الانتخابات العراقية.. محلك سر


[04/03/2010]

تقرير- عصام فؤاد:

ساعات قليلة بقيت على انتخابات العراق التشريعية، والتي تصنَّف بين الأحداث الأهم في تاريخ العراق المحتل؛ نظرًا لكونها ستشكِّل ملامح البرلمان والحكومة المكلَّفَيْن بقيادة العراق خلال مرحلة شديدة الانعطاف، قد تشهد تشكيل عراق ما بعد الانسحاب الأمريكي المقرر بحلول عام 2012م القادم.

وتوجَّه صباح اليوم الخميس نحو 800 ألف ناخب عراقي للإدلاء بأصواتهم، وهم أعضاء قوات الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية والمرضى في المستشفيات والسجناء، فيما ينتظر نحو 18.9 مليون ناخب آخرين إلى صباح السابع من مارس الجاري للتصويت.

ووفقًا لقانون الانتخابات الذي تبنَّاه البرلمان العراقي أوائل ديسمبر الماضي، فسيتكوَّن البرلمان الجديد من 325 نائبًا، يمثل 310 منهم المحافظات العراقية الـ18، على أن يتم تخصيص 15 مقعدًا تعويضيًّا لبعض الفئات، منها 8 للأقليات، ويتنافس في الانتخابات 6172 مرشحًا يمثلون 165 كيانًا سياسيًّا ينتمون إلى 12 ائتلافًا انتخابيًّا.

وستوزَّع المقاعد على النحو التالي: 68 للعاصمة بغداد، و31 للموصل، و24 للبصرة، و11 للديوانية، و18 للناصرية، و16 لبابل، و17 للسليمانية، و14 للأنبار، و14 لأربيل، و13 لبعقوبة، و12 لكركوك، و12 لصلاح الدين، و12 للنجف، و11 لواسط، و10 للعمارة، و10 لدهوك، و10 لكربلاء، وسبعة للسماوة.

رقابة دولية

   وعلى صعيد التحضير للانتخابات، أكدت الجامعة العربية أن 30 مراقبًا من موظفيها سيراقبون الانتخابات بالتنسيق مع مفوضية الانتخابات العراقية التي أعلنت أن عدد المراقبين الدوليين المسجَّلين بها حتى الآن بلغ 926 مراقبًا، وعدد المراقبين المحليين بلغ نحو 78 ألف مراقب، في حين بلغ عدد المنظمات الدولية المسجّلة 30 منظمةً، إضافةً إلى أكثر من 300 منظمة محلية.

ودفعت قوات الأمن بتعزيزات كبيرة وخضعت لتدريبات خاصة على تأمين مراكز الاقتراع، وسيتمُّ نشر عشرات الآلاف من جنود الشرطة والجيش مع تقييد حركة السيارات وفرض حظر على التجوال لمنع وقوع هجمات أثناء الانتخابات.

القوائم المتنافسة

وتختلف القوائم العراقية المتنافسة في الانتخابات القادمة عن نسختها عام 2005م، بأنها لم تتكون على أساس طائفي صرف، فسمحت بدخول أسماء عربية سنيَّة في القوائم الشيعية والعكس، كما شهدت تحالفاتٍ مختلفةً وانشقاقاتٍ كبيرةً قد تسمح بتغير جزئي في رسم البرلمان العراقي.

ويأتي في مقدمة المتنافسين قائمة الائتلاف الوطني العراقي، وهي القائمة المحسوبة على طهران، وتضمُّ ما يزيد عن 30 كيانًا سياسيًّا؛ أهمها المجلس الأعلى الإسلامي بقيادة عمار الحكيم والتيار الصدري بزعامة الشاب مقتدى الصدر، وتيار الإصلاح برئاسة إبراهيم الجعفري، والمؤتمر الوطني تحت قيادة أحمد الجلبي، هذا غير منظمة "بدر" وعدد من التكتلات الشيعية التي تمثل كافة التيارات الشيعية بالعراق، فضلاً عن بعض الشخصيات السنيَّة مثل خالد الملا وحمدي الهايس.

فيما تقف الولايات المتحدة خلف القائمة العراقية بقيادة إياد علاوي رئيس الوزراء الأسبق وزعيم "الحركة الوطنية العراقية"، والقائمة عبارة عن تحالف قومي علماني، ومن أبرز الشخصيات السنيَّة فيها نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي.

وينافس رئيس الوزراء نوري المالكي بائتلاف دولة القانون، وهو عبارة عن ائتلاف يضمُّ 40 من التيارات السياسية المختلفة في العراق، ليشمل جميع الفئات تقريبًا، إلا أن نواته الرئيسية خرجت من رحم الائتلاف الشيعي، ويركّز في أوساط العرب السنة على قادة الصحوات التي تحارب القاعدة في مناطق غرب بغداد وشمالها، وهناك اثنتان من المجموعات المسيحية، وواحدة عن الشبك مع غياب للصابئة والأيزيديين.

أما جبهة التوافق العراقي فيغيب عنها مكونات أساسية كانت تؤلِّفها حال خوضها الانتخابات السابقة عام 2005، ويبقى لها حاليًّا الحزب الإسلامي العراقي بزعامة أسامة التكريتي وحزب العدالة التركماني بزعامة أنور حميد غني وتجمع عشائر العراق بزعامة عمر الهيجل وتجمع أهل العراق بزعامة الشيخ خالد البرع، ويترشح عنها 95 مرشحًا، أبرزهم إياد السامرائي رئيس مجلس النواب، ونصير العاني رئيس ديوان الرئاسة العراقية.

ويضمُّ ائتلاف وحدة العراق عددًا من التجمعات والكتل؛ أهمها الحزب الدستوري، وتجمع وحدة العراق الحر، وجبهة الكرامة العراقية، وتجمع الوحدة الوطنية العراقي، ومجلس صحوة العراق، ويتزعمه جواد البولاني وزير الداخلية وأحمد أبو ريشة، إضافةً إلى شخصيات سياسية أخرى.

وفي كردستان تبرز قائمة التحالف الكردستاني وتضم 13 حزبًا وجماعةً سياسيةً، أبرزها الحزب الديمقراطي بزعامة مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان والاتحاد الوطني بزعامة رئيس الجمهورية جلال طالباني، بالإضافة إلى الحركة الإسلامية في كردستان، والحزب الشيوعي الكردستاني، وجمعية الليبراليين التركمان، والحزب الاشتراكي الديمقراطي الكردستاني.

ومن المتوقع أن يحصد التحالف معظم مقاعد الإقليم، فيما تنافسه الجماعة الإسلامية التي يتزعمها علي بابير، وكانت ضمن القائمة في الانتخابات الماضية، وكذلك حركة التغيير التي أسسها نوشروان مصطفى، الذي شغل سابقًا نائب رئيس الاتحاد الوطني.

قوانين بريمر

   وإذا كان البرلمان قد نجح في تمرير قانون جديد للانتخابات، فإن العراق لم يفلح بعد في تغيير قوانين بول بريمر أول حاكم مدني للعراق عقب الاحتلال، التي تحكم العملية السياسية في العراق منذ احتلاله عام 2003م، وسارت عليها حكومات إياد علاوي عام 2004م وإبراهيم الجعفري 2005م ثم حكومة نوري المالكي منذ أواخر عام 2005م وحتى الآن.

ومن أهم تلك القوانين حل الجيش العراقي الوطني وإنشاء مجلس الحكم الانتقالي وفق معايير طائفية عرقية لم يعرفها العراق من قبل، وقانون اجتثاث حزب البعث، الذي يثير جدلاً واسعًا هذه الأيام، فضلاً عن مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية الذي أقرَّه الاحتلال وعملاؤه، ويكوِّن مفاصل الدولة ومؤسساتها على أساس الطائفة والمذهب والقومية.

وبفعل قانون بريمر لاجتثاث البعث تشكَّلت هيئة المساءلة والعدالة برئاسة أحمد الجلبي  لمراقبة الكيانات المسموح لها بالمشاركة في الانتخابات، وقامت أواسط فبراير الماضي بشطب 15 كيانًا تضمُّ نحو 500 مرشح، في مقدمتها "الجبهة العراقية للحوار الوطني" التي يرأسها القيادي السُنِّي صالح المطلك، غير تجمعات سياسة أخرى، بينها أحد الأحزاب الكردية.

وشمل الاستبعاد نائب رئيس الوزراء رافع العيساوي ووزير الدفاع عبد القادر العبيدي، ووزير الكهرباء كريم وحيد، ووزير السياحة قحطان الجبوري، ونواب بالبرلمان الحالي، وصاحب القرار اتهامات الجنرال راي أوديرنو قائد القوات الأمريكية في العراق والسفير الأمريكي في بغداد كريستوفر هيل لرئيس المؤتمر الوطني أحمد الجلبي بتنفيذ أجندة إيرانية تعمل على استبعاد الأسماء السنيَّة ذات الشعبية الكبيرة.

إستراتيجية طهران

والتدخلات الإيرانية في العراق ليست خافيةً على أحد، إذ ترى أن مصالحها الإستراتيجية تفرض عليها المشاركة في الأحداث العراقية تخوفًا من نشوء فراغ سياسي يسمح بتصدير الفوضى إلى الحدود الإيرانية الممتدة لأكثر من 900 ميل مع العراق، ولمنع وصول حكومة موالية لواشنطن وتعادي إيران، فتكون دعمًا لأمريكا في توجيه أية ضربات سياسية أو عسكرية نحوها.

 لذا تجتهد طهران في تكوين حكومة مركزية قوية تحكم مفاصل العراق وتدعم طموحها الإستراتيجي في المنطقة، بعد إزالة حاجز الردع الذي كانت تمثله القوة العسكرية للجيش العراقي المنحل.



والأوراق الإيرانية عديدة ومتشعبة حتى في بعض المناطق السنيَّة وبين الأكراد الذين تربطهم بطهران علاقة صداقة منذ أحداث حلبجة سنة 1988م، وقد اتضح في التحرك الإيراني مؤخرًا قدرتها على جمع مختلف فرقاء الشيعة من أحزاب وشخصيات ومرجعيات دينية وميليشيا في بيت الطاعة الإيراني لتشكيل ائتلاف طائفي يتمكن من الفوز بالانتخابات.

مصالح واشنطن

وفيما يخص الولايات المتحدة، فإنها تدعم رافعي الرايات الوطنية، سواءٌ من السنة أو الشيعة، وتستخدم نفوذ حلفائها العرب- رغم ضعفه- للحصول على أكبر عدد من المقاعد البرلمانية، وسد الطريق أمام ائتلاف الحكيم لتكوين الحكومة منفردًا، ومن ثم تشكيل حكومة ائتلافية يتعذَّر ولاؤها تمامًا لطهران.

أما إذا وقع المحظور الأمريكي فيتوقع المراقبون أن يسارع البيت الأبيض لتمرير مخطط التقسيم، لإبقاء نفوذها قويًّا في العراق بعد خروجها منه، فمن خلال التقسيم ستتمكن من إحكام السيطرة على الكيانات الوليدة والضعيفة بطبيعة الحال، والتي ستشتدُّ حاجتها للدعم الأمريكي، ولهذا يستمر مسلسل التهجير على أساس طائفي ويتوقف تمامًا ملف المصالحة العراقية.

البديل الآخر والأقرب لواشنطن هو تأجيل الانسحاب لأي سبب، وهو ما مهَّد إليه الجنرال راي اوديرنو قائد قوات الاحتلال بإعلانه إمكانية بقاء عدد محدود من الجنود الأمريكيين بعد انتهاء الموعد المحدد للانسحاب قبل نهاية العام 2011م؛ لتدريب القوات التابعة للحكومة العراقية، فيما تتكفل الاتفاقية الأمنية واتفاقية النفط بتأمين خروج النفط إلى الولايات المتحدة.

ويعيب هذا القرار التكاليف المادية والبشرية الهائلة التي يتكلفها الجيش الأمريكي بالعراق، فقد كلَّفته الحرب منذ بدايتها 900 مليار دولار، فيما بلغ عدد القتلى نحو 4400 قتيلاً وإصابة نحو 32 ألفًا آخرين، فضلاً عن الأمراض النفسية التي تلاحق 30% من جنوده.

أما بقية اللاعبين فهم التيار العربي، وبالذات المملكة العربية السعودية وسوريا والأردن، وهم لا يملكون سوى الدعم المالي الكبير للتيارات العربية والسنية، فيما تهتم أجندة تركيا السياسية بالشمال العراقي والتركمان وحزب العمال الكردستاني، ومن بعدهم مصالحها كقوة إقليمية كبرى بالمنطقة.

عقبات التغيير

   وتبقى الملفات العراقية الأهم، مثل ملف المصالحة الوطنية وملف البعث والطائفية، أسيرةَ للتدخل الخارجي الذي يدعم انغلاق الأفق السياسي بالعراق والافتقاد الدائم للأمن، فضلاً عن المساهمة في الفساد؛ ليسجل العراق أرقامًا قياسيةً في عدد النازحين داخل العراق نفسه وبلغوا 2.5 مليون عراقي وعدد اللاجئين نحو 2.5 مليون، غير قتل مليون نسمة و تشريد نحو 4.5 ملايين، بالإضافة إلى ما يقرب من 2 مليون أرملة و 5 ملايين يتيم.

ووفقًا لليونيسيف فإن العديد من المحافظات تحصل على أقل من 40% من المياه النظيفة، و37% من المنازل متصلة بشبكات الصرف الصحي، ويقدر متوسط ساعات الكهرباء في بغداد 5: 6 ساعات يوميًّا، فيما بلغت البطالة نحو 50% من عدد العراقيين، ويقُدر عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية المزمن  بنحو 30%، كما تم سرقة نحو 11 ألف قطعة أثرية من العراق.

 وفوق ذلك كله يفتقر العراق حتى الآن قانونًا للأحزاب ينظِّم عملها ويضبط مصادر تمويلها، لمنع حصولها على أموال من الخارج تنفِّذ به أجندات أجنبية، كما ينص قانون بريمر الانتخابي على صيغة "القاسم المشترك" التي تجبر الأحزاب الصغيرة التي ربما دخلت الانتخابات بقصد التغيير، على تقديم حصتها إلى الكتل الكبيرة إذا لم تحظَ بحد أدنى من الأصوات يؤهِّلها للاشتراك في الانتخابات، وذلك لضمان إبقاء الأحزاب التي تتعاون مع الاحتلال دائمًا في الواجهة.

محلك سر

وربما تختلف الانتخابات المقبلة بمشاركة شعبية أكبر وانحسار أوسع للطائفية والزعامات العشائرية، إلا أن التوقعات تؤكد أن العملية الانتخابية لن تفرز تغيرات حقيقية ليحصد المكون الشيعي من جديد نحو 40% من المقاعد، فيما يحل الأكراد بنحو 20% من المقاعد، وتتوزع النسبة الباقية على الأحزاب السنية والعلمانية.

والنتيجة هو تشكيل حكومة ائتلافية تخدم إستراتيجية طهران ومصالح واشنطن، وتأسر مجددًا الحراك الداخلي الذي سيظلُّ مرهونًا بأقدام اللاعبين الأجانب، كما ستعيقه قوانين الاحتلال ونظمه، ليبقى الفرقاء العراقيون هم آخر من يتحكَّم في مخرجات عملياتهم السياسية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق