موريتانيا.. ديمقراطية النفس القصير


14/03/2010

تقرير- عصام فؤاد:

 يحدث في موريتانيا الآن.. انقسام حاد بالبرلمان بعد إلغاء المجلس الدستوري قانون مكافحة الإرهاب، استجابة للرفض السياسي، والشعبي للقانون، باعتباره خطرًا على الحريات العامة، والخاصة للمجتمع.

فصل جديد من كتاب تجربة موريتانيا الديمقراطية، والذي تأتي الأحداث فيه بصياغات مختلفة عن تلك التي تراها بالقصة العربية، بعد ما أضافت بلد المليون شاعر بَصْمَتهَا الأدبية والسياسية على الكتاب، الذي يحمل سؤالاً عريضًا في نهايته: لماذا شذَّت موريتانيا عن ركب الاستبداد العربي؟

الإجابة تعود بنا إلى تاريخ الجمهورية الإسلامية الموريتانية أو "بلاد شنقيط" الكائنة في غرب وسط أفريقيا على ساحل المحيط الأطلسي، ويحدها من الشمال كلٌّ من صحراء المغرب والجزائر، وتحدها السنغال من الجنوب، فيما تحاصرها مالي من الشرق والجنوب.

 وكانت موريتانيا جزءًا من وحدة المغرب الأقصى التي فتحتها جيوش عقبة بن نافع في مطلع العهد الأموي سنة 50هـ، 670م، وانتشر الإسلام في موريتانيا إبان ولاية موسى بن نصير على شمال إفريقيا في 96هـ، 705م، واستوطن بلاد شنقيط عرب من أحفاد حمير، مع الفتح الإسلامي، وتولوا مهمة تعليم اللغة العربية للأفواج الداخلين في الإسلام، لتتحول إلى أرض عربية إسلامية، قبل أن يفصلها الاستعمار الفرنسي عن امتدادها بالمغرب العربي، وتصبح دولة موريتانيا.

 الاحتلال الفرنسي

ومن موريتانيا نشأت الدولة العبيدية التي انفصلت عن الدولة الفاطمية، واستقلت بحكم المغرب الأقصى، قبل دخولها لكنف المرابطين، وينتقل حكمها بين الإمارات الإسلامية؛ حتى استولى عليها البرتغاليون في القرن الخامس عشر الميلادي بعد أن أغراهم تأسيس مراكز لتجارة الصمغ، والحرير والرقيق، وفي 1905م دخلها الاحتلال الفرنسي الذي بسط حمايته على البلاد، وواجهه العديد من الحركات الجهادية التي استمرت حتى نالت البلاد استقلالها الكامل يوم 28 نوفمبر 1960م.

وفي البداية لم يعترف باستقلال موريتانيا من العرب إلا الحكومة التونسية، وذلك بسبب مطالبة المملكة المغربية بتبعيتها إليها، واستغلت باريس العزلة العربية لتوطيد العلاقات مع نواكشوط، واستثمارها في تنفيذ إستراتجيتها بغرب أفريقيا، فيما تعززت علاقات موريتانيا مع محيطها الأفريقي المسلم، خاصة دولتي مالي والسنغال.

وحتى بعد دخولها كعضو في جامعة الدول العربية عام 1973م لم يسمح فقر موريتانيا المدقع بمشاركة حقيقية في الشئون العربية، أو حتى باهتمام عربي، فيما تولت الخلافات المغاربية حول قضية الصحراء الغربية مهمة فصلها عن محيطها العربي.

الجنوب والعسكر

وكان للبعد عن أنظمة الاستبداد العربي فضلٌ كبيرٌ على المواطن الموريتاني الذي توجهت أنظاره نحو باماكو وداكار عاصمتيّ مالي والسنغال، ليشهد الإطاحة بالدكتاتوريات وانتصار الديمقراطية، وفرض الشعوب اختيارهم عن طريق صناديق الاقتراع.

وزادت عدوى الديمقراطية بالجنوب من خبرات الشعب الموريتاني الأكثر اهتمامًا بين العرب بالسياسة والأدب، وكان لها الدور الأكبر في تحريك الشارع الموريتاني، وتوجيه دفة انقلابات العسكر التي وصلت إلى 15 انقلابًا، اصطبغ ثلاثة منها فقط باللون الأحمر، فيما كان باقيها انقلابات بيضاء بدون قتال.

وينظر عسكر موريتانيا إلى الانقلاب العسكري على أنه هو استمرار طبيعي للسياسة إذا ما سدت جميع الأبواب أمام الفعل السياسي المؤثر، والمؤسسة العسكرية في موريتانيا يغيب عنها هيئات مثل إدارة التوجيه المعنوي المسئولة عن كتابة العقيدة السياسية لأفراد الجيش تبعًا لصياغات النظام الحاكم؛ لذا تجد بالجيش كل التوجهات والتيارات الفكرية والسياسية في البلاد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتجد أفراده أكثر تداخلاً بالحياة السياسية، فلا يقفون على الحياد في القضايا السياسية والمصيرية.

وشهد عام 1978م بداية الانقلابات العسكرية بقيادة العقيد مصطفى ولد محمد السالك، أما أشهرها فهو انقلاب 3 أغسطس 2005 الذي قاده مدير الشرطة أعلى ولد محمد فال فأطاح بالرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع، خلال مشاركته في جنازة الملك الراحل فهد بن عبد العزيز.

نمو التجربة

وشكل ولد فال مجلسًا عسكريًّا تولى الحكم في مرحلة انتقالية تعهد ألا تزيد عن سنتين، قبل إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية نزيهة، يتم تسليم مقاليد الحكم إثرها للفائزين بها، مع شرط ألا يشارك أي من أعضاء المجلس العسكري الحاكم في تلك الانتخابات.

وسارع المجلس إلى إدخال تعديلات على الدستور شبيهة بتعديلات دستوريّ مالي والسنغال، كتقليص مدة ولاية رئيس الجمهورية من 6 إلى 5 سنوات، وعدم السماح بتجديدها أكثر من مرة، وتقنين تشريعات تمنع تزوير الانتخابات البرلمانية، أو الرئاسية، وتضمن التوزيع العادل لخدمات الدولة، وتنشر العدالة، وتدعم الإصلاح.

ورفض المجلس الانجراف وراء دعوات الثأر من النظام القديم، وأصدر عفوًا شاملاً عن كلِّ المدانين في جنح، أو جرائم سياسية، أو عسكرية؛ حتى الموالين للرئيس المخلوع معاوية، وأنشأ لجنة وطنية لحقوق الإنسان، هي الأولى من نوعها في موريتانيا.

 وبعد الاستفتاء الشعبي على التعديلات الدستورية، جرت الانتخابات التشريعية في ديسمبر 2006م، وانتخابات مجلس الشيوخ في فبراير 2007م، وخلال العام ذاته، وتم الترخيص لـ18 حزبًا سياسيًّا جديدًا، وتم تشريع قانون غير مسبوق في العالم العربي يحدد وينظم موقع ودور زعيم المعارضة، ويكفل له امتيازات بروتوكولية ومادية خاصة، كما يُلزم رئيس الجمهورية بالتشاور معه في القضايا الوطنية الكبرى.

وفي مارس 2007م، جرت انتخابات رئاسية نزيهة تعدد فيها المتنافسون، وفاز بها سيدي ولد الشيخ عبد الله ليتولى رئاسة موريتانيا نحو 17 شهرًا قبل أن تنقلب عليه المؤسسة العسكرية في 6 أغسطس 2008م، بقيادة جنرالي الجيش الأقوى "محمد ولد عبد العزيز" قائد الأركان الخاصة لرئيس الجمهورية، وقائد الحرس الرئاسي أيضًا، و"محمد ولد الغزواني" قائد الجيش.

وتسلم ولد عبد العزيز رئاسة الدولة، وأعلن أن سبب الانقلاب إشراك الرئيس رموز سياسية ممن اتهمت بالفساد في عهد معاوية، وضعفه في مواجهة السلفيين المسلحين، غير الأزمات الناجمة عن ارتفاع الأسعار ونقص الغذاء، وانعدام الأمن، وتردي الحياة السياسية، وتراجع الحريات العامة.

رئيس الفقراء

 وقابل الانقلاب ترحيب شعبي بين الفقراء، ورفض من المعارضة التي خشيت على منجزات الديمقراطية السابقة، مع صمت عربي معروف في قضايا موريتانيا، فيما تحركت الأطراف الغربية المعنية بموريتانيا، وفي مقدمتها فرنسا، وإسبانيا وأمريكا؛ لمحادثة النظام الجديد للحفاظ على مصالح الغرب في النفط، وحق التنقيب عنه، وتأمينًا لخط المواجهة المفتوح مع تنظيم "القاعدة" هناك.

ومع تواصل الضغط الخارجي أوربيًّا وأمريكيًّا، وتنامي المعارضة داخليًّا؛ استجاب قادة الانقلاب لوساطة سنغالية، ونفذوا شروط المعارضة، باستقالة ولد عبد العزيز وتعيين رئيس مجلس الشيوخ با مامادو الملقب بأمباري رئيسًا بالوكالة، ليكون أول موريتاني من أصلٍ أفريقيٍّ يتولى المنصب، وتم نقل تبعية المجلس العسكري الحاكم إلى حكومة وحدة وطنية.

وبالفعل جرت انتخابات رئاسية في 18 يوليو 2009م، أسفرت عن فوز مرشح حزب الاتحاد من أجل الجمهورية "محمد ولد عبد العزيز" المرشح المدني "العسكري سابقًا" بها في الجولة الأولى بحصوله على 52% من مجموع الأصوات، في حين حصل أبرز منافسيه رئيس الجمعية الوطنية مسعود ولد بلخير على 16% فقط مقابل 13% لعميد المعارضة أحمد ولد داده.

وانقسمت المعارضة حول النتائج فرفض فريق الاعتراف بها بدعوى تزويرها، ورفض إعطاء الشرعية المعنوية لنتائجها، فيما استوعب فريق آخر أن تفوق ولد عبد العزيز كان تتويجًا لجهود سياسية ودعائية ضخمة ضاعفها الأخير منذ اعتلائه سدة الحكم بعد الانقلاب، لا سيما وأن المشرفين على الانتخابات والمسئولين عن تأمينها كانوا من صف الحكومة الوطنية، ما يضعف ادعاءات التزوير.

وكان للخطاب السياسي البسيط الذي استخدمه ولد عبد العزيز الدور الأكبر في اجتذاب معظم شرائح المجتمع، لا سيما استخدام نفوذه الإعلامي لترويج أنه رئيس الفقراء في مجتمع يقبع غالبية سكانه تحت خط الفقر، ويحتل المركز 137 من بين 177 دولة في تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة.

وساهم في الترويج لولد عبد العزيز رفضه القاطع للتطبيع مع الكيان الصهيوني، ورفع أسهمه لدى رجل الشارع كونه أحد قادة الجيش، ما يعني تأمين أكبر لديمقراطية البلاد من الانقلابات العسكرية، هذا فضلاً عن تشتت المعارضة، وعدم توحد برنامجها أو التفافها حول مرشح واحد.

تحديات

وكانت أهم التحديات أمام الرئيس الجديد كيفية استيعاب المعارضة، واحتوائها في العملية السياسية، وملف الفساد المستشري بجميع مؤسسات الدولة، وبين النخبة السياسية والأمنية، ومواجهة الأوضاع الاقتصادية، والأزمة الغذائية المتنامية في ظل ارتفاع الأسعار العالمية.

ويذكر هنا أن موريتانيا شهدت في نوفمبر 2007م "ثورة الجياع"؛ حيث عمت المظاهرات العديد من المدن؛ احتجاجًا على الارتفاع الرهيب في أسعار السلع الغذائية.

وكذلك التحرك لمعالجة الأوضاع الاجتماعية المتردية في ظل تهميش بعض الفئات مثل الأرقاء الذين تم تحريرهم بقانون مكافحة الاستعباد والرق في أغسطس 2007م، والزنوج السود الذين يشكلون 18% من سكان البلاد.

وعلى الصعيد الأمني؛ يأتي التحدي الأكبر في استئصال تجارة المخدرات، ومواجهة مجموعات السلفيين المسلحة، والتي نشأت في التسعينيات بعهد الرئيس معاوية ولد الطايع بعد حربه لمظاهر التدين واعتقالاته التي طالت الإسلاميين بمختلف ألوانهم مع التعذيب القاسي لأصحاب الفكر الجهادي؛ خاصة مع علاقات ولد الطايع المتميزة مع أمريكا والكيان الصهيوني.

وبعد انقلاب 2005م طبق المجلس العسكري هدنة غير معلنة استمرت إلى 2007م استغلها تنظيم القاعدة في تنظيم صفوفه وضم عناصر جديدة بالتزامن مع الإعلان عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وتوجيه الضربات ضد الجيش الموريتاني، ومؤسسات الدولة الرسمية، ومصالح الأجانب؛ خاصة الإسبان والفرنسيين.

الخطر الحقيقي

    ولا ينكر المراقبون بعد عام ونصف من حكم ولد عبد العزيز عسكريًّا وديمقراطيًّا الإنجازات التي حققها مشروعه، وأبرزها مواجهة تبديد المال العام، ومكافحة الفساد بكل قوة، ما صنع رهبة عند الاقتراب من المال العام، مع تطبيق سياسة صارمة لترشيد نفقات الدولة؛ لتوفير مبالغ كبيرة ساعدت على تمويل بعض المشاريع التنموية.

وكذلك تحقيق إنجازات هامة في البنى التحتية كالطرق، والسدود، والتجهيزات الصحية والمدرسية، مع إعادة هيكلة، وتنظيم العشوائيات في المدن الكبرى، هذا غير العمل لتضميد جراح الماضي من خلال تسويات ودية لبعض الملفات الإنسانية مثل التعذيب، ومتابعة جهود إعادة اللاجئين، والحد من الآثار السلبية لمخلفات الرق.

وعلى الصعيد الخارجي؛ أوقف النظام التعاون والتطبيع مع الكيان الصهيوني وأمريكا، وأسس لعلاقات جديدة مع أمريكا اللاتينية عبر فنزويلا، والبرازيل، وقام الرئيس بزيارة تاريخية لتركيا وإيران الأسبوع الماضي، ضمن جولة غير مسبوقة لرئيس موريتاني.

إلا أن الخطر الحقيقي في سياسة ولد عبد العزيز كونها تعتمد على التكتيك لا الإستراتيجية؛ حيث يبدو من جميع تحركاته أنه يتبع أسلوب النفس القصير لإرضاء جموع الفقراء التي انتخبته، والتي تتطلع لفعاليات قريبة ملموسة، عن انتظار إنجازات حقيقية ولكن بعيدة، ومن ثم انتشرت الثغرات في برنامج الرئيس بصورة تحتاج لوقفة جادة قبل أن تتسع على الرقع.

فلا يكفي لمواجهة الفساد تغيير رءوس الإدارات فقط بل يجب تشريع قوانين محكمة تستأصل شأفته، ويمنع ظهوره من جديد، كما عاب إحصاء عمال الدولة؛ لإيقاف عمل الأشخاص المتقاعدين، والوهميين، والمكررين، والموتى من أجل خلق فرص جديدة للتوظيف، وعدم التشاور مع النقابات، فجاء المشروع ظالمًا للسواد الأعظم من عمال الدولة.

كما طغى على سياسة الدولة الخارجية الاستعجال والارتجالية وروح المغامرة، فمع شعبية قرار قطع العلاقات مع الدولة العبرية، تبرز أهمية فهم موازين القوى في العالم والمنطقة، ووضع ذلك في الاعتبار قبل تغيير الأحلاف وتكريس السياسات، ولا بد من حساب آثار تنمية العلاقات مع إيران وفتح الباب أمام مشاريعها في موريتانيا، على العلاقات مع السعودية ودولة المغرب الطرف العربي الأكثر اهتمامًا بسياسات نواكشوط؛ خاصة إذا جاء الانفتاح الإيراني عقب قطع العلاقات بين الرباط وطهران.

وقد تظهر آثار أي تحركات غير محسوبة خارجيًّا على الملفات الأهم داخليًّا، مثل التنظيمات المسلحة، والتي يلجأ إليها اللاعبون السابقون مثل فرنسا وإسبانيا، للحفاظ على موقع لأقدامهم في موريتانيا، بزعم تأمين مصالحهم ورعاياهم هناك.

كذلك تؤكد تقارير الاستخبارات البصمات الأمريكية على القاعدة في موريتانيا، لاقتحام البلاد بذريعة القيام بمهمتها في مكافحة الإرهاب، تمهيدًا للاستئثار بثرواتها؛ خصوصًا من النفط والغاز، لاسيما أن هذا المدخل يلقى تأييدًا لدى النخبة الأمنية الفاسدة، مع ما يضعه تحت أيديهم من أموال دولية سرِّية غير خاضعة لمساءلة البرلمان، وذلك ما يبرر التعنت الشديد في رفض إجراء حوار مع السلفيين المتشددين؛ حتى استطاع العلامة محمد الحسن ولد الدوو الظفر بتأشيرة الرئيس لبدء الحوار، والذي كشف نتائج هامة جدًّا في إطار احتواء تلك الجماعات.

ملعب المعارضة

وقد يكون الدافع الأهم وراء انتهاج ولد عبد العزيز لسياسة تكتيكية قصيرة النفس هو الضغط الداخلي من المعارضة التي لم تنس للرجل فوزه الكاسح ضدها في الانتخابات الرئاسية، وانقلابه الذي عدته العدوان الأكبر على جهادها لتكريس الديمقراطية، بالإضافة للخصوم التقليديين من أباطرة الفساد الذي تربى، وترعرع في عهد الأنظمة السابقة، ويجتهد في استخدام كافة دوائره للتشويش على أي تحركات تحاول القضاء عليه.

وبعد مضي عام ونصف العام من حكم ولد عبد العزيز ترى رغبة وطنية في التغيير، ومواجهة حقيقية للفساد، إلا أن افتقار برنامجه لإستراتيجية طويلة المدى ستجعل محاولته تعزيز الديمقراطية انتقاصًا منها، كما بدا في قانون الإرهاب سالف الذكر الذي جاء مطابقًا للمواصفات الأمريكية فلم يوضح معنى الإرهاب أو صفة الإرهابي، فيما أطلق يد الأمن في التعدي على حريات التعبير، والاتصال، واحتجاز المواطنين تحفظيًّا لفترات تصل إلى أربع سنوات بذريعة تهمة لم يبين القانون فعليًّا معناها أو نطاقها.

والقانون الآن بين يدي رئيس الجمهورية لاختيار أحد أمرين، إما الاكتفاء بإصداره خاليًا من المواد التي ألغاها المجلس الدستوري، أو إعادة القانون برمته للبرلمان، لإعادة صياغة المواد الملغاة، على أن تخلو بعد صياغتها من المضامين التي تحفظ عليها الدستوري، واعتبرها مخالفة للشريعة أو الدستور.

كما يعيب المتابعون على الرئيس تأييده للحوار مع المهمشين والسلفيين ومد قنوات للتواصل مع تركيا، وإيران وحتى أمريكا اللاتينية، فيما يعجز عن فتح قناة للحوار تستوعب المعارضة، وقد يكون قانون الإرهاب فرصة حقيقية للمعارضة لفتح حوار وطني مع النظام غرضه الوحيد مصلحة البلاد، ووسيلته المناصحة لا المناطحة، واحتواء الطلبات الشعبية لا إثارتها؛ لأن ترسيخ ثقافة الديمقراطية في موريتانيا يحتاج لتوافق داخلي أولاً بين الأغلبية والمعارضة قبل التصدي للأخطار الخارجية ومواجهة التحديات الوطنية.

إنذار شديد اللهجة ستشهده موريتانيا أواسط مارس الجاري؛ مع عزم النقابات العمالية تنظيم إضرابات قد تشل حركة البلاد إن لم تقوض النظام كله، وإن لم تدرك الأغلبية والمعارضة أهمية الحوار بينهما، فقد تنتهي تجربة موريتانيا الديمقراطية بما يفيد العدى ولا يسر الصديق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق