ساحل العاج لمن؟!

23-12-2010


كتب- عصام فؤاد:

الأزمة التي شهدتها ساحل العاج مؤخرًا ربما يصنِّفها البعض على أنها خلافات ذات جذور دينية أو عرقية، مثل كثير من جبهات القتال في إفريقيا، إلا أن الرؤية الكاملة للمشهد تكشف الدور الأكبر لصراعات النفوذ الغربية، واتفاقاتها المصلحية في تشكيل الموقف كله.

وقد بدأت أحداث الأزمة الحالية حين أعلن لوران جباجبو، الرئيس العاجي المنتهية ولايته، رفضه الاعتراف بنتائج الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية يوم 28 نوفمبر الماضي، والتي قضت بفوز منافسه وزعيم المعارضة الحسن وطارا.

وأوعز جباجبو إلى المجلس الدستوري ليبطل نتائج الانتخابات بعدد من لجان التصويت الشمالية؛ حيث يتمركز المسلمون والمعارضة، ويعلن استمرار ولاية جباجبو الرئاسية؛ ليقوم الأخير بأداء اليمين الدستورية كرئيس للجمهورية يوم 4 ديسمبر الجاري، بالتزامن مع أداء وطارا اليمين نفسه، وإعلان بدء رئاسته لساحل العاج.

وفيما تعهد الجنرال فيليب مانجو، قائد القوات المسلحة، بالولاء لجباجبو، أعلن رئيس الوزراء جويلومي سورو استقالته من منصبه وتأييده مرشح المعارضة الفائز الحسن وطارا، وحذَّر- مع حلفاء وطارا- من احتمال أن تعود الحرب الأهلية إلى الاشتعال من جديد.

وبادر الرئيس الأمريكي باراك أوباما والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ومن بعدهما الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي، إلى إعلان تهنئة وطارا باعتباره الفائز الشرعي، داعين جباجبو إلى تسليم السلطة بشكل سلس.

وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية فرض حظر على سفر مساعدي جباجبو، بعد حظر مماثل فرضه الاتحاد الأوروبي على سفر جباجبو وكبار مساعديه، وهددت الأمم المتحدة بفرض عقوبات دولية، مؤكدة أنها ستعزز قواتها بساحل العاج هناك، والبالغ عددها 10 آلاف جندي، فيما أكدت فرنسا أن من حقِّ قواتها هناك- نحو 950 جنديًّا- الرد في حال تعرضها لهجوم.

اتفاق مشبوه

اللافت هنا الاتفاق الأمريكي الفرنسي في منطقة تَعْرِف صراع النفوذ بين الدولتين منذ عدة سنوات؛ فباريس تعتبر ساحل العاج إحدى قلاع الفرانكوفونية المهمة في إفريقيا، وذلك منذ أن احتلتها نهاية القرن التاسع عشر.

بل إن فرنسا جعلت من ساحل العاج نموذجًا للاحتلال الفرنسي المعروف بشراسته في فرض الثقافة واللغة الفرنسية، وحتى تغيير القيم وإبادة اللغات والمعتقدات الدينية لأهالي الدول المحتلة، وذلك بكلِّ الطرق سواء بالسيف أو الذهب وبالمكر والخديعة؛ فهو احتلال "استيطاني" يتاجر بالبشر والعسكر وباللغة والحضارة والثقافة، وحتى العقائد في سبيل مصلحته.

وحين استتب الوضع للاحتلال الفرنسي عام 1900م، اتجه إلى المدارس الإسلامية لعلمنتها، ونشر البعثات التنصيرية والمدارس المسيحية؛ لوقف تنامي الدعوة الإسلامية عدوه الإستراتيجي بغرب إفريقيا، خاصةً وقد عَرفَتْ المنطقة الإسلام منذ القرن التاسع الميلادي، عبر التجار المسلمين الذين بهروا الأفارقة بأخلاقهم، قبل أن يشاركهم العمل الدعوي عدد كبير من الدعاة والمتصوفين والفقهاء الذين توافدوا؛ لنشر الفقه الإسلامي.

وشنَّت فرنسا حربًا عنيفة على الهوية الإسلامية، فيما أفسحت المجال أمام المنصِّرين بالغابات الاستوائية جنوب ساحل العاج، إلا أن ذلك وغيره لم يمنع انتشار الإسلام، لترتفع أعداد المسلمين حتى بلغت نحو 60% من السكان، وهم اليوم حوالي 12 مليونًا من عدد سكان ساحل العاج المقدر بنحو 20 مليونًا، في حين تتراوح نسبة النصارى بين 20%- 25% معظمهم كاثوليك، ويشكّل الوثنيون النسبة الباقية.

وتمكنت الكاثوليك من السيطرة على الجهاز الإداري للدولة حتى بعد الاستقلال عام 1960م، فيما ساعدت الرئيس الأول هوفي بوانييه عبر قواتها العسكرية إلى تقسيم البلاد إلى شمال يسكنه الأغلبية المسلمة، وهي تعمل في زراعة الكاكاو، وتنتهي مهمتهم عند بيعه في أبيدجان، وجنوب يسكنه الوثنيون والمسيحيون الذين سيطروا على مقاليد الأمور- مع الفرنسيين- بتشكيل الحكومات والأجهزة المحلية، وحتى رئاسة المصارف وتجارة وتصدير الكاكاو.

وتنوعت صور الاستفادة الفرنسية من البلاد؛ سواء الإستراتيجية أو الاقتصادية، بعد أن فُتحت أسواق ساحل العاج للمستثمرين الفرنسيين، فشكلوا نحو 60% من رجال الأعمال بالبلاد، وبنت المدن الاقتصادية على السواحل حتى يسهل نقل المواد اللازمة إلى باريس بأقل تكلفة، وخاصة محصول الكاكاو الذي تُنْتِج منه ساحل العاج نحو 40% من الإنتاج العالمي، فضلاً عن كونها مصدرًا رئيسيًّا للموز والبن والقطن وزيت النخيل والأناناس والمطاط والأخشاب، وغيرها من الصناعات!.

لعبة الانقلاب!

وبعد سقوط الشمولية مع انهيار الاتحاد السوفيتي، تضاعف نمو الوعي السياسي للعاجيين، وتتابعت التحركات الشعبية والمظاهرات الطلابية؛ لطلب إقرار الديمقراطية، وإجراء انتخابات رئاسية تعددية؛ فاستدعى بوانيه الدكتور حسن وطارا، الذي كان حينها نائب رئيس صندوق النقد الدولي، ونصبه كأول رئيس وزراء للبلاد؛ ليضمن أصوات قبيلته الجيولا المسلمة، ويكسب تأييد الشمال المسلم؛ ما مكنه من كسب أول انتخابات رئاسية نهاية 1990م.

وظلت باريس هي المسيطر على القصر الجمهوري، فأعدت هانري كونان بيديه- رئيس البرلمان وقتها- ليتسلم الرئاسة بعد وفاة بوانييه العجوز عام 1993م، ولم تغب حتى عن الانقلابات، فتحالفت مع رئيس أركان الجيش الجنرال الكاثوليكي (روبرت جيه) بعد انقلابه نهاية عام 1999م، فيما منحت بيديه حقَّ اللجوء السياسي.

وبعدها بعدة أشهر أعلنت تأييد أستاذ التاريخ لوران جباجبو في انقلابه على الرئيس جيه، الذي أعلن فوزه في الانتخابات الرئاسية المزورة التي جرت أوائل عام 2000م، ويسرت للأخير التنسيق مع قيادات الدرك (الجيش العاجي) والشرطة لدعم انقلابه، الذي تم بسرعة ملحوظة مع دعم القوات الفرنسية التي بادر جباجبو لإعلان الولاء لبلادها.

ورغم عناد جباجبو ورفضه منح المسلمين أية مزايا تمتص غضبهم، إلا أن فرنسا لم تتأخر عن دعمه عسكريًّا ولوجيستيا، وتكفلت بإسكات صوت المجتمع الدولي، والحصول على قرار أممي بحفظ السلام في ساحل العاج، مع حقِّ التدخل العسكري إذا احتاجت ذلك؛ للتغطية على المذابح الجارية بحقِّ المسلمين هناك؛ لوأد تمردهم بالقوة.

من ناحية أخرى، وسَّعت فرنسا من أعمال المنظمات التنصيرية في الشمال بدعوى مساعدة المسلمين؛ لوقف حركة تمدد الإسلام إلى الجنوب الإفريقي، وإجهاض الثورات المتتالية التي تواصلت حتى استطاعت في سبتمبر سنة 2002م الانقلاب على جباجبو، والسيطرة على نصف البلاد، وكانت على وشك السيطرة على العاصمة ياموسوكرو، إلا أن القوات الفرنسية حالت دون ذلك.

ودخلت البلاد كلها في أتون الحرب الأهلية، فتحركت باريس لتوفير الأمن والاستقرار الاقتصادي لنحو 20 ألف فرنسي يستوطنون ساحل العاج، وجمعت أطراف النزاع للاتفاق على هدنة عسكرية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، يتولى المسلمون فيها رئاسة الوزراء، وزارتيّ الداخلية والدفاع، مع إقرار رئاسة جباجبو حتى موعد انتخابات 2005م، التي يكون من حقِّ جميع العاجيين خوضها.

ولم يرض أنصار جباجبو بالاتفاقية التي عدُّوها استسلامًا للشماليين، وخرق الأخير وقف إطلاق النار في نوفمبر 2004م، وقصف- بواسطة طائرتين قالت فرنسا إنهما صناعة صهيونية- مواقع للقوات الشمالية وآخر تابعًا للقوات الفرنسية، بينما خرجت مسيرات جماهيرية تطلب طرد القوات الفرنسية، والتنديد بسياسة الرئيس جاك شيراك، وحمل المتظاهرون أعلامًا أمريكيةً وصورًا للرئيس الأمريكي جورج بوش.

صراع أمريكي فرنسي



الرسالة التي أفصح عنها نحو 10 آلاف متظاهر يحملون الأعلام الأمريكية، أكدت نجاح أمريكا في فرض نفسها على الملعب العاجي، بعدما اندفعت إليه الأخيرة بقوة لمعاقبة تمرد باريس على خطة واشنطن؛ لتقسيم تركة العراق قبيل غزوه في مارس 2003م، وتزعم جاك شيراك، وهو آخر رئيس فرنسي بالعهد الديجولي، تجييش الرفض العالمي ضد أمريكا.

واستنكر مسئولو البيت الأبيض أن تتحدث دولة (الكولونيالية) عن حقوق الإنسان الذي تستعبده في غرب إفريقيا، ولم يتوان الرئيس الأمريكي جورج بوش عن القيام بزيارة تاريخية إلى 5 دول إفريقية في يوليو 2003م، من بينها ليبريا وساحل العاج في غرب إفريقيا، بدعوى محاولة انتشالهما من الأزمات السياسية.

وجاء الاهتمام الأمريكي المتزايد ضمن إستراتيجية "الإمبراطورية" بعهد إدارة بوش؛ لتحقيق الأمن القومي الأمريكي بمعناه الشامل، وتأمين الاحتياجات الأمريكية من الطاقة، لا سيما وأن إفريقيا تمتلك ثروة نفطية هائلة، تقدر بنحو 8% من الاحتياطي العالمي الخام، مع إمكانياتها الإستراتيجية التي تكفل التوسع العسكري لأمريكا عبر العالم، هذا غير أن القارة تعتبر سوقًا كبيرة، إذ يبلغ عدد سكانها نحو 750 مليون نسمة.

ويدعم التوجه الأمريكي سياسات الكيان الصهيوني الذي ينشط بساحل العاج منذ عام 1962م، لأهمية موقعه الإستراتيجي، ولفتح أسواق تبادل تجاري وزراعي مع الكيان، غير مشاركة الموساد في تصفية وجهاء المسلمين وزعمائهم، حتى تبقى السيطرة لحلفائهم من الأقلية النصرانية، وللانتقام من مؤيدي حزب الله اللبناني المنتشرين بين الجالية اللبنانية في ساحل العاج، والمقدرة بنحو 150 ألف شخص.

وردت باريس بشكل قوي ومباشر على تحرشات جباجبو، وما صاحبها من رسائل أمريكية وصهيونية، وذلك بتدمير كامل لقوة جيش الجنوب الجوية، وكشفت عن مقر تنصت تابع للموساد، وقامت بطرد 46 خبيرًا صهيونيًّا عسكريًّا، مع رسالة شديدة اللهجة للحكومة الصهيونية بوقف العبث في ساحل العاج، في إشارة إلى إنها لن تقبل المشاركة في مستعمرتها القديمة والحالية.

المعطيات الجديدة

إلا أن المشهد الحالي تغيَّر بفعل عدة عوامل، ليصبح في صورته الحالية من التوافق الفرنسي الأمريكي، أولها تواصل عناد جباجبو وإصراره على المضي في الحرب الأهلية التي أدَّت إلى تدهور كبير في الأمن والاستقرار الاقتصادي لساحل العاج؛ ما ألَّب عليه الجميع، وفي مقدمتهم فرنسا، ليتم إجباره على قبول اتفاقية واجادوجو نهاية عام 2007م.

الأمر الآخر هو تولي نيكولا ساركوزي رئاسة فرنسا في مايو 2007م، وهو يميني من أصل يهودي؛ ما جعل الشانزليزيه أطوع في التوافق مع سياسات البيت الأبيض، وجمع مختلف اللاعبين ضد جباجبو الذي ماطل كثيرًا في إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية؛ لكي يبقى في السلطة حتى الآن بصرف النظر عن شرعية حكمه.

ويصاحب التوتر الأمني تدهور شديد يكاد يعصف بالبقية من اقتصاد البلاد، ما خفّض إنتاجها من الكاكاو إلى 1.2 مليون طن فقط، أي نحو نصف الكمية السابقة من المادة الأولية لصناعة الشيكولاتة، والتي باتت صاحبة الكلمة الأولى في إدارة اقتصاديات الحرب ووجهتها، بعد الأزمة الاقتصادية التي هزت موازنات الدول الكبرى، ودفعتها شرقًا وغربًا لمحاولات تعويض خسائرها، لا سيما وأن موقع ساحل العاج يجعلها بوابة إلى أسواق "الاتحاد الاقتصادي والمالي لإفريقيا الغربية" و"المجموعة الاقتصادية لبلدان غرب إفريقيا إيكواس".

وتدفع أسباب أخرى فرنسا إلى عدم التمسك بأستاذ التاريخ لوران جباجبو؛ فهو مسيحي إنجيلي، وماركسي سابق، كما أنه أول رئيس يُضعف نفوذ "الأب الجديد" (Papa Nouveau) رجل الدين الكاثوليكي الأهم في ساحل العاج، والذي احتل مكانة بارزة في صدر المشهد الرسمي منذ الرئيس بوانييه، وكان يدعو إلى توحيد البلاد بالتوافق مع الفرنسيين، وقد أرجع البعض ذلك إلى أن زوجة جباجبو قريبة من "البنتكوتيين" المتأثرين بقوة بالهيمنة الأمريكية، ومعادية للاتجاه التوفيقي بين المسيحية والإحيائية، والأخير أحد أهم أسباب توسيع قاعدة التنصير في إفريقيا.

بديل مسلم مدجن!



وتعلم الدول الغربية أن دولة الرئيس جباجبو على وشك الانهيار رغم تأييد الجيش له؛ فقد فشل على مدار 8 سنوات في قمع الانقلاب الذي نجح من البداية في السيطرة على أسلحة ثقيلة، بما في ذلك الطائرات المروحية والمدرعات؛ ما دفع فرنسا إلى رفض طلب جباجبو بالتدخل لقمع الانقلاب وفق اتفاقية الدفاع المشترك.

في المقابل قدَّم اتحاد المعارضة في الشمال رسائل مقبولة غربيًّا حين شكل جبهته السياسية نهاية عام 2002م وأطلق عليها اسم الجبهة الوطنية لساحل العاج برئاسة جيوم سورو (مسيحي)، وأحسنوا في التعامل مع المدنيين، فلم يقدموا على ارتكاب مذابح أو قتل للمدنيين، وأفرجوا عن وزير الرياضة الذي كان موجودًا بالمناطق التي سيطروا عليها؛ ما أبرز صورة التسامح الإسلامي مع غيرهم.

كما حققت ساحل العاج- بفضل المسلمين- تقدمًا اقتصاديًا كبيرًا قبل الحرب الأهلية، وبلغ معدل النمو حوالي 6%، وتفوقت البلاد في إنتاج الكاكاو حتى بلغ 40% من الإنتاج العالمي، لذا فأفضل خياراتها هو تأييد استلام الحسن وطارا للحكم، مع سمعته الجيدة في مجال الإدارة الاقتصادية، وطواعيته لتنفيذ السياسات الغربية لا سيما الأمريكية، فهو الصديق الأقرب لواشنطن بساحل العاج، منذ كان يعمل في صندوق البنك الدولي بتسعينيات القرن الماضي.

الأمر الذي سيكون سببًا في امتصاص غضب الشمال المسلم والمعارضة، مع ضمان استمرار تنفيذ الأجندة "الاستعمارية"، خاصة استمرار تدفق الكاكاو من مزارعي الشمال إلى ميناء أبيدجان في الجنوب، ومنه إلى المصانع الغربية، فضلاً عن الاستغلال الأهم في تنفيذ المخططات الإستراتيجية للاعبين الأهم فرنسا وأمريكا والكيان الصهيوني.

الدعوات تتوالى من ساحل العاج إلى استخدام القوة ضد جباجبو؛ لإجباره على التنحي، ولاعبو الغرب يدرسون كيفية تحقيق أفضل النتائج بأقل خسائر ممكنة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق