[09/03/2010]
تقرير: عصام فؤاد
بين ركام تشيلي وأنقاض هايتي كشف عمال الإنقاذ من أصحاب الرؤى السياسية عن قتيل هو الأكبر سنًا بين الضحايا؛ وبعد جهد مشكور للتعرف على الضحية، أكد المراقبون أنها تخص ذلك المعروف سابقًا بالنفوذ العربي في أمريكا اللاتينية.
وجاء إعلان الوفاة متزامنًا مع ما شهدناه أو افتقدناه من أي حضور عربي في الصورة الإنسانية التي رسمها المجتمع الدولي الرسمي والمدني، لإغاثة دولتي هايتي وتشيلي اللتين ضربهما زلزالان مدمران قبل أيام.
وإن تعجب؛ فالأعجب أن حملات التبرع والتضامن العربية، انطلقت حصريًّا من غزة المحاصرة وبغداد المحتلة، فأرسل أهلهما بعض المساعدات القليلة بينها لعب أطفالهم، ولولاها مع بعض الدعم القطري؛ لما تردد المراقبون في إعلان وفاة العرب وليس فقط مصرع إستراتيجيتهم.
هجرة للسنغال
في الثاني عشر من يناير الماضي، ضربت هزة أرضية زادت عن 7 درجات بمقياس ريختر دولة هايتي في البحر الكاريبي، وأسفرت عن نحو 250 ألف قتيل وأضعافهم من الجرحى والمشردين، وحولت الكارثة هايتي إلى أطلال.
فيما ضربت هزة أرضية بلغت قوتها 8.8 بمقياس ريختر دولة تشيلي- الواقعة على الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية- نهاية فبراير الماضي، ودمر الزلزال قرى بأكملها، وألحق أضرارًا جسيمة بنحو 500 ألف منزل، وكادت الهزات الارتدادية أن تسبب موجات مثل ما حدث في تسونامي قبل خمسة أعوام.
وهرع العالم كله لنجدة البلدتين المنكوبتين، وأعلنت الدول المانحة وصندوق النقد الدولي عن تبرعات بعشرات المليارات للدولتين، بالإضافة لإسقاط ديون وتعليق أخرى لمدد مختلفة، فيما أعلن الرئيس السنغالي عبد الله واد منح حق الهجرة لسكان هايتي وتقديم أراضٍ خصبة لهم، مع الاحتفاظ بحق العودة إلى بلادهم بعد تحسن أحوالها.
أما الولايات المتحدة فقد سارعت بإرسال نحو 15 ألف جندي إلى هايتي بزعم المساعدة، مع تسرب معلومات أن الهزة التي أصابت الجزيرة كانت نتيجة سلاح زلزالي تتدرب عليه البحرية الأمريكية، وأن الإغاثة تخفي وراءها خطة أمريكية لتمكين قواعدها العسكرية من فنائها الخلفي.
حتى مجرمو الكيان الصهيوني بادروا بإرسال أحدث تجهيزاتهم الطبية وأفضل فرق الإغاثة والتي ضمت 220 شخصًا، بينهم 40 طبيبًا و20 ممرضًا و24 ممرضة، وفريق تقني ورجال إنقاذ من قيادة الجبهة الداخلية بالجيش الصهيوني.
كما نظم كبار نجوم العالم حفلات خيرية لصالح ضحايا الزلازل، وقدموا تبرعات بعشرات الملايين لصالح الضحايا، فيما انتقل العديد من المنظمات الأهلية إلى مواقع الكارثة للدعم والإغاثة، من بينها منظمات تنصيرية قدمت مساعدات هائلة باسم "المسيح" و"الرب يسوع"، فيما اتهمت سلطات هايتي بعض كوادرها بخطف الأطفال وترحيلهم إلى كنائس في أمريكا ومناطق أخرى بالعالم.
الموقف الرسمي التركي كان مشرفًا في إغاثة منكوبي الدولتين، كما أحيا كبار مطربي تركيا حفلاً خيريًّا للتضامن والتبرع لصالح المنكوبين تحت عنوان "يدًا بيد"، وساهمت بعض لمنظمات الإسلامية في أعمال الإنقاذ والإغاثة، إلا أن تلك المساعدات تاهت وسط ملايين الإعانات التي تدفقت من الدول والمنظمات الكبرى.
أغراض أخرى
بالطبع لم يكن الدعم الموجه لهايتي أو تشيلي خالصًا لوجه الله أو لوجه الإنسانية، ولكنه حمل أغراضًا عسكرية ولوجستية كما أظهرت الولايات المتحدة، ومهامًا تنصيرية لعدد من المنظمات، وأخرى سياسية واقتصادية لكثير من الدول التي ساهمت في الإغاثة.
فالقارة الجنوبية أصبحت رقمًا عصيًا أمام المخططات الغربية، مع انعطاف بلدانها صوب اليسار منذ عام 2003م الماضي، ورفض العديد من القرارات الأمريكية منها الحرب على أفغانستان والعراق، حتى إن هوجو شافيز رئيس فنزويلا بادر بزيارة العراق أثناء الحصار لتقديم الدعم المالي والمعنوي لأهله، في خطوة لم يجرؤ عليها زعم عربي أو مسلم.
ولم يصبح الفناء الخلفي لأمريكا آمنًا؛ بل أصبح أحد أهم عوامل القلق بعد الرفض الذي بلغ الهجوم على السياسة الأمريكية في أغلب دول القارة، وما تبعه من طرد مهين للقاعدة العسكرية الأمريكية بالإكوادور، كما قطعت فنزويلا وبوليفيا العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن، وطردت سفراء الكيان الصهيوني والولايات المتحدة بعد حرب الصهاينة البربرية ضد غزة قبل عام.
وتواصل كوبا عداءها للولايات المتحدة وتصر البرازيل على موقفها المتحدي للبيت الأبيض، وإقرارها مبدأ المعاملة بالمثل مع الأمريكان الذين يخضعون في مطارات وموانئ البرازيل وحدها لتفتيش أمني معقد؛ ردًّا على التفتيش الأمريكي المعقد لزوارها من مختلف دول العالم.
وبسبب قوة السياسة اللاتينية؛ تتوالى مؤخرًا الرحلات الأمريكية إلى عواصمها لإقناع قادتها بالتخلي عن إيران حال تم فرض عقوبات اقتصادية عليه، وكان الفشل الذي نالته جولة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في برازيليا مثالاً للعقبة اللاتينية، مع رفض الرئيس البرازيلي لولا دي سيلفا التخلي عن طهران أو صديقه أحمدي نجاد الذي كانت أول رحلاته الخارجية إلى البرازيل وأمريكا الجنوبية بعد تجديد انتخابه رئيسًا لإيران.
وصاحب الصعود السياسي للقارة انتعاش اقتصادي، وضع "دول الموز" بين الدول الكبرى الصناعية، وانتقلت من صناعات البن والعصير إلى عصر اكتشاف النفط وتصنيع الأجهزة الكهربائية والسيارات وحتى الطائرات المدنية، وتم تأسيس "ميركوسور" السوق المشتركة في أمريكا الجنوبية وهو ثالث أكبر تكتل تجاري في العالم، وتبلغ قيمة السلع والخدمات المدارة فيه نحو 2 تريليون دولار.
غياب الإستراتيجية
ولأهمية القارة الجيوسياسية والاقتصادية، بدا الغياب العربي عن صور الإغاثة لافتًا، لا سيما أن ثمة مراجع تاريخية عديدة تعتبر المسلمين أول من اكتشف القارتين الأمريكيتين، أو ما عُرف وقتها بالعالم الجديد، ولا زالت آثار الجيش المصري حاضرة في المكسيك منذ أواسط القرن التاسع عشر إبان نجدتهم نابليون الثالث إمبراطور فرنسا في ذلك الوقت.
كما سجلت العلاقات السياسية والاقتصادية تقدمًا ملحوظًا بين العرب واللاتينيين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، مثّله تأسيس منظمة عدم الانحياز ومجموعة دول الـ77 الاقتصادية.
إلا أن غياب الوطن العربي عن هذه القارة الصديقة يؤكد افتقاد العرب إستراتيجية تكوين نفوذ حقيقي في العالم المحيط، وخلق قوة لاتحادهم السياسي- المتمثل نظريًّا في جامعة الدول العربية- لفرض إرادته على الآخرين، أو على الأقل منع فرض الآخرين إرادتهم عليه.
ويقتصر نفوذ الأنظمة العربية الحالية في القدرة على حيازة الرضا الأمريكي، ومباركة واشنطن استبدادهم بشعوبهم، أو على الأقل عدم سعيها إلى التغيير؛ وذلك مقابل تأمين ما يحتاجه السيد الأمريكي من إمدادات الطاقة، وإبقاء المنطقة سوق مفتوحة أمام منتجاته وأهمها السلاح، مع القضاء على أي حركات خاصة الإسلامية منها والتي يخشى الغرب تجديدها الحضارة الإسلامية والعربية.
ومع اهتمامهم فقط بالنفوذ الداخلي؛ يتبنى القادة العرب سياسة الاعتماد على حليف وحيد هو البيت الأبيض، التي يضعون تحت أقدامه جميع أوراق اللعبة وكل ثروات بلادهم، مقابل دعمه لتخليد عروشهم والتستر على فسادهم.
ومن ثمًّ باتت واشنطن هي الفاعل الأول في العالم العربي منذ عام 1945م، واللاعب الوحيد بعد حرب أكتوبر 1973م، وقد استطاعت الولايات المتحدة أن تجعل من الدول العربية والإسلامية أداة لخدمة مصالحها، وظهرت السيادة الأمريكية في المنطقة في احتكار استخراج النفط والوجود العسكري في المنطقة.
وبرهن الغياب العربي على رفضه مد جسور للتواصل مع عواصم لها قوتها في القرار السياسي الدولي والمناخ الاقتصادي العالمي لتثبيت الركوع لواشنطن؛ لذا لم تتفاعل الحكومات العربية مع زيارات رئيس البرازيل المستمرة للمنطقة العربية، وتأييد هوجو شافيز المفتوح لقضاياها، غير تحويلهم القمم العربية اللاتينية إلى ساحة تصريحات جوفاء، مع تعمد القادة العرب الغياب عن فعالياتها وإرسال مندوبيهم سواء في قمة 2005م أو نسخة 2009م في مارس الماضي.
فيما نجحت دولة الكيان الصهيوني في بناء علاقات متينة مع من يقبلها من دول القارة، ووقعت قبل عامين اتفاقية تجارة حرة مع سوق ميركوسور، تعد الأولى مع بلد من خارج أمريكا اللاتينية، بينما تتوالى تصريحات مجلس دول التعاون الخليجي منذ عام 2005م عن بناء سوق تجارة حرة مع أمريكا الجنوبية، بدون فعل حقيقي حتى الآن.
عجز لا نهائي
الرضا العربي بالسياسة الأمريكية بدا في رفض إدارته توظيف الجاليات العربية في الأمريكيتين للتأثير على القرار الدولي، لا سيما في أمريكا اللاتينية التي يعيش بها نحو 20 مليون من أصل عربي، فيما يرى العالم كله تأثير اللوبي الصهيوني على القرار الأمريكي وتواصله الدائم مع تل أبيب.
ليس الصهاينة فقط، ولكن المنفيين الكوبيين في ولاية فلوريدا يفرضون منذ 50 عامًا "فيتو" على أية محاولة انفتاح في العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وهافانا، وعند إعادة الرئيس كلينتون صبي كوبي إلى بلاده بغير رضا الجالية الكوبية، صوتوا بانتخابات رئاسية سابقة بنسبة 100% ضد نائبه آل جور، وكان اكتساح جورج بوش لفلوريدا سببًا لاعتلائه كرسي الرئاسة.
كما أن الأمريكيين السود أثروا في السياسة الأمريكية بإفريقيا، وهم من أجبروا إدارة كلينتون على غزو هايتي، قبل أن ينجحوا قبل عام في نجاح الرئيس أوباما وهزيمة منافسه الجمهوري.
تشاؤم
الدراسات المستقبلية تبدو متشائمة نحو مستقبل الوطن العربي في تشكيل قيادة العالم الجديد، بعد مصرع النفوذ العربي في العالم، وتسليم المنطقة العربية والشرق الأوسط للإدارات الغربية التي تتولى أهم ملفات المنطقة، مثل قضية فلسطين التي يدير ملفها المجموعة الرباعية، والتي تتألف من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وروسيا.
أما الملف الإيراني فتتولاه مجموعة الدول (5+ 1)، وهي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي: الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين زائد ألمانيا، والمثال ينطبق بالنسبة لأزمة دارفور واستفتاء السودان وحرب الصومال ومقادير العراق وأفغانستان وغيرها.
"سأسميه إسرائيل".. هكذا أعربت الأم عن امتنانها للصهاينة بعد أن وضعت مولودها بالمستشفى الصهيوني الميداني بعاصمة هايتي، كما ثابر فريق الإغاثة الصهيوني حتى انتشل "جليس" (58 عامًا) من بين الأنقاض بعد عمل مضن استمر سبع ساعات كاملة، ليستحقوا تصفيق الأهالي وهتافهم "نحب إسرائيل".
الدعاية السابقة حفل بها العديد من وسائل الإعلام العبرية والعالمية، وصاحبها اتهامات وصفت العرب والمسلمين بالبخلاء؛ لأنهم ضنوا بفتات من مليارات النفط لإغاثة الحالات الإنسانية في تشيلي وهايتي، لكي يظل في ذاكرة شعوب العالم أن العرب مجرد أمة تجارة العبيد سابقًا، والمسئولة حاليًّا عن إهلاك الاقتصاد الدولي بفواتير النفط المتزايدة التي يذهب معظم ريعها لصالح حكامهم.
حظر مآذن سويسرا وتأييد أوروبي للقرار، والقتل الجماعي لمسلمي نيجيريا وصور العنصرية ضد المسلمين في الصين وبورما وهولندا والولايات المتحدة.. صور هي الأقرب لحرب نراها عالمية ضد المسلمين، متناسين مساهمة سلبيتنا وغيابنا في تأجيجها، فهل لا زلنا نتساءل عن أسباب تنامي العنصرية ضد المسلمين وتنامي قبول الصهاينة المجتمع الدولي؟!.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق