الشيخ ريسيفر.. نلتقي بعد الفاصل!


6-8-2006


تحقيق: عصام فؤاد

يوماً ما، قد يخرج علينا أحد المشايخ "بافتكاسة" جديدة تبيح الصلاة جماعةً خلف الإمام عبر موجات الفضائيات، وهي الفتوى التي لابد سيتلقفها زقزوق الأوقاف ليوحد الصلاة في المساجد والجوامع خلف إمام واحد من مقر الداخلية بلاظوغلي، بشرط أن يكون الشيخ الجديد (الريسيفر) متقدم على المصلين وفي اتجاه القبلة مباشرة.

الإمامة القادمة للريسيفر ليست على سبيل المزاح أو شططاً في الخيال ولكنها قد تكون النعي الرسمي من وزارة الأوقاف للمسجد المصري بعدما أدخلته سياستها الأمنية في غيبوبة طويلة قضت على معظم وظائفه الحيوية، والنعي هذه المرة لن تقرأه في صفحات الجرائد الحكومية التي اعتادت قتل رموزك ونعي احلامك، ولكنك ستجده مسموعا ومرئيا عبر الأقمار الصناعية، وتحديداً على إرسال تلك الفضائيات الصديقة وفي ثنايا برامجها المتنوعة التي دقت دون قصد المسمار الأخير في نعش المسجد بما تكسبه كل يوم من أرض وتجذبه من جمهور.

منذ دخلت الفضائيات الإسلامية ساحات الإعلام في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، وهي تشق طريقها بكثير من المهنية والتميز والفن، وتحولت بمرور الوقت من مصدر بديل للمعرفة الإسلامية، إلى المنبع الرئيسي والأقرب للجمهور المتعطش للدين بعيداً عن المنابر الرسمية المتبلدة.

وارتفعت نسبة مشاهدة القنوات الإسلامية بفضل تطوير خطابها وإخراجه من إطار الموعظة والدروس المباشرة لتقدم قوالب فنية متطورة استخدمت العديد من وسائل الإبهار السمعي والبصري لجذب الجمهور، وهو الأمر الذي دعم نجاح الفضائيات الإسلامية حتى تقدم ترتيب بعضها – مثل قنوات أقرأ ومجموعة المجد – لتنافس على  المراكز الأولى بين الفضائيات العربية، كما أصبح نجوم هذه القنوات من الدعاة أمثال عمرو خالد وحبيب علي الجفري شخصيات عامة ومؤثرة في المجتمعات العربية بمختلف شرائحها.

وبرغم المجال واسع النطاق للفضائيات؛ إلا أن مطاردة الأمن المصري للدعاة في المساجد بدت غريبة ولافتة للنظر، ففي البداية منع الأمن عمرو خالد من إلقاء الدروس بمساجد الدقي ومصر الجديدة ونفاه إلى مسجد الحصري بصحراء أكتوبر قبل أن يمنعه من خطابة المساجد نهائياً بدون أسباب ولو ملفقة.

الإشارة ذاتها ستجدها في طرد الجفري من مساجد القاهرة، وفي منع الشيخ محمد حسان والشيخ محمد حسين يعقوب من خطب مسجد العزيز بالله في حي الزيتون، ومفادها أن ساحات المساجد باتت محظورة نهائيا على كثير من العلماء والدعاة، في حين اتسع باب الفضائيات لكل من يريد دخوله دون حظر أو منع.

المؤامرة على المسجد قديمة ومعطياتها معلومة لكن العنصر الجديد فيها هو تلك الفضائيات الإسلامية التي غذتها – بحسن نية – بما يكفي لإنجازها تماماً، هذه الرؤية القاتمة مستوحاة من التفاف الجماهير بشدة حول برامج الإسلامية في الفضائيات والتي تخلت عن ثوبها القديم لتقدم – مشكورة – الإسلام في شكله الطبيعي الذي يشمل العلوم شرعية والإجتماعية والعلمية والعملية، وصارت في ضمير كثير من الجمهور البديل الطبيعي لدور المسجد الذي اقتصر على الصلاة، في حين تقدم القنوات الإسلامية كل ما يحتاجه المسلم – كما تقول جهاد إبراهيم (21 سنة) – من علوم الدين وتربية الأطفال وبرامج المرأة والطفل وحتى الأناشيد وبرامج تفسير الأحلام، بل والأعمال الدرامية والفنية.

محمد رشاد ( بكالريوس هندسة) يؤكد أن أئمة المساجد المعينين من قبل الأوقاف هم سبب نفور الناس عن المسجد بافتقادهم للثقافة الدينية اللازمة، مما جعل الفضائيات هي البديل الأمثل والأقرب مع شبكة الإنترنت، في حين يوضح عبد الله (20 سنة) أنه متعلق للغاية بقناة الناس الإسلامية التي تستضيف المشايخ والدعاة الذين يحبهم، في حين اختفى ارتباطه بالمسجد "الله يرحمه" واكتفى منه بدوره في إقامة الصلاة.

أما تسنيم بهاء (22 سنة) فترى أن الفضائيات أصحبت تقدم برامج على مستوى عال من الكفاءة، مما جذب رواد المساجد إليها خاصة مع التضييق الأمني ومن ثم الأسري عليها، وهو الرأي الذي تؤيده إحدى الإحصاءات الحديثة التي تؤكد أن أن 91.9% من الشباب المصري ينتابهم شعور ما بالخوف من الجهات الأمنية.

الانتشار الواسع للفضائيات الإسلامية في العالم العربي يرجعه مسعد الحوفي – الإعلامي بقناة الرسالة الفضائية الإسلامية – إلى الصحوة الكبيرة في نفوس المسلمين منذ فترات بعيدة، خاصة مع انتشار الفضائيات العميلة المدعومة أمريكيا لتغيير هوية المسلم وثقافته، مما جعل الناس تلتف كرد فعل طبيعي حول الفضائيات الإسلامية التي عوضت دور المؤسسة الرسمية المتواضع ببرامج دينية عامة ومتخصصة استطاعت أن تخاطب عاطفة الجماهير وتسد حاجتها للمعرفة اللازمة للتعبير عن رؤيتها الإسلامية.

ويرى الحوفي أن ظهور الفضائيات الإسلامية هي تطور طبيعي لوسائل الدعوة الإسلامية التي استفادت من مجال الفضائيات كما استفادت من قبل من الإنترنت والإذاعة والتلفاز في الوقت الذي لم تلغي الوسائل القديمة مثل الكتاب وحلقات المساجد، مشيراً إلى القنوات الإسلامية ليست سوى نتاج للرغبة الشعبية ولسد الفجوة الهائلة التي صنعها الإعلام الرسمي بإصرار مشايخه على تقديم مواد بعيدة تماماً عن حاجة الناس وواقعهم.

ويطالب الحوفي بالصبر على تجربة الفضائيات التي لم تنضج بعد وإن كانت تنطلق حتى الآن في مسار إيجابي يبشر بوصولها للصورة المطلوبة والشاملة للإسلام في العصرالحديث.

وفي الحكم المطلق، يرى د. أحمد المجدوب – الخبير السابق بمعهد البحوث الاجتماعية والجنائية – أن الفضائيات الإسلامية ظاهرة جيدة تستحق التشجيع، وأن أشار إلى خطورة ارتباط الجماهير بالفضائيات بشكل كبير يضعف علاقة المسلم بالمسجد الذي يعتبر حصن الإسلام والمسلمين بما يوجده من علاقات شخصية مباشرة وحميمة بين المصلين والعلماء وبين بعضهم البعض، وهي النواحي التي تفتقدها الفضائيات الإسلامية التي لا ذنب لها في سعيها المطلوب للتجديد في الوقت الذي يصر مسئولو الداخلية على إضعاف المسجد وبذل قصارى جهدهم لصرف المصري عنه حتى لا يفكر في الذهاب إليه إلا للصلاة فقط.

كما حذر المجدوب من أن تصب الفضائيات في صالح إرهاصات ميكنة المساجد في مصر، والتي بدأت بمشروع زقزوق لتوحيد الآذان في جوامع القاهرة، والذي يحمل بعداً نفسيا عميقاً لما سيصنعه من علاقة آلية بين المسجد والمصلي الذي سيتحرك بصورة آلية نحو مسجده بعد أن افتقد الدفء الذي يدخله صوت المؤذن الطبيعي إلى جوانحه، وقال إن المؤامرة مستمرة لإضعاف العلاقة المباشرة بين المصلين والمسجد الذي فقد دوره الرئيسي كمدرسة وجامعة ومحكمة ودار الشورى واكتفى بدوره الفرعي في إقامة الصلوات المفروضة.

وعلى النقيض، يؤكد د. منيع عبد الحليم – العميد السابق لكلية أصول الدين بالأزهر الشريف – أن دور المسجد لم يتأثر بالفضائيات الإسلامية، وقال إن المسجد لازال هو طاقة النور المشعة في وسطه المحيط، مشيداً برجال ومشايخ الأزهر الشريف الذين على درجة عالية من العلم والكفاءة التي تؤهلهم لتبليغ الناس كل ما يتعلق بأمور دينهم.

وأشار عبد الحليم إلى أن تحديد الأوقات في المساجد وإغلاقها عقب الصلوات أوجد مساحات فراغ كبيرة احتاجت لتدخل الوسائل الحديثة من إنترنت وفضائيات لشغلها، وطالب بزيادة أعداد القنوات الإسلامية التي استطاعت جذب أعداد متزايدة من الجمهور، موضحاً أن دعاة الأزهر الشريف بإمكانهم تولي زمام مثل هذه القنوات بما ورثوه من من العلم النبوي ولإنهم خلفاء أفضل الدعاة الرسول صلى الله عليه وسلم.

في حين أكد د. عبد المنعم البري – الأستاذ بجامعة الأزهر – أن المسجد يمر بأزمة شديدة جراء سياسات الهدم وتجفيف المنابع التي تمارسها السلطات المصرية منذ حوالي ربع قرن، وقال البري إن المؤامرة على المساجد عامة والأزهر بشكل أخص مستمرة منذ عهد طويل وإن اشتدت ضرباتها في عهد النظام الحالي.

وتابع البري إن ابتعاد الجمهور عن المسجد وزر يتحمله القائمين عليها ولا تتحمله الفضائيات الإسلامية التي قامت بدورها في تثقيف الناس على أكمل وجه وكانت ملاذهم لمعرفة العلوم الشرعية، وأضاف: والدليل على ذلك شيوع المصطلحات الإسلامية مع انتشار الفضائيات حتى ذاعت كلمات مثل العقيقة وتعددت حالات العقد في المساجد وتلك من الأمور التي عاشت أجيال وماتت دون أن تسمع عنها.

تجربة الفضائيات الإسلامية مازالت تحبو ولم تنضج بعد، وبرغم ما تقدمه من مبشرات إيجابية لخدمة الإسلام والمسلمين، سيظل هاجس تأثيرها على المسجد هو المؤرق لها في الفترات القادمة، خاصة مع تلك العبارة التي قد تراها قريباً على جدران مساجدك المحيطة "تعددت الأسباب والموت واحد".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق