من يحكم مصر الآن؟!


24-7-2006
تحقيق- عصام فؤاد
الكلام الذي صدر بآخرة عن الدكتور أسامة الباز لم يُضِفْ جديدًا مع تأكيده افتقاد النظام المصري لرؤية واضحة لكيفية الإصلاح السياسي والاقتصادي، إلا أن إشارةَ الحوار- الذي نشرته جريدة (الفجر) الأسبوعية أوائل شهر يوليو الجاري- إلى عزوف المستشار السياسي لرئيس الجمهورية عن الذهاب إلى مكتبه بقصر العروبة قد يكون لها الفضلُ في استدعاء سؤال مهم وإخراجه من نطاق الشائعات؛ ليستفهم بكل جدية عمن يحكم مصر حقيقةً ويتحكَّم في حاضرها ومستقبلها؟!
ليس تقليلاً من شأن الباز، صاحب الخبرات الواسعة والعريضة في المجال السياسي والدبلوماسي، ولكن ما يهمنا الآن في تصريحاته ليس سرَّ غيابه عن مكتبه أو عن ماهية المستشار الأقرب للرئيس، ولكن حول مكانة المكتب نفسه، ومدى احتفاظه بأهميته السابقة كأحد مراكز صُنع القرار بالقصر الجمهوري المتنفذ في أحوال مصر الداخلية والخارجية؟ أم أن المكتب فقد فعليًّا كثيرًا من قيمته لحساب مكاتب أخرى تمتلكها لجنة السياسات بالحزب الوطني أو أمام المكتب الرئيسي بمقرِّ رئاسة الوزراء بوسط القاهرة.
الملف الباحث عن حقيقة الحاكم الفعلي لمصر يستند إلى وقائع كثيرة، ويضم العديدَ من الإشارات خلال الفترات الماضية، بدءًا من الشائعات التي صاحَبَت فترةَ علاج الرئيس في ألمانيا قبل عامين، والقضية المرفوعة أمام مجلس الدولة لإثبات وفاة الرئيس هناك، وحتى الدور البارز لجمال مبارك، نجل الرئيس في الحزب الحاكم ومطبخ صنع السياسات، ومرورًا بالتصريحات القوية والحوارات الصاخبة للدكتور أحمد نظيف، والتي اعتبرها المحلِّلون محاولاتٍ لتلميع رئيس الوزراء أمام الأنظمة والحكومات الغربية.
بل إن تلك الاستغاثة التي نشرتْها كبرى الجرائد القومية في مصر- قبل أسبوعين- على صفحتها الأولى وكانت تناشد كبارَ المسئولين في مصر بإعادة حقوق إحدى النقابات المهنية، ربما تسجل الواقعة الأولى من نوعها التي يستغيث فيها أمينُ نقابة برئيس الوزراء ووزير الداخلية بل وأمين لجنة السياسات (جمال مبارك) ورئيس جهاز مباحث أمن الدولة، دون أن يطلب من الرئيس التدخل بكلمة لحل مشكلته ولإغاثة نقابته وإرجاع حقوقها المهدَرَة؛ مما يوحي إجمالاً بأن نظام الحكم في مصر يمرُّ بمرحلة تغيير، فلم يعُد القصر الرئاسي هو صاحب القرار والمتنفذ الوحيد في مصائر البلاد والعباد، ولكنْ ثمةَ قصورٌ أخرى ومكاتب فخمة نالت بعض السلطات الكبيرة خاصةً في الشئون الداخلية لمصر.



لسنا بالطبع ممن يسوؤهم حسنات الديمقراطية التي توزِّع الأدوار على المؤسسات المختلفة؛ لأنه من المعلوم في سياستنا بالضرورة أن مسيرةَ الديمقراطية المزعومة هي خطواتٌ جديدةٌ للخلف نحو الديكتاتورية والاستبداد لا الإصلاح، ولو أن مصر أصبحت حقيقةً دولةَ مؤسساتٍ يناط بكل منها وظيفةٌ محددةٌ لما تكلَّفْنا عناء البحث عمَّن بيده مقاليد الأمور في بلادنا الآن.
ويرى الكاتب الكبير فهمي هويدي أن الأمر يتعلق بأسامة الباز الذي أصبح خارج دائرة صُنع القرار في مصر منذ فترة طويلة، وأن دورَه الحالي لا يتعدى مسئولية العلاقات العامة والقيام بعمليات التجميل للنظام الحالي، وإن كان ذلك لا يعفي الباز- والكلام لهويدي- مِن وزْر تغييب الحقائق في مصر لفترات طويلة، وأنه شريكٌ رئيسٌ في الصورة الحالية التي وصلت إليها الأحوال السياسية والاقتصادية في البلاد.
ويضيف هويدي: إن الباز وأقرانه قد ابتعدوا تمامًا عن ساحة صنع القرار، وأفسَحوا المجالَ لجيلٍ جديدٍ من الصف الثاني، أمثال محمد كمال، وأحمد عز، وغيرهما ممن ستكون مهمتهم في الفترة القادمة هو إخراج عملية التوريث التي كانت تحتاج لجيل جديد يُخرجها بالصورة المطلوبة.
في حين يؤكد الكاتب الصحفي عبد الحليم قنديل أن الإدارة الفعلية قد انتقلت من الباطن لنجل الرئيس جمال مبارك، ليتفرَّغ الأب للشئون الاجتماعية واللقاءات الإعلامية والاطمئنان على صحة المرضَى والتدخل لنقل الطالبة آلاء من الصف الأول إلى الصف الثاني الثانوي، على أن يمارِس جمال كلَّ سلطات الرئيس الداخلية ويتابع كيفيةَ سيناريو التوريث الذي تمَّ لأجله تهيئة كافة الأسباب القانونية والدستورية، في ظل ظروف وأوضاع قلقة توحي بالانفجار في أي لحظة.
ويكمل قنديل قائلاً: كذلك هناك بعض السلطات في يد المخابرات العامة لتقوم بدورها في الوساطة بين القاهرة وواشنطن في إطار ملف التوريث، أما فيما يخص رئيس الوزراء المصري فيرى أن نظيف لا يتطلَّع لأكثر من وظيفته الحالية في نظام مبارك، وأن الفرقعات الإعلامية التي أحدثَها الرجل كانت نتيجةَ افتقاده للرأي الراجح وللحنكة السياسية، رغم مكانته كرئيس وزراء لمصر.
ويؤكد حسين عبد الرازق- الأمين العام لحزب التجمع- أن النظامَ في مصر يجعل الرئيس هو صاحب القرار الوحيد في جميع القطاعات السياسية والتنفيذية أو حتى التشريعية والقضائية.
ويضيف: إن الرئيس مبارك هو القائد الأعلى للقوات المسلَّحة، وهو رئيس المجلس الأعلى للقضاء، وكذلك رئيس الحزب الوطني الحاكم (صاحب الأغلبية في البرلمان)؛ لذا فهو الحاكم الأوحد للبلاد، لكنه يُصدِر حكمَه على ضوء تقارير الأجهزة الأمنية والمخابرات ومباحث أمن الدولة التي تقتصر مهمتها على كتابة التقارير الأمنية ورفعها إلى الصانع الوحيد للقرار في مصر.
ويتابع حسين عبد الرازق: إن الأحداث التي تمرُّ بالبلاد تؤكد الطبيعة الفردية والاستبدادية للنظام الحالي، الذي تدل كافةُ تصرفاتِه على رفضِه الكامل والمطلَق لعملية الإصلاح، ورغبته الملحَّة في التخلُّص من تلك الدعوة التي تورّط النظام وأطلقها من قبل بزعم التحرك نحو الإصلاح السياسي، في حين أن كافةَ التحركات الحالية لا تصبُّ إلا في خانة التوريث برغم كل ما تواجهه هذه الفكرة من رفضٍ وغليانٍ شعبيٍّ.
جورج إسحاق- منسق حركة (كفاية)- عبَّر عن حيرته بقوله: لست أدري مَن يحكم مصر الآن؟! مضيفًا: من الواضح أمامي أن هناك مراكزَ وقُوَى جديدةً ظهرت في دائرة صنع القرار، إلا أن سِمَةَ التخبُّط والعشوائية الملازمة للقرار السياسي المصري تمنع التكهُّن بالحاكم الفعلي للبلاد، في ظل حالةٍ من الفوضى تجعل الفرد يظنُّ أن الأمور تسير في مصر تلقائيًّا بدون تحكم أو تقدير.
وأشار إسحاق إلى أن الشيء الوحيد الواضح في هذه الرؤية المعتمة أن كل هذه السياسات التي لا نعرف من يقررها تعمل لأجل هدفٍ وحيدٍ هو تمرير ملف التوريث، ويضيف: فما شهدناه من تمديدٍ للطوارئ وتأجيلٍ للمحليات وتمريرٍ لقانون السلطة القضائية الحكومي وما سبق ذلك من التعديل المزري للمادة 76 من الدستور.. يؤكد التوجُّهَ القويَّ نحو التوريث، والإجراءات الحالية التي يتخذها القائمون على السلطة في مصر تزيد من حالة الاحتقان الشعبي ولا تخدم بحال دعاوَى الإصلاح ولكنها فقط تخدم منهج توريث الحكم في مصر.

ومن جانبه يعتقد النائب سعد عبود- عضو مجلس الشعب عن حزب (الكرامة) تحت التأسيس- أن سلطات الحكم أصبحت موزَّعةً الآن بين أكثر من جهة تؤدي كلٌّ منها وظيفةً معينةً، ويقول عبود: إن المتابع للوضع الحالي يتأكد من أن الأدوار يتم توزيعها وتنسيقها بين الرئيس مبارك ونجله أمين لجنة السياسات بحزبه الحاكم، فالرئيس ما زال يقبض على ملفِّ الشئون الخارجية وملف القوات المسلَّحة لدرايته الكبيرة بهما، في حين تم تكليف جمال بمتابعة الشأن الداخلي واتخاذ القرارات اللازمة في أي وقت.
كما لا يُولي عبود أيةَ أهميةٍ للصف الثاني خلف الرئيس ونجله، فهو يؤكد أن جميع المستشارين والوزراء في مصر لا يتعدوا كونهم موظفين عند الرئيس، لا ينفِّذون سوى المطلوب منهم، ولا يأتمرون سوى بأمرِ مبارك ونجله.
ويضيف النائب: إن جمال مبارك أصبح هو الآمر الناهي في شئوننا الداخلية، رغم عدم وجود أية مسوِّغات قانونية أو دستورية تُعطيه مثلَ هذه الصلاحيات التي يؤكد الواقعُ العمليُّ تصرفَه فيها، ويكمل: لذا فهو أصبح مسئولاً بدون مساءلة ولا يستطيع نوابُ الشعب محاسبتَه أو الردَّ عليه ومراقبتَه.
ومن ناحية أخرى يؤكد النائب الوفدي الصحفي مصطفى شردي أن مركز صنع القرار في بلادنا لا يَخرج عن دائرة قصر العروبة في مصر الجديدة، ويقول إن نظام الحكم- منذ اندلاع ثورة يوليو عام 1952- يجعل مقاليد الأمور بيد ساكن القصر الرئاسي، وكل ما عدا ذلك فهم منفِّذون لقراراتِه وبناءً على تعليماته.
ويرى شردي أن توزيع الأدوار بين المؤسسات أو الجهات المختلفة هو مِن علامات الديمقراطية التي نحن في الطريق إليها حاليًا رغم كلِّ المعوِّقات والظروف، ويتابع قائلاً: المسألة الآن أصبحت مسألةَ وقتٍ لا أكثر، ولكننا بكلِّ تأكيد في طريقنا نحو تطبيق الديمقراطية، وإن التغييرات التي تحدث مؤخرًا ستتبعها تغييراتٌ أخرى وخطواتٌ جديدةٌ رغمًا عن أنف المعارضين، حتى يتم إحلال الديمقراطية والإصلاح بكل معانيهما محلَّ ما نراه من ديكتاتورية وفساد.
القراءات السياسية للمشهد المصري قد تختلف بين المحللين والمفكِّرين حول مَن بيده مصير حاضرنا ومستقبلنا، إلا أنَّ ثمة اتفاقًا بين جميع الرؤى الصادقة يحذِّر من مخططات ومناهج التوريث التي يتم تكريسُها بصورة سافرة دون أية اعتبارات لما قد يصحبها من فوضى أو غليان، ويطلق ناقوس الخطر بأعلى صوته فهل يوقظ النائمين؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق