ثوب الداعية في عمله وبيته، ويكون داعية بتفوقه المهني والعلمي، وعليه أن يتحلى بحسن الخلق وسماحة الوجه، فضلاً عن الدأب لتطوير عمله ورفع كفاءته والتفوق به لرفع راية الدعوة.