حكومة العراق الجديدة.. ولادة متعسرة

 

28-3-2010

 كتب- عصام فؤاد:

"السيطرة في بلاد ما بين الرافدين إما لك أو عليك"؛ قاعدة خطها الإغريق حين غزوا العراق قبل 23 قرنًا، ورغم ضبطها لقرون طويلة حاكمية العراق، إلا أن سيناريوهات ما بعد الانتخابات العراقية، يتحدث معظمها عن سيطرة متوازنة للاعبين أجانب، بعد أن همش الاحتلال دور اللاعب العراقي.

أعلنت مفوضية انتخابات العراق البرلمانية- الجمعة 26/3/2010- فوز قائمة "العراقية" التي يتزعمها رئيس الوزراء السابق إياد علاوي بالانتخابات التشريعية؛ وذلك بعد حصولها على 91 مقعدًا، وبفارق مقعدين فقط عن قائمة ائتلاف دولة القانون التي يقودها نوري المالكي رئيس الوزراء الحالي.

وحل الائتلاف الوطني العراقي ثالثًا بـ70 مقعدًا، ثم التحالف الكردستاني بـ43 مقعدًا، وحصلت قائمة التغيير (كوران) على 8 مقاعد، والتوافق 6 مقاعد، ووحدة العراق 4 مقاعد، والاتحاد الإسلامي الكردستاني 4، والجماعة الإسلامية الكردستانية 2، فيما حازت قائمة مسيحيي الرافدين ثلاثة من مقاعد الأقليات الثمانية، مقابل مقعدين لقائمة آشوري، ومقعد واحد لكل من الحركة الإيزيدية والشبك والصابئة.

غير نهائية

وفيما احتفل أنصار علاوي بالفوز غير المتوقع، أعلن المالكي رفض النتائج التي أعلنتها مفوضية الانتخابات، واعتبرها غير نهائية، مشددًا على ضرورة مراجعة الأصوات يدويًّا قبل الإعلان عن أعضاء البرلمان، الذين فاز بعضهم في الانتخابات بينما يقبعون في المعتقلات.

 وكان المالكي قد تقدم في الأيام الأخيرة لعملية الفرز بشكاوى عدة ضد عمل مفوضية الانتخابات متهمًا بعض العاملين فيها بالتزوير لصالح قائمة علاوي، وأكد أن لديه أدلة مادية على وقوع خروقات تمت على مستوى واسع أثناء فرز بعض المحافظات التي سجلت تفوقًا لقائمة العراقية.

 انتهاكات

 شكاوى أخرى من التزوير كان علاوي قد سبق بتقديمها، وأعلن أن أنصاره وجدوا صناديق كاملة يتم إعدامها بالقمامة قبل فرزها، وتحوي آلاف الأصوات المؤيدة لقائمته، بالإضافة لعدم تمكن ما يزيد عن 200 ألف جندي من الإدلاء بأصواتهم بسبب عدم وجود أسمائهم ضمن قوائم الناخبين.

 وطعنت جبهة التوافق العراقي في صحة الانتخابات، مؤكدةً أن نتائجها لم تعكس شعبيتها الواسعة في العديد من المناطق، وأكد ائتلاف وحدة العراق، واتحاد الشعب، وحزب الأمة العراقية، وتجمع أحرار وقوع عمليات تزوير كبيرة، تدفعهم لرفض نتائج الانتخابات جملةً وموضوعًا.

 ولم تقف اتهامات التزوير عند حدود العراق؛ بل امتدت للمشاركين في عمليات التصويت بمراكز الاقتراع التي تم نشرها في 16 دولة، حيث تم استبعاد استمارات آلاف المصوتين بطرق غير قانونية تحت ذريعة التدقيق وعدم الاعتراف بوثائق، وهويات الآلاف التي تثبت انتماءهم إلى العراق.

 كما تم توزيع مراكز الاقتراع بعشوائية شديدة وفق هوى المفوضية، لتعاني بعض البلدان التي تضم جاليةً عراقيةً كبيرةً من قلة المراكز، فيما اتُخمت أخرى بكثرتها رغم قلة أعداد العراقيين بها، واشتكى المراقبون من قيام المفوضية بفرز الأصوات مبكرًا دون دعوة معظمهم، غير عمليات شراء الأصوات التي تمت على نطاق واسع أمام مراكز الاقتراع.

 واعتبرت فصائل المقاومة العراقية أن الانتخابات الأخيرة أكذوبة كبيرة، لخدمة مخططات الاحتلال الأمريكي في تكريس الأوضاع الحالية، وإعطاء انطباع كاذب بنجاح (الديمقراطية المزعومة) للتغطية على نهب، وشفط البترول العراقي، وتأمين الخروج الآمن من العراق بعيدًا عن الهزيمة المعلنة.

 كما رفعت تقارير المراقبين انتهاكات أخرى لوجستية، أهمها إجراء الانتخابات على مبدأ المحاصصة الطائفية والعرقية التي كرسها الاحتلال بكافة مفاصل الدولة، وإظهار إجراءات ديمقراطية مع غياب واضح لبعض عناصر، وقيم الديمقراطية ذاتها.

 وهو ما جعل لبعض الأطراف المتنافسة ميزات هائلة من خلال اختراقها مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء، وحتى هيئة المساءلة، والعدالة التي شطبت قبيل التصويت 15 كيانًا تضم نحو 500 مرشح في مقدمتها "الجبهة العراقية للحوار الوطني"، التي يرأسها القيادي السُني صالح المطلك.

وهذا غير تدخلات قوى الاحتلال، والجوار الإقليمي؛ حيث صرَّح وزير الخارجية هوشيار زيباري أن دول الجوار الست، وهي إيران والسعودية، وسوريا وتركيا، والأردن، والكويت تتدخل بشكل متفاوت للتأثير في نتائج التصويت، مؤكدًا أن الانتخابات إقليمية أيضًا، وليست عراقية وحسب.

الكتلة الأكبر

وبدافع حرصه على منصبه رئيسًا للوزراء، طلب المالكي تفسير المحكمة الاتحادية نص الدستور العراقي بتكليف الكتلة البرلمانية الأكبر عددًا بتشكيل الحكومة، وما إذا كانت الكتلة المشار إليها هي نفسها التي خاضت الانتخابات أم التي تشكلت بعدها؟.

وجاء رد المحكمة بأن المقصود الكتلة الأكبر عددًا سواء تشكلت قبل الانتخابات، أو بعدها، ما فتح حرب تحالفات سرية، وعلنية بين الفصائل الكبرى لتكوين الكتلة النيابية الأكبر التي من حقها تشكيل الحكومة، وهي التحالفات التي ستحكمها التغييرات السياسية نفسها التي طرأت على انتخابات برلمان 2010م.

وأهمها تراجع حدة الاصطفاف الطائفي، فبرغم أن القائمتين الأكبر: الائتلاف الوطني ودولة القانون قامتا على اتحاد شيعي واضح، إلا أن كافة القوائم أكدت قيام تحالفاتها على أساس وطني، وبدت البرجماتية السياسية أعلى صوتًا في ضم شخصيات سنية شهيرة لقوائم شيعية، أو تكوين الائتلاف من كافة التيارات، والفئات العراقية.

وبدا واضحًا أن الائتلافات المشاركة في العملية الانتخابية هشة جدًّا لضمها كتلاً، وكيانات تتباين وجهات نظرها بخصوص عدد من القضايا الداخلية، أو التعامل مع دول الجوار، أو الكتل السياسية الأخرى.

قواعد أخرى

إذا تجاوزنا رفض إياد علاوي تفسير المحكمة الاتحادية، والطعن عليه أمام المحكمة الدستورية، فإن علاوي سيجد نفسه ملزمًا بالحصول على 163 مقعدًا برلمانيًّا- من 325 مقعدًا- ليتمكن من تشكيل الحكومة خلال شهر وإلا يكون من حق الكتلة النيابية الأكبر تشكيلها.

وقد بدأت حرب التحالفات قبل إعلان النتيجة النهائية، وفتح زعماء القوائم الكبرى الطريق أمام التحالف مع أي فصيل آخر لتشكيل الحكومة، حتى لو كان أشد خصومة في الانتخابات، فلا مانع عند "العراقية" من التحالف مع "دولة القانون" والعكس، إلا أن تصريحات الفضائية تختلف كثيرًا عما يدور حاليا في الكواليس.

سيناريوهات

وإن كانت العملية السياسية في العراق بلا قواعد حقيقية أو نهائية، إلا أن السيناريوهات المفتوحة سيحكمها عدد من الضوابط التي يصعب تجاوزها، أو تخطيها.

فإن كان الاحتمال الأرجح تكوين اتحاد شيعي بين دولة القانون، والائتلاف الوطني بما يوفر 159 صوتًا، إلا أن التوحد المذهبي والاتفاق على عداوة السنة والرغبة في تهميشهم من الساحة السياسية، لم يكف سابقًا للتوحد تحت راية واحدة بالانتخابات، رغم الضغط الإيراني المكثف لتوحيد الشيعة تحت لواء واحد.

العقبة الأهم أمام هذا الاتحاد هو تمسك نوري المالكي بمنصبه كرئيس للوزراء، واشتراطه الاحتفاظ ببعض الحقائب الوزارية لقائمته، وهو ما لم يرض قيادات الائتلاف الوطني عمار الحكيم، وإبراهيم الجعفري، وأحمد الجلبي، ومقتدى الصدر.

فلم ينس الحكيم، والجلبي تجربة الائتلاف السابقة مع المالكي في الانتخابات 2005م، حين انقلب المالكي على رفقائه، وتفرغ لتصفيتهم لينفرد بالقرار السياسي، ولم يكتف بالاستبعاد بل قسم الائتلاف إلى فريقين بعد انشقاقه عنه، وتكوين دولة القانون.

أما الصدريون فبرغم إعلانهم الرغبة في التحالف مع قائمة المالكي بعد لقاء بين موفد الأخير إلى طهران حيث يقيم الزعيم الشاب مقتدى الصدر، إلا أنهم لن ينسوا أن المالكي هو من سعّر الحرب ضدهم، وكلف الجيش بشن حملات ضارية على قواتهم بمساعدة الاحتلال الأمريكي، ما أثخن جراحهم، وأجبر قائدهم على إعلان الهدنة مع جيش الاحتلال، وتسليم أسلحتهم.

المالكي ضحية

وإذا كانت طهران تبذل قصارى جهدها لتوحيد القائمتين الشيعيتين، ما يضمن استمرار نفوذها بامتدادها الجديد في العراق، فإن المالكي قد يكون ضحية هذا التحالف، فقد يتم تكليفه بحقيبة وزارية، أو بمنصب نائب للرئيس، مقابل ترك منصبه لآخرين مثل أحمد الجلبي، أو إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء الأسبق.

تخلي المالكي عن منصبه سيكون أيضًا شرط إياد علاوي حال التفاوض للاتحاد معه، وقد بادر الأخير بدعوة المالكي لتسليم السلطة سلميًّا، وهذا الاتحاد هو السيناريو الأبعد لأنه يفترض التقاء طرفي المسطرة، وائتلاف الفصيل المدعوم أمريكيًّا ومنافسه المدعوم إيرانيًّا.

كما أن علاوي يعرف أن سبب نجاحه الأهم هو أصوات السنة التي شاركت بصورة أكبر في انتخابات 2010م، ويضم تحالفه بعض الكتل السنية أبرزها ما يتزعمه نائب الرئيس طارق الهاشمي، وهو ما يضع مائة عقبة قبل مد الأيدي للتحالف مع المالكي عدو السنة الأول في بغداد والشرق، خلال السنوات الخمس الماضية.

ولتجنب هذه النهاية المأساوية للمالكي، فلن يكون أمامه سوى الاتحاد مع التحالف الكردستاني، ومن بعده كافة الكتل السياسية التي حققت مقاعد بالبرلمان، وهو الاحتمال الأصعب لاستحالة جمع أولئك الفرقاء، والخصوم تحت مظلة واحدة.

وعلى الجانب الآخر؛ سيكون أمام إياد علاوي فرصة الاتحاد مع الائتلاف الوطني وهو غرض صعب المنال، إلا بموافقة أمريكية- إيرانية على اقتسام النفوذ في العراق، وإن قبلت واشنطن بهذا الاقتراح في سبيل تأمين خروجها من العراق، إلا أن طهران لن تقبل سوى السيطرة الكاملة على بلاد الرافدين.

ورغم أن التحالف مع الأكراد أسهل البدائل أمام علاوي المدعوم أمريكيًّا، لارتباط التحالف الكردستاني بالأجندة الأمريكية، إلا أن طلب طارق الهاشمي بتنصيب رئيس عربي على العراق أثارت ضده الأكراد، الذي أعلنوا رفض الطلب متهمين الهاشمي بمحاولة تأجيج فتنة عرقية بالبلاد.

وإذا استخدم علاوي ثقله الأمريكي، والكراسي الستة التي حاز بها نصف مقاعد كركوك البرلمانية، فما زال هذا التحالف معقدًا لضعف مردوده إذ يوفر 134 مقعدًا فقط، ويتطلب حيازة باقي الكتل البرلمانية الصغيرة، ليتمكن من تشكيل الحكومة.

ويبقى احتمال آخر هو تفكك الائتلافات المشاركة نظرًا لسعة اختلاف وجهات نظرها نحو القضايا المختلفة، وقربها وبعدها من اللاعبين الأهم واشنطن وطهران، أو دول الجوار الإقليمي.

سيناريوهات العنف

الترجيحات السلمية السابقة أقربها الاتحاد الشيعي بعد تنازل المالكي عن الرئاسة، أو الحقائب الوزارية الأهم، إلا أن الصورة الحالية توحي باحتمال لجوء الأطراف المشاركة إلى العنف كوسيلة بديلة لاستلام الحكم في العراق.

هذا ما بدا من اجتماع نوري المالكي مع قيادات الشرطة، والجيش بعد إعلان النتائج النهائية، لتأكيد رفضها واستعداء العسكر ضدها لفائدته، لاسيما وأنه قام بتصفية أعدائه من الجيش والشرطة وترك أماكنها الحساسة بيد ثقاته فقط.

كذلك صرحت الكتائب الشيعية المسلحة بأنها تراقب باهتمام العملية السياسية، وتشكيل الحكومة، وأنها تتربص بأي محاولة تزييف من نظرها، وستواجهها بكل حسم "لمصلحة العراق والشعب العراقي".

أما علاوي فقد أكد رفضه رأي المحكمة الاتحادية ما يعطيه فرصة لادعاء أنه الأحق في تشكيل الحكومة، والطلب من حلفائه رفع السلاح أمام رافضي تسليم السلطة إليه باعتبار أنه صاحب الشرعية حاليًا.

بلاد الرافدين تصر على قلب كافة القواعد المعروفة، والحكومة القادمة قد تكون مفاجأة للقاصي والداني، وقد يستمر سباق التحالفات شهورًا طويلةً، قبل أن ترى النور حكومة ائتلافية جديدة، وهي ما يقدم الفرصة الأفضل لمشروع المقاومة لتجاوز الطوائف والمكونات الإثنية، والدعوة لديمقراطية حقيقية على أساس الهوية الوطنية وبيد العراقيين لا بيد الاحتلال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق