القمة العربية المقبلة.. اجتماع الضعفاء

 

10-3-2010

تقرير- عصام فؤاد:

منذ انتهاء الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفيتي بداية تسعينيات القرن الماضي، بات الشرق الأوسط والمنطقة العربية الحدث الأبرز على مسرح السياسة الدولية؛ ما قرر أضعافًا مضاعفة من الأهمية للقمة العربية السنوية، والتي لم تحظ- رغم ذلك- بنصيب حقيقي من اسمها.

ورغم الجهود التي تحاول ليبيا القيام بها لتنقية الأجواء العربية قبل القمة التي تستضيفها لأول مرة يوميّ 28 و29 مارس المقبل، إلا أن الأمور لا تسير في الإطار الذي تريده الجماهيرية أو الجامعة العربية، التي صرَّح أمينها العام نهاية فبراير الماضي عن استيائه الشديد من تردي مستوى العلاقات العربية- العربية؛ ما يهدِّد بقوة نجاح القمة.

 التحدي الصهيوني

   الحكومة الصهيونية الحالية هي الأخرى لم تخالف عادة أسلافها، وسبقت القمة العربية بجريمة صهيونية جديدة في حق الفلسطينيين، والمقدسات الإسلامية، لتذكر زعماء العرب أن الصراع العربي- الصهيوني هو أهم التحديات على طاولة اجتماعهم القريب.

وتبرز أهمية ملف الصراع العربي- الصهيوني في كونه الراعي الأول لمنظومة الفشل العربي، والذي يبرز في عدم امتلاك أي قطر عربي مشروعًا واضحَ المعالم لخططه السياسية والاقتصادية، وحتى الاجتماعية، قبل الحديث عن مشروع موحد في غياب نية تطوير النظام الإقليمي العربي.

ولا يتمسك العرب في مواجهة المشروع الصهيوني سوى بمبادرة العاهل السعودي الملك عبد الله، والتي تقدم بها حين كان وليًّا للعهد قبل ثماني سنوات، وتطالب الحكومة الصهيونية بالانسحاب إلى حدود 67 لإقامة دولة فلسطينية بها، مقابل إقامة الاعتراف العربي الرسمي بالكيان الصهيوني، وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة معه، غير العمل على وقف أعمال المقاومة الفلسطينية.

الرد الصهيوني على المبادرة كان قاسيًا وقت تقديمها باحتجاز الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مقر السلطة برام الله، ومنعه من المشاركة في قمة بيروت عام 2002م، مع تكريس مسلسل الجرائم الصهيونية التي كان أفظعها خلال العقد السابق الحرب الهمجية على غزة قبل عام، ومخططات تهويد القدس الشريف الجاري تنفيذها حاليًّا.

وبرغم ذلك؛ يزداد تمسك العرب بمبادرتهم بعد تبنيهم السلام "خيارًا إستراتيجيًّا وحيدًا" للرد على تنامي الإجرام الصهيوني، مع رفض قاطع للمقاومة بشتى صورها، حتى إن العواصم العربية الكبرى باتت لا تتحرج من الاستقبال الرسمي الحافل بمسئولي الكيان، فيما ترفض استقبال قيادة الحكومة الفلسطينية المنتخبة.

وأهم أطروحات الملف أمام قمة طرابلس هو طلب تغيير الأدوات العربية في إدارة الصراع الذي بات ينحصر مؤخرًا بين فصائل المقاومة المسلحة والصهاينة، وتنسيق رعاية حقيقية للحوار الفلسطيني الداخلي، خاصة مع الفشل الذي يلاقيه الحوار بعد سبع جولات في ظل الإدارة المصرية.

 الأمر الذي يتطلب جهدًا عربيًّا ومصريًّا، وتدخل أطراف أخرى محايدة تعمل على إزالة عقبات المصالحة، والضغط على رام الله؛ للاستجابة لمبادرات حماس لإنهاء الشقاق، وصياغة التعديلات المطلوبة على ورقة القاهرة، وإلا فتظل المصالحة الحقيقية بعيدة المنال.

من ناحية أخرى؛ تسنح فرصة كبيرة أمام العرب باستغلال الضعف الحالي للكيان الصهيوني بعد فقدانه الأفضلية المطلقة في ميزان التسلح العسكري، بعد الهزائم المنكرة التي لحقت بجيشه في معركة الفرقان بداية العام الماضي، واستمرار التطوير في ترسانة أسلحة فصائل المقاومة، وإيران وتركيا؛ ما يخل بميزان القوى في المنطقة، لاسيما مع حالة الجفاء الراهنة بين تركيا، والكيان.

وعلى المستوى السياسي؛ يبدو جليًّا ضعف مستوى مسئولي الدولة العبرية، وافتقادهم تكتيكات جديدة تخدم مشروعها الإستراتيجي، أو تعمل على تحسين صورتها ككيان عنصري استعماري، ويبرز فشلهم في مواجهة الخطر الديموغرافي، الذي بات يهدد استمرار عبرية الدولة اليهودية.

وكل هذه معطيات لصالح الطرف العربي، ومن الممكن بقليل من الجهد استغلالها لتغيير خارطة المنطقة الجيوسياسية بعد تغير معالمها العسكرية، وذلك في حالة وجود نية عربية حقيقية لاستغلال هذه الظروف.

احتمالات الحرب

ورغم انقراض مصطلح الأمن القومي العربي واندثار نظريات الدفاع العربي المشترك، إلا أن ثمة احتمالات لنشوب حرب متعددة الجبهات بين الكيان الصهيوني، وأطراف عربية، وذلك في حال قيام جيش العدو بتوجيه ضربات عنيفة تجاه المقاومة في فلسطين ولبنان؛ ما قد يستنفر حلفاء حزب الله في دمشق وطهران لمساعدات لوجستية واسعة، يرد عليها الكيان بضربة عسكرية ضد سوريا، تجر المنطقة وأحلافها لحرب مفتوحة، وطويلة.

وإذا كان الكيان الصهيوني هو الأكثر تجنبًا لحرب واسعة أو طويلة؛ إلا أن جيشه يرى أن إغفاله نمو قوة عدوه الأول، وهو المقاومة قد يكلفه خسائر أكبر بكثير من تكاليف حرب متعددة الجبهات.

وحاليًّا ينظر الكيان إلى جدار مصر الفولاذي على أنه أمله الأخير في حصار محكم حول حماس، يقضي على قوتها العسكرية، وامتدادها الطبيعي في غزة والضفة الغربية، وفي حال فشله لن يبقى أمام الكيان سوى دخول حرب جديدة لإسقاطها بالاستفادة من تجارب موقعة الفرقان وتشديد الحصار المصري على القطاع.

وتتميز حكومة نتنياهو الحالية بقصر نفسها، وميلها للحسم المباشر لاكتساب ثقة الناخب العبري؛ ما يزيد احتمالات الحرب، خاصة مع حاجة اليهود لتأمين الجبهات الأقرب، حال اضطرارها لتوجيه ضربة عسكرية نحو مفاعلات إيران النووية، والتي قد تجر المنطقة كلها لحرب غير معلومة الأطراف، أو العواقب.

الغريب أن أكثر المحفزات لدى الصهاينة لدخول الحرب، هو الموقف العربي المتخاذل والمتواطئ، والذي يشجع الكيان بحسم الجولة العسكرية سريعًا قبل تغير مدخلات المعادلة السياسية الحالية، وذلك إذا ما حدث أي تغيير بالأنظمة العربية، أو تغيير موقف الأنظمة نفسها تحت الضغط الشعبي.

والطريق الأقصر، والأنجع أمام العرب لتجنب الحرب؛ هو اتحاد قمتهم المقبلة حول قرار قوي يؤكد الوقوف إلى جانب المقاومة، والتصدي لأي ضربات صهيونية عسكرية ضد أي من الأراضي العربية؛ ما يجبر مسئولو الكيان على التردد كثيرًا قبل التفكير في حرب ستكون كارثيةً على دولتهم.

انتخابات السودان

   وبعد أيام من القمة؛ تطالعنا انتخابات السودان التشريعية، والرئاسية المزمع عقدها في أبريل القادم، والتي قد تفاجئ المتابعين بقنبلة سياسية يصعب التكهن بها، مع الظروف المتشابكة والمعقدة التي تجري فيها.

وأهم التعقيدات هي اقتراب موعد استفتاء الجنوب، والذي يلقي بظلاله على عمليات التصويت، لعلم المشاركين أن هذه الانتخابات ستغير ملامح الخريطة السياسية التي ستحدد مستقبل السودان، ومصير اتحاد شماله وجنوبه.

وكذلك تأتي أزمة إقليم دارفور، وتمرد بعض الفصائل المسلحة هناك؛ ما قد يتسبب في إبعاد الإقليم عن المشاركة بالانتخابات، وتأجيله لحين إقرار السلام به؛ ما قد يكون ثغرة تسمح مستقبلاً بالطعن على النتائج.

كما تفرض محكمة العدل الدولية نفسها بمذكرتها لاعتقال الرئيس السوداني عمر البشير، والتخوف من احتمالات توقيف البشير فعليًّا، وأثر ذلك على الانتخابات ورئاسة السودان إذا استمر البشير رئيسًا بعد الانتخابات.

ويدور الملف السوداني في فلك الأمم المتحدة، والتجاذب بين مصالح الدول الغربية، والصين في السودان، في ظل غياب عربي مخزٍ، لاسيما من القاهرة التي تخلت عن عمقها الإستراتيجي ووادي النيل الأزرق لقمة سائغة للمخططات الصهيوأمريكية.

وفرصة التدخل ما زالت سانحة أمام القمة لإدراك أكبر الدول العربية مساحة، واتخاذ قرار عربي موحد ضد مذكرة المدعي العام بملاحقة البشير، ودعم حكومة الخرطوم الحالية والقادمة ماليًّا وبشريًّا لمواجهة الأيادي الغربية التي تعبث بديموجرافية الجنوب، وبنيانه الاجتماعي، وإدراك أن انفصال الجنوب أولى خطوات تفتيت السودان من ثم الالتفاف خلف خطوط العرب التي ستصبح محاصرةً بين الصهاينة في فلسطين، والأمريكان في الخليج شمالاً، وعملائهم في السودان والصومال جنوبًا.

 حرب اليمن

  وتبرز الحرب اليمنية كأحد الملفات العاجلة للقمة، لاتخاذ حل إستراتيجي نهائي للمواجهات المسلحة المتجددة بين الجيش اليمني، وجماعة الحوثيين في محافظة صعدة شمال اليمن، والتي تسببت في مقتل الآلاف من الطرفين، فضلاً عن تشريد نحو 250 ألف يمني.

ويعود تاريخ المواجهات بين اليمن والحوثيين إلى يونيو عام 2004م، وخاض الطرفان خمس جولات سابقة، كان سادسها في أغسطس الماضي، عندما شنَّ الجيش اليمني هجومًا كبيرًا على محافظة صعدة تحت اسم "عملية الأرض المحروقة" ما قابلته جماعة الحوثيين المسلحة بحرب عصابات في جبال الشمال؛ لتشهد اليمن أشد المواجهات حدة منذ ردع محاولات الانفصاليين في الجنوب، واندلاع حرب صيف 1994م.

 وتميزت الجولة السادسة من المواجهات بمشاركة إقليمية أوسع وأوضح، فصرحت إيران عن دعمها مطالب الحوثيين، وتعاطفها مع ما أسمته "حقوقهم المشروعة"، أما السعودية فأعلنت في شهر نوفمبر إشراك قواتها المسلحة في المعارك ضد الحوثيين الذين اعتدوا على الأراضي السعودية، وحرس حدودها، هذا غير مساندتها للجيش اليمني ماديًّا ولوجستيًّا.

وتوقفت المواجهات المسلحة مع الجيش اليمني أواسط فبراير الماضي بعد قبول الحوثيين شروط الحكومة الستة، والقاضية في مجملها بتسليم المواقع، والعتاد العسكري، وإطلاق سراح الأسرى، والخضوع للسلطة المحلية، وتزامن ذلك مع إعلان الرياض الانتصار على جماعة الحوثيين الذين طلبوا هدنة طويلة مع الجيش السعودي.

إلا أن احتمالات تجدد الصراع كبيرة لاسيما وأن أسباب الحرب، والاختلاف لم تُعالج بعد أو يتم تجفيفها، وتحول الحرب مؤخرًا إلى رأي عام دولي ضاغط على صنعاء في أكثر من ملف؛ ما يتطلب فعلاً عربيًّا لاحتواء جماعة الحوثي، وتهيئة المناخ لاستيعابها في العملية السياسية باليمن، بعد تحويلهم إلى شركاء بالعمل الوطني، مع بحث سبل مداواة جراح البلاد التي لم تندمل بعد رغم السكون الحالي.

أزمة الصومال

   أما الصومال، فهي تدخل عقدها الثالث من عهد الفوضى، والعنف الذي يجتاح البلاد منذ نجاح التمرد في إسقاط حكومة الرئيس الصومالي آنذاك الجنرال محمد سياد بري عام 1990م؛ ليتعاقب على الصومال منذ ذلك الحين 7 رؤساء و11 رئيسًا للوزراء، ترأسوا 37 حكومة، من بينها حكومات لم تدم لأكثر من أسابيع قليلة؛ بسبب ظروف الحرب الأهلية والفوضى القبلية.

وبعد عام من توليه رئاسة الصومال، قدمت حكومة الرئيس شريف شيخ أحمد نسخًا مكررة من فشل الحكومات السابقة، التي لم تبدِ فعليًّا انتماءها للصومال وشعبه؛ باستجابتها للمصالح المتناقضة للدول الأجنبية هناك، وإغفالها تأثيرات الصراع العشائري بالبلاد.

 كما أن المعارضة الإسلامية المسلحة تفتقد خطة إستراتيجية تعيد الأمن للبلاد، وتستوعب مختلف فصائله، وتوقف نزيف الدماء الذي يسيل من العشرات يوميًّا بسلاح أجنبي ويد صومالية، غير الجرائم البشعة التي ترتكبها القوات الإفريقية ضد المدنيين، والمسلحين على حد سواء.

وعلى مدار نحو عشرين عامًا استحقت حرب الصومال دخول موسوعة الأرقام القياسية كأطول حرب وكالات تدور على أرض أجنبية، بعد أن تحولت البلاد إلى مساحة خصبة لتصفية حسابات إثيوبيا، وإريتريا بعيدًا عن حدودهما، ومجال للصراع بين تنظيم القاعدة، والدول الغربية، غير الحسابات الأمريكية والصهيونية لاستخدام "القوة الناعمة"، والخشنة في السيطرة على مفصل القرن الإفريقي، وشفط ثروات الصومال الطبيعية والنفطية.

ويظل الإفلاس السياسي للنخب القيادية بالصومال هو أهم معوقات الملف الصومالي؛ ما يتطلب تدخل مشروع عربي يصفي الساحة الصومالية من حسابات إثيوبيا وإريتريا، ويتصدى لأجندات واشنطن، والكيان الصهيوني، ويقدم كافة صور الدعم المادي والسياسي والاقتصادي لحكومة وطنية ينتظم فيها جميع أطياف البلاد الدينية والعشائرية.

ملفات أخرى

وتبقى أمام قمة 2010م ملفات أخرى، أهمها ما بعد الانتخابات العراقية، والحوار الداخلي اللبناني، ومشكلة الصحراء المغربية، والعلاقات العربية العربية المتدهورة، والملف الاقتصادي بمختلف تفريعاته.

إلا أن كل تلك الملفات وغيرها لن تجد سبيلها إلى مائدة الحوار، حال غاب عن القمة ضيفها الأهم، والذي يجب أن يسبق زعماء العرب إلى العاصمة الليبية، وهو النية الحقيقية لتغيير الواقع العربي الراهن والانحياز إلى مطالب الشعوب العربية التي تستحق يومًا أن تعيش التجربة التركية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق