انقلاب أردوغان السياسي.. وداعًا زمن العسكر

 

1-3-2010

تقرير- عصام فؤاد:

لم يتوقع أكثر المحللين تفاؤلاً أن يستمر حزب العدالة، والتنمية التركي في الحكم سوى عام، أو عامين قبل أن يطيح به الجيش في انقلاب مكرر حال إعلانه هويته، ومرجعيته الإسلامية، وبعد مرور سبعة أعوام؛ جاء الانقلاب، ولكنه كان هذه المرة بقيادة رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان لينهي به ما تبقى من هيبة العسكر، ويعلن قيام الجمهورية التركية الثانية على خطى محمد الفاتح وعكس اتجاه كمال أتاتورك.

تركيا التي شهدت اليومين الماضيين اعتقال 67 عسكريًّا من رتب مختلفة على خلفية التورط بمؤامرة انقلابية، بينهم 3 من كبار القادة العسكريين هم قائد القوات الجوية السابق إبراهيم فيرتينا، وقائد سلاح البحرية السابق أوزدن أورنك، ونائب سابق لرئيس الأركان أرجين سايجون، أكدت أنه لا أحد فوق القانون، وهي الرسالة التي وجهها أردوغان إلى قادة الجيش، ومن بعدهم المحكمة الدستورية العلمانية، وهي الرسالة الأشد التي قضى أردوغان شبابه في كتابتها، وربما تحتاج كتابة سطورها الأخيرة ما تبقى من سنوات عمره.

أردوغان وأمينة

ولد أردوغان في 26 فبراير من عام 1954 لأسرة فقيرة من أصول قوقازية ببلدة بايوغلو الأفقر في اسطنبول، وعمل كبائع جوال لتأمين مصاريف تعليمه الذي تفوق فيه ليلتحق بكلية الاقتصاد في جامعة مرمرة، وهناك أبرز مواهبه السياسية ليقود الجناح الشبابي المحلي لحزب "السلامة، أو الخلاص الوطني" الذي أسسه معلمه نجم الدين أربكان، وفي غضون ذلك تعرف على أمينة المناضلة الإسلامية في حزب السلامة الوطني، وله منها عدد من الأولاد بينهم نجم الدين علي اسم أستاذه.

وفي سبتمبر 1980 أطاح انقلاب عسكري بالحكومة، وأغلق جميع الأحزاب، وبعد عودة الحياة الحزبية، انضم أردوغان إلى حزب الرفاه الذي أسسه أربكان عام 1983 كرئيس لفرع الحزب ببلدة بايوغلو مسقط رأسه، ثم كرئيس لفرع الحزب في اسطنبول، وبعدها بعام واحد أصبح عضوًا في اللجنة المركزية للحزب.

خاض أردوغان الانتخابات البلدية عام 94، وفاز برئاسة بلدية اسطنبول، لينتشلها من ديون بلغت ملياري دولار، بفضل عبقريته الإدارية، ونظافة يده، ويحقق للبلدية استثمارات، وأرباحًا بالملايين، وبمعدل نمو بلغ 7%، وقال عن نجاحه: لدينا سلاح لا تعرفونه هو الإيمان، لدينا الأخلاق الإسلامية، وأسوة رسول الإنسانية عليه الصلاة والسلام، وإن أمة الإسلام تنتظر بزوغ الأمة التركية الإسلامية، وهذا ما سيتحقق، فالتمردَ ضد العلمانية بدأ، ولن يتوقف.

العدالة والتنمية

قضى أردوغان أربعة أشهر سجنًا بتهمة تأجيج التفرقة الدينية في اسطنبول، وبعد خروجه بأشهر قليلة، حلت المحكمة الدستورية حزب الفضيلة في سنة 1999، لينقسم إلى حزب الرفاه بقيادة أربكان، وحزب العدالة والتنمية الذي أسسه أردوغان مع عبد الله جول عام 2001، من عدد كبير من شباب الإسلاميين، بالإضافة لآخرين من أحزاب يمين الوسط، مع إدخال عناصر تنتمي لأحزاب علمانية، وشخصيات يسارية تقلدت مناصب وزارية في حكومات تورجوت أوزال في ثمانينيات القرن الماضي.

كما ضم الحزب النساء وعددًا غير قليل من رجال الأعمال الذين أرهقتهم أزمات تركيا الاقتصادية، وجرى حفل تأسيس الحزب على خلفية تحتوي على علم الجمهورية التركية المصحوبة بصورة مؤسس الجمهورية كمال أتاتورك، مع التشديد على احترام ميراث الأخير، والعلمانية ما دام يحترمهم المواطن التركي.

وقد مكنت صورة الحزب الجديدة تحييد الجيش جزئيًّا بعد فوز الحزب الساحق في الانتخابات التشريعية التي جرت في نوفمبر 2002، وتشكيله الحكومة منفردًا، وإعلانه أن مصلحة المواطن التركي هي أولوية الحزب المطلقة، وأنه لا عداء بين الإسلام، والوطنية، أو الديمقراطية.

للمواجهة أصول

وفطن حزب العدالة من البداية إلى سد منافذ الانقلابات أمام العسكر، وخط سياسة تختلف جزئيًّا عن نهج أربكان، فعلى المستوى الداخلي أعلن أنه حزب محافظ بجذور إسلامية، ولكنه لا يسعى لإقامة دولة دينية، ووضع الاقتصاد في مقدمة أعماله، مدركًا أن الأزمة الاقتصادية التي تعرضت لها في 2001 و2002 لم تكن تركيا قد تعافت منها بعد، وأن استمرار هذه الأزمة هو ما يهدد بقاءه بالفعل، خاصة أن هذه الأزمات كادت تودي بالبلد الأكبر في أوروبا إلي الإفلاس إضافة لتعويم الليرة أمام الدولار، لولا ضغط واشنطن على صندوق النقد الدولي لتقديم قروض إضافية لأنقرة بلغت 16.5 مليار دولار، مما أنقذ تركيا بأعجوبة بعد أن فقد المواطن نحو 40% من دخله.

وقد وجهت حكومة العدالة جهدها لمحاربة الفساد في أجهزتها، والمحليات، وتقليص نفقاتها، واستطاعت بعد تسعة أشهر فقط من تجاوز أزمتها الاقتصادية، بل وتأسيس كيانات اقتصادية قوية أنعشت جيب المواطن، واستطاعت من خلالها عبور الأزمة الاقتصادية العالمية ببراعة كبيرة مقارنة باقتصاديات باقي أوروبا وأمريكا.

كما قام الحزب بإصلاحات قانونية وحقوقية عديدة؛ وسَنّ عشرات القوانين التي تصون الكرامة الإنسانية، وتوسع نطاق الحرية الفردية، وحرية التجمعات، والمظاهرات، وسن قانون حق الحصول على المعلومات والتعبير السلمي عن الرأي بجميع أشكاله.

الأزمة الكردية

وقد استغل حزب العدالة فشل الجيش في حل الأزمة الكردية رغم سقوط نحو 45 ألف قتيل من الطرفين، لتفتيت ثقته عند الجمهور التركي، بتبني الحزب حق الأقليات العرقية في تعلم، وتعليم لغاتها، ورفع شعار "مزيد من الحرية للجميع"، وسمح بإنشاء قناة تليفزيونية باللغة الكردية، كما أصدر قانون يعفو عن التائبين من الأكراد الذين سبق أن التحقوا بحركة حزب العمال الكردستاني الانفصالي، فضلاً عن فتح الحدود لعودة اللاجئين الأكراد إلى قراهم في جنوب تركيا.

كما اتخذ عددًا من الإجراءات لتحسين حقوق الأكراد منها السماح للمدن الكردية باستعادة أسمائها الأصلية لا التركية، وتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في منطقة جنوب شرق تركيا التي يشكل الأكراد غالبية سكانها، والاتجاه للسماح باستخدام اللغة الكردية في الحياة السياسية حيث يعد استخدام التركية إلزاميًّا حتى الآن، كما عمل على تخفيف العقوبات المفروضة على أطفال الأكراد المعتقلين خلال التظاهرات المؤيدة لحزب العمال الكردستاني المحظور، ما ساهم بشكل ملحوظ في احتواء أزمة التمرد الكردي الانفصالية منذ 25 عامًا.

حلفاء الخارج

على الصعيد الخارجي؛ تسلم الحزب تركةً مثقلةً بمشاكل حدودية ومائية مع دول الجوار، وعلاقات متدهورة مع المحيط العربي والإسلامي، حيث ساهمت الحكومات السابقة في حصار العراق وإيران، فضلاً عن تحالفها الأكبر مع الكيان الصهيوني، وتأمينها الدائم لمصالح الولايات المتحدة مقابل الفتات من المكافآت.

 واستطاعت حكومة أردوغان مسك العصا من الوسط فلم تتبن تجارب أربكان لإنشاء تحالفات إسلامية، وعربية فقط، واستبدالها بالغربية كمحاولته إنشاء مجموعة G8 للدول الإسلامية الأكبر، ولكنها استهلت عهدها بإرسال برقية تطمين لواشنطن باستمرار تحالفهم، ولكن على أساس الشراكة لا التبعية، والتواصل مع الاتحاد الأوروبي، والسعي الحثيث للانضمام إليه، مع علاقات محسوبة مع الكيان الصهيوني طبعتها برجماتية واضحة للاستفادة فقط دون خسائر، وكل ذلك قبل أن يوجه أردوغان لقادة الكيان أقوى الصفعات في المحافل الدولية والمحلية، واستبعاد فرقها العسكرية من المشاركة في مناورات نسر الأناضول، واستبدالها بمشاركة سورية عسكرية.

كما نجح الحزب في توقيع اتفاق تاريخي مع الأرمن يبدد العداوة التاريخية السابقة، وفتح قنوات حوار مع زعماء اليونانيين القبارصة، وتعامل بمرونة رائعة في ملف قبرص، وشرط الاعتراف بها للانضمام للاتحاد الأوروبي، كما وطدت أنقرة علاقاتها بطهران مع إقرارها بحق إيران في امتلاك الطاقة النووية، وعززت علاقاتها مع باكستان، ودعم قيادتها في مواجهة التحالفات الغربية.

وعربيًّا؛ نجحت الحكومة في بناء جسور الثقة مع الأنظمة، والشعوب العربية، ودشنت اتفاقات كبيرة مع الحكومة السورية، وأخرى مع العراقية، بعد زيارات تاريخية لدمشق، وبغداد، والبصرة، وأربيل، هذا غير التواصل المبهر مع كافة العواصم العربية، وفي مقدمتها القاهرة، والرياض، والدوحة، ودبي، وعمان.

دستور 82

إنجازات العدالة داخليًّا وخارجيًّا كانت في إطار سياسة النفس الطويل التي اتبعها الحزب لمواجهة سطوة العسكر بتركيا، وهو النفوذ الذي يعززه إجلال كبير من المواطن التركي للعسكر حتى أن حلم أي أب هو إلحاق ابنه بالجيش الذي لعب الدور الأكبر في بناء الإمبراطورية التركية قديمًا وحديثًا. وتتمتع المؤسسة العسكرية في تركيا بوضع خاص لا ترتبط فيه بالحكومة إلا من الناحية الشكلية، وتقوم رئاسة الأركان باتخاذ جميع قراراتها بدون استشارة أحد أو حتى حق مراجعة أي منها.

ومن خلفيات تجارب الإسلاميين السياسية؛ بذل العدالة كافة الجهد للإفلات من سيف الجيش، وانقلاباته المتكررة أعوام 60 و72 و80 و97، وذلك بكسب الشارع التركي، وتجنب الدخول في معارك جانبية تكون ذريعة لتدخل العسكر، فتراجع عن سن قانون السماح بالحجاب في مؤسسات الدولة، وألزم مسئوليه بعدم اصطحاب زوجاتهم المحجبات في المناسبات الرسمية لتجنب الجدل المثار في الأوساط العلمانية، كما رفض خروج مناصريه بمظاهرات تؤيد الحجاب حتى لا تشتبك بالعلمانيين، وتحدث قلاقل أمنية تستدعي دخول الجيش.

وعمل الحزب على تحييد واشنطن- التي باركت، ودعمت جميع الانقلابات السابقة- قبل اتخاذ أي خطوات تحجم إمكانات الجيش، وكسب إلى جانبه القوى التي كانت تدعم العسكر سابقًا مثل كبار رجال الأعمال بدعم الاستثمار فجعلوا مصلحتهم مع "العدالة"، وجذب وسائل الإعلام بحماية حق التعبير وحماية الحريات الشخصية، حتى باتت تتربص الآن لأية محاولة من الجنرالات لعرقلة المسار الديمقراطي.

المعركة الكبرى كانت في مواجهة دستور 1982 الذي وضعه جنرالات الجيش بعد انقلاب 1980، حين تولى قائد الانقلاب كنعان أيفرين منصب رئيس الجمهورية لمدة سبع سنوات صاغ خلالها دستورًا يوكل للجيش حماية الأمن الداخلي، والخارجي للبلاد، وهو المعنى الذي يتوسع العسكر فيه ليشمل حتى الأفكار السياسية التي تحمل أهدافًا يعدونها خطرًا على "العلمانية" و"الكمالية".

وأسس دستور 82 لجنة الأمن القومي، والسكرتارية المنبثقة عنها، والذين تولوا تعيين جنرالات لمراقبة مجالس إدارات مؤسسات الدولة مثل المجلس الأعلى للتعليم، واتحاد الإذاعة والتليفزيون، وتوسيع مجال إعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية وتقديم المبررات اللازمة لأي انقلاب عسكري بزعم تحقيق الأمن.

وتقوم اللجنة بتوجيه جميع الهيئات الدستورية، وتحتكر صلاحية جمع المعلومات السياسية الرئيسية منها ومن جميع الدوائر الرسمية، ولها صلاحية تنفيذية، ورقابية على جميع هذه الهيئات والدوائر، والقيام بجمع جميع المعلومات التي تهم الدولة وترتيبها وتقييمها، ومراقبة جميع الفعاليات السياسية، والقوانين الصادرة، وتقوم بكل هذا باسم رئيس الوزراء.

ذريعة الأوروبي

كما استغل الحزب حلم الأتراك في الانضمام للاتحاد الأوروبي لتصويب المسار الديمقراطي، وتقليص حدة العداء للدين وتحجيم الدور السياسي للعسكر، بحجة موافقة معايير كوبنهاجن واللحاق بالقطار الأوروبي.

ولقد تناولت التعديلات التي مررها البرلمان إلغاء هيمنة المؤسسة العسكرية على بنية مجلس الأمن القومي، مع تقليص السلطات التنفيذية للمجلس، وسحب صلاحية تدخل لجنة الأمن القومي في المؤسسات والوزارات، ليصبح دورها استشاريًّا فقط، بالإضافة لقيام البرلمان ووزارة المالية بمراجعة نفقات الجيش، ووضع تصرفاته تحت رقابة، ومحاسبة البرلمان، والأجهزة الدستورية.

وكانت الضربة القاضية التي وجهتها حكومة أردوغان استثمار فضيحة تورط عدد من قيادات الجيش في مؤامرات، وأعمال تشيع الفوضى بالبلاد، لرفع هالة القدسية، والإجلال عن رجاله من نفوس الشعب التركي، الذي أصبح منحازًا تمامًا لجانب العدالة، ويرى أعداءه أعداء لتركيا كلها.

ومع كل تقدم لأردوغان يصاحبه تقهقر من العسكر الذين باتوا لا يملكون سوى الخطابات الدفاعية، لاسيما وأن جميع المعطيات في غير صالحهم، فالشارع ولاؤه لحزب العدالة والإعلام متربص بهم، وحليفهم الأمريكي لن يضحي بحلفه الإستراتيجي مع الحكومة لخاطرهم، مع استبعاد أي تأييد صهيوني، ولو استخباراتي، في ظل الأوضاع الحالية بالعراق، والحرج الماثل بملف إيران النووي.

كما لن يغامر الجيش بمواجهات مع الشرطة التي زادها أردوغان قوة، ووسع صلاحياتها لتحكم قبضتها على كل ما يخص الأمن الداخلي، فضلاً عما يعانيه الجيش من انقسامات ظهرت بوضوح في عدم التجديد لكبار قياداته المعروف تأييدهم للأعمال الانقلابية، وإحالتهم للمعاش، والتضييق على كبار الداعمين للتحالف مع الصهاينة، بعد اتضاح خطر الكيان الصهيوني على القضية الكردية، وتردي العلاقات الدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب.

 السيناريوهات المكتوبة حاليًا تستبعد جميعها عودة انقلابات العسكر للشارع التركي، وترسم نهايات متفائلة بشأن صراع الإسلاميين مع الجيش، بعد إحالة دستور 82 للتقاعد ووضع دستور مدني جديد يعيد العسكر لثكناتهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق