مسافرون بلا وصول

8-2-2006

لإنني فقير وأعيش تحت خط الفقر مع بقية قومي فلن يهتم بآلامي أحد سواء مت غرقًا في البحر أو حرقًا فوق قضبان الحكومة، ولإن خانة الجنسية في جواز سفري تحمل كلمة مصري فقد علمتني أن غاية الجهد قطع تذكرة تحدد لي فقط مكان وتاريخ الإقلاع، دون أن تعدني أبدًا بميعاد ومحطة الوصول.
عدوك الحقيقي
يوم جديد تصحو ورائحة الموت تزكم أنفك المريض.. يوقظك رنين هاتفك المختنق بما يحمله من أصوات يملؤها الخوف والقلق من أن تكون أحد هؤلاء الذين قرروا السفر بذلك القطار إلى مكان لا يعلمه إلا رب السماء.
تجري لتفتح جهاز التلفاز فيفاجئك بمذبحة جديدة ارتكبها عدوك الحقيقي الذي تعود على قتل أحلامك ووأد طموحات الصبا.. تفتش عينك بين القتلى والجرحى في تعبيرات ماتت على وجوه كانت قبيل ساعات تضج بالرغبة ويملؤها الحياة.. تمنع يدك التي تحاول أن تصل لصاحب تلك الرأس التي استلقت على حافة الكرسي لتستريح للأبد من وعثاء السفر الذي منّ عليها أخيرًا بمحطة الوصول.
من المؤكد أني قابلت أيًا منهم ذات يوم، لو بحثت جيدًا سأجد أحدهم قد حفر في ذكرياتي موقفا معينا قبل أن يفارق بدون وداع.. قد تكون يد أحدهم ساهمت في بناء منزلك الذي تعيش الآن فيه، أو قد تكون هي من قدمت لك الدواء ذات ليلة عندما احتجزوك في تلك المستشفى القديمة، ومن يدريك ربما يكون أحدهم قد جلس بجوارك ليلة الحادث يستمع لما يرويه الإمام عن معجزة الإسراء والمعراج ويمني نفسه برغيف يحشوه الأرز واللحم ليكفيه عشاء الليلة وربما وفر عليه وجبة الإفطار.
عيشة الجبناء
شهود عيان احتلوا الشاشات ليحدثونك عن وقائع ذلك الحدث المروع، في حين زهد أولئك المسئولون في بريق الكاميرات التي طالما نقلت لنا ابتساماتهم وأحاديثهم البلهاء.. تتخيل رئيسك يهرع لمكان الحادث ليحمل القتلى ويداوي بيديه جروح المكلومين، وترنو بعينيك الحالمة إلى قفص الإتهام فتجده مكتظ بعشرات ومئات الفاسدين ليقتص لك منهم قضاتنا الشرفاء بعد جرائمهم المتواصلة في حق بلدك وشعبك، قبل أن يصدمك واقع التدليس والفساد فتصحو لتجد رئيسك منشغل تماماً بالنقاط الأخيرة في عقد بيع الوطن لصالح نجله الأثير دون مقابل سوى ضمان عيشة ذليلة تكفي الجبناء.

صفحات الإنترنت تطالعك بتفاصيل كثيرة عن طريق الإسكندرية فردي القضبان، وعن تعطل الإشارات الضوئية وخيانتها لقائدي القطارات، وعن أخطاء عمال التحويلة التي تسمح بارتطام قطار مندفع بسرعة 80 كيلو متراً في زميله المتوقف بمحطة قليوب انتظاراً لإشارة جديدة تعلن مواصلة السفر.
وكالة الأنباء الفرنسية تؤكد لك أن ذلك هو الحادث الثالث من نوعه في مصر خلال سنة 2006 بعد حادثيّ أبو حمص والعياط، هذا لو تغاضيت عن مئات الحوادث والأعطال الأخرى التي نجا فيها الركاب بفضل الواحد المتعال، والمتعلقات الأرشيفية تعيد لك ذكريات آلاف الشهداء الذين قتلهم عدوك فوق بر وبحور الوطن وبعيداً عن ميادين القتال، وتفاجئك بتحذيرات وزير النقل المتواصلة منذ أربعة أشهر عن الكوارث التي تنتظر مستخدمي القطارات نتيجة الانهيار الذي تتعرض له هيئة السكك الحديدية دون أن يهتم أحد بتصريحاته أو يستقيل هو ليعفي نفسه من المسئولية!!!
تتذكر 400 صعيديا من أهلك التهمهم جحيم نفس القطار قبل أربعة أعوام، الألف شهيد الذين استكانوا لمياه البحر الأحمر بعد أن أعيتهم الأمواج ليختاروا قاعه على بر يعيش فيه ممدوح إسماعيل وشركائه من أهل الفساد، محرقة بني سويف التي قضت على نصف الحركة المسرحية الجديدة وسالم أكسبريس والخمسة آلاف الذين تقتلهم حوادث الطرق في وطنك كل عام.
المعطيات جميعها تقودك لنفس النتيجة؛ يوما ما ستكون هناك..فوق سطح إحدى هذه العبارات المصممة لجني الأرباح على حساب أرواحنا وأشلائنا، أو مسافراً بواسطة أحد هذه القطارات التي لا تصل لمحطتها أبداً، أو ربما تكون على متن هذه الطائرة التي ستسقطها قذيفة صهيونية تقتلك وتعجز أهلك عن الأخذ بالثار.
تفزعك صافرة المترو الذي ينهش الأرض نحوك فخورًا بما يمنحك من نسمات الهواء الذي ستفتقده مع خطوتك الأولى داخل تلك العربة المكتظة بالناس.. لثوان تتجول بعينيك في وجوه رفاق الدرب والرحلة.
نعم.. إنها هي.. نفس النظرة في تلك العيون المفتوحة التي لم يغلقها الموت أجدها الآن في وجه ذلك الشاب الذي يعيد كل هنيهة ضبط رابطة عنقه علها تشفع له – مع ما يسوقه من أوراق وشهادات - عند ذلك المدير فيقيده بوظيفة تحمي كرامته وتعينه على الحياة..نفس النظرة في عينيّ ذلك الشيخ الذي شغلته همومه الحياتية عن متابعة ما يدور من حوله إلا تلك المتعلقة بوعد زائف لعلاوة جديدة أو قرار مختل يرفع الأسعار..
نفس السؤال يلح عليك في كل مرة؛ نفس الكلام يتردد في ذهنك وتحبسه أعماقك فلا يلتقطه الناس إلا في عينيك المملؤتين بالهم والثورة والأسى، إلى متى ستموت كل يوم وأنت مدرج بسجلات الأحياء؟، لماذا يكون مقعدك – في كل مرة – على تلك الرحلة التي ستعلن لك استحالة وصولها بمجرد أن تدفع ثمنها من سنوات عمرك وشبابك فضلاً عن مستقبلك وأحلامك؟
متى ستتحول تلك الآلام والأحلام إلى ثورة كبيرة تغير ذلك الواقع وتصل بنا بعد عناء إلى بر الأمان، أم إننا اعتدتنا تلك الكوارث فلا تحرك قلوبناالجامدة؟ والسؤال الأخير تجيب عليه د. صافيناز كاظم فتؤكد أن الشعب المصري يملؤه الألم الشديد جراء ما وقع في حادثة قطاريّ القليوبية، وتقول إن الأسى الذي أراه في وجوه الناس يثبت لي أننا لم نعتاد على المصائب ولكن قومي مشغولين بالبحث عن الرزق والجري وراء لقمة العيش، وتضيف قائلة الكوارث التي تمر بنا لم تولد اعتياداً وتملؤنا جميعاً بالألم لذا فصرخة الشعب متواصلة وممتدة منذ حريق ميت غمر 1902 ولكنها صرخة ضعيفة مكلومة وقد تكسرت النصال على النصال.
وتدافع د. صافيناز عن أبناء مصر، فتقول إن الشعب مسكين مغلوب على أمره وقد أرهقته متاعب المعيشة واستهلكته الكوارث اليومية التي يتعرض لها، فهذا يقع وليده في الكمين الذي تنصبه بالوعة المجاري لخطف الأبناء من أحضان أسرهم، وذاك تصعق أسلاك الكهرباء المكشوفة طفلته التي ليس لها ذنب سوى برائتها التي تدعوها للعب مع أترابها في الشارع القريب، وتصرخ قائلة: مصر مخطوفة من قبل النصابين والفاسدين والعملاء، و الناس قد يئست وأدارت ظهرها للحياة بما فيها من متاعب ومشاكل تراها صباح مساء من تلك الحكومات المتخلفة التي يجب إقالتها بعد ما تسببت فيه من انتكاسات داخلية وخارجية، وبعد ما أحدثته من أزمات سياسية واجتماعية وصحية وفي كافة القطاعات.
ورغم هذا كله – والكلام للدكتورة صافيناز – فالناس تحاول أن تتغلب على واقعها المرير بتلك الحيل المبتكرة الفردية التي تبرزها الأفلام الشبابية في صورة ذلك الشاب عديم الموهبة الذي يخلق لنفسه بدائل جديدة يساعد بها نفسه بعد أن تخلت عنه الحكومة، ولكنها رغماً عنه تفتقد للمهارة والتدريب فلا تصل به للنتيجة المرجوة أو المطلوبة.
هي ليست الكارثة الأولى وبالطبع لن تكون الأخيرة في ظل الحكومات الراهنة التي لا تهتم بالمواطن إلا عند جبايتها للضرائب أو عند رفع الأسعار، ولكنها قد تكون ناقوساً جديداً - ينبه الغافلين - أطلقه ذلك القطار قبل أن يفارق الحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق