23-3-2010
كتب- عصام فؤاد:
يواجه اليمن "السعيد" أخطر حقبة في تاريخ وحدته منذ عشرين عامًا؛ إذ يتوجب على الشعب اليمني التصدي لمخططات الهيمنة الصهيوأمريكية ومحاولات التمدد الإيراني، وقبل ذلك التحرر من استبداد النظام الحالي.
ما كشفه وزير الخارجية اليمني أبو بكر القربي (السبت 20/3/2010م) عن وجود مبادرة أمريكية غير رسمية للتوفيق بين النظام الحاكم والمعارضة، قدَّم دليلاً إضافيًّا على الاهتمام الغربي- خاصةً الأمريكي- بالمعضلة اليمنية الراهنة، والتي شكلتها عدة أزمات كل منها كفيل بتقويض نظام البلاد وهد أركانه.
وما تابعه العالم قبل أيام من اعتصامات ومظاهرات بالشمال والجنوب؛ هو فقط التوتر الخارجي للسطح، فيما يحمل القاع نارًا تهدد في أي لحطة باندلاع البركان.
الفساد
الفشل.. هو العنوان الأبرز لإدارة النظام الحالي لملفات البلاد سواء الداخلية أو الخارجية؛ حتى صار اليمن بأهميته الجيوسياسية مفعولاً به على الدوام وليس فاعلاً، وأصبح الحديث عن الفساد وتدهور الصحة والتعليم ومعاناة المعيشة، خبرًا متكررًا.
وبات اليمن في ذيل قائمة الدول صاحبة النزاهة والشفافية، وفقًا لتقرير منظمة الشفافية الدولية والذي يصنفه في مقدمة البلدان الأكثر فسادًا، فيما كشفت منظمة "برلمانيون يمنيون ضد الفساد" أن القطاع النفطي هو الأكثر فسادًا بين القطاعات الحكومية في اليمن؛ حيث يستشري به الفساد بنسبة 87.2%، يليه القطاع العسكري بـ 61.8%، ثم القطاع الأمني بـ60.9%، يليه القطاع الصحي بنحو 53.6%، ثم القطاع الدبلوماسي بـ48.1%، والقطاع السمكي بـ35.4% يليه القطاع الزراعي بنسبة 33.6%.
ويبقى الفساد أحد التحديات الرئيسية في مواجهة عملية التنمية، التي تتدهور بصورة ملحوظة حتى بلغت مديونية اليمن الخارجية نحو سبعة مليارات دولار، وقفزت خلال السنتين الماضيتين بنسبة زيادة تقدر بـ13%، مع تقاعس حكومي واضح عن محاربة الفساد إلا بصورة شكلية تضمن تدفق هبات الدول المانحة والصندوق الدولي.
شمال وجنوب
ويشهد اليمن حاليًّا حالة موسعة من الاحتقان السياسي والشعبي؛ إثر الرد العنيف والدموي الذي يواجه به أمن النظام المظاهرات السلمية التي دعت إليها المعارضة في عدد من المحافظات الجنوبية، للاحتجاج على الأزمات السياسية والاقتصادية التي تجتاح البلاد جراء سياسة حكومة الرئيس علي عبد الله صالح.
وتسبب الرد الأمني العنيف في مقتل وإصابة عشرات المتظاهرين والمعتصمين، فضلاً عن سلسلة موسعة من الاعتقالات، صاحبها إغلاق مكاتب فضائيتي (الجزيرة) و(العربية) لنقلهما أحداث الاحتجاج.
وكانت أهم طلبات المتظاهرين الإصلاح السياسي وفتح باب الحوار الوطني الذي أغلقه النظام أواسط فبراير الماضي، للانفراد بالقرار السياسي، والرجوع إلى اتفاق 23 فبراير 2009م، الذي تم توقيعه بين حزب المؤتمر الشعبي الحاكم واللقاء المشترك، وهو تكتل يجمع أحزاب المعارضة الرئيسية وعلى رأسها حزب التجمع اليمني للإصلاح "الإخوان المسلمون".
وقضى الاتفاق بتأجيل الانتخابات والتمديد للبرلمان لمدة عامين، على أن يتم استثمار هذه المدة لعدد من الإصلاحات على رأسها الدستورية والقانونية، وتمرير تعديلات قانون الانتخاب التي رفضها الحزب الحاكم، في آخر مراحل التصويت عليها أواخر عام 2008م الماضي، ليستفيد من القانون الحالي في التزوير.
وهو ما تم في الانتخابات النيابية نهاية نوفمبر عام 2008م، والتي شهدت تزويرًا واسعًا مع تضخم السجل الانتخابي بصورة غير طبيعية، حتى إن أسماء المسجلين والمقيدين فيه فاقت عدد السكان، فيما وفر الحزب الحاكم غطاءً شرعيًّا للجنة الانتخابات لتكمل تزويرها بدون مساءلة.
واستفز بطش النظام الأمني المعارضة التي استنكرت تآمر النظام على ما تبقى من قواعد الأمن والسلم الوطني، والاستفادة من المؤسسة العسكرية في صراعاته الحزبية، والاستمرار في سياسات الإقصاء والتهميش للجنوب اليمني.
نفصال الجنوب
تفاقم أزمة الجنوب مؤخرًا يهدد الوحدة اليمنية بشكل غير مسبوق منذ محاولة الانفصال الفاشلة في صيف 1994م؛ حيث شهدت المظاهرات الأخيرة إحراق بعض الجنوبيين علم الجمهورية اليمنية، استجابةً للزعيم اليمني الجنوبي السابق علي سالم البيض، والذي دعا في مؤتمر صحفي قبل أيام إلى انفصال الجنوب.
ولن ينال خطر ممارسات الأمن الباطشة من الجنوبيين فقط، ولكنه يستهدف بالأساس اتحاد اليمن الذي ظل على مر الأزمنة اعتقادًا راسخًا لا خلاف عليه، حتى جاءت محاولات تشطير اليمن الأشد بعد الاحتلال الإنجليزي سنة 1839م والتصارع على البلاد مع الأتراك والأئمة الهاديين.
وهو ما أسفر سنة 1873م عن تقسيم البلاد- لأول مرة- إلى شمال وجنوب، ثم سعى الأئمة والإنجليز إلى تأبيد التشطير باتفاقيات دولية وترسيم للحدود في 11 فبراير سنة 1934م؛ ليتم حصر اليمن في الشمال الذي تحكمه الأئمة، وابتدع الإنجليز لفظ "الجنوب العربي" لتسمية باقي مناطق اليمن الجنوبية.
واستنفر تفتيت اليمن أبناءه للقيام بثورات متوالية ضد الأئمة والإنجليز لتنال البلاد حريتها عام 1967م، قبل أن يدخل الشمال والجنوب في سلسلة من الحروب الأهلية انتهت بتوحيد اليمن في 22 مايو 1990م.
وفي ظروف إقليمية واقتصادية متدهورة بعد حرب الخليج ومحاصرة العراق، أعلن نائب الرئيس اليمني وقتها علي سالم البيض انفصال الجنوب عن اتحاد اليمن يوم 21 مايو 1994م، ما واجهه الرئيس علي عبد الله صالح بإعلان الحرب على الانفصاليين والتي تم حسمها سريعًا لصالح الاتحاد يوم 7 يوليو 1994م؛ بسبب الرغبة الشعبية الجارفة شمالاً وجنوبًا في استمرار الاتحاد.
ومنذ ذلك الحين والنظام اليمني يواصل سياسات التهميش نحو أبناء الجنوب اليمني، ويرفض الاستجابة لطلباتهم في الحصول على فرص متساوية مع إخوانهم الشماليين في جهازي الدولة المدني والعسكري, ومناشدتهم بوقف سياسات الإبعاد والتغيير والتهميش بحقهم في الكادر الوظيفي بأجهزة الدولة المختلفة، مع إعطائهم حقهم الشرعي في ثروات البلاد ومواردها.
وكان التجاهل هو رد النظام على طلبات الجنوب، إلا أن التأييد الكبير الذي تناله مؤخرًا من كافة الفصال الوطنية، وجَّه السلطة لتدبير عمليات سلب ونهب على الطرق الجنوبية، واتهام الحراك الجنوبي بالمسئولية عنها؛ ليستخدمها النظام كذريعة لإخراس الأصوات الجنوبية بتدخل أمني غاشم، ضد "الخارجين على القانون والدستور".
الحوثي
ويؤكد الارتفاع غير المسبوق في حالة الاستنفار العسكري والأمني بالمحافظات الجنوبية، استمرار حسابات النظام الفاشلة ونيتها استغلال الهدنة مع الحوثيين على الحدود الشمالية، بحسم عسكري في الجنوب، في إغفال واضح لطبيعة الهدنة غير المستقرة التي تشهدها صعدة حاليًّا.
هشاشة الهدنة الحالية راجع لافتقادها حلولاً إستراتيجية لأسباب تجددها، وإنهاء الجولات المسلحة التي تشهدها البلاد كل حين بين الجيش اليمني والحوثيين في محافظة صعدة شمال اليمن منذ منتصف عام 2004م، وكان أقربها الحرب التي استمرت نحو ستة أشهر وانقضت أواسط فبراير الماضي، بعد أن تسببت في قتل وإصابة وتشريد الآلاف من الطرفين.
وتبقى احتمالات تجدد الصراع كبيرة، طالما لم يتم تنفيذ اتفاق الدوحة المعروف باسم اتفاق "هبرة- الإرياني" الذي توصَّل إليه الطرفان العام الماضي، والتزم فيها الحوثيون بإلقاء السلاح والخضوع لسلطة الدولة، مقابل التزام الحكومة بتنفيذ برنامج لإعادة إعمار صعدة، والسماح لهم بإنشاء حزب سياسي خاص بهم بمجرد عودة السلام للمنطقة.
ورغم إعلان الطرفين إنهاء الجولة السادسة من الصراع باتفاق فبراير الماضي، إلا أن المشاركات الإقليمية في المعركة السابقة، تؤكد أن الهدنة ستبقى رهينة حسابات اللاعبين الإقليميين وفي مقدمتهم طهران التي بدا واضحًا استغلالها الحوثيين لتحقيق أهدافها الإستراتيجية، بنشر خيوط المد الشيعي وإيجاد ثغر لها بالقرب من البحر الأحمر.
كما أكد مراقبون أن نقل الحوثيين الحرب إلى داخل الأراضي السعودية يبرهن على قرار طهران توريط السعودية في حرب عصابات، واستغلال ذلك للضغط على السعودية؛ وذلك في ظل تشجيع أمريكي على إيجاد جيوب شيعية بالمنطقة العربية، ورفع التوتر بين السُنة والشيعة، لخلق عدو بديل عن الولايات المتحدة، وكسب العرب في صف أمريكا حال شنت حرب على إيران.
أخطر ما أفرزته الجولة السادسة هو الانخفاض السلبي في معنويات الجيش اليمني الذي استخدم كل ما في جعبته من أسلحة، من قصف جوي ومدفعي وتدخل بري، إلا أنه فشل في إنهاء الحرب طوال ستة أشهر، رغم التعاون العسكري واللوجستي مع الجيش السعودي.
وهذا ما قد يغري معارضي النظام للجوء للقوة العسكرية لحسم خلافاتهم معه، كما يغري أطرافًا خارجية بدعم أي تمرد مسلح، واستخدام اليمن كساحة لتصفية الحسابات، وقد شهدت المواجهات الأخيرة، استدعاء صنعاء سفيرَيْها في ليبيا وإيران للتشاور، عقب معلومات بدعم إيراني للحوثيين بغرض مذهبي، ودعم ليبي غرضه إنهاك السعودية ماليًّا وبشريًّا في المواجهات، فضلاً عن إحراج النظام السعودي خارجيًّا وداخليًّا.
بوابة القاعدة
ويبدو أن صعدة ليست الطريق الوحيد أمام التدخلات الأجنبية، فالإعلام الغربي يعيد فتح بوابة تنظيم القاعدة باليمن على مصراعيها منذ أواخر ديسمبر الماضي؛ بعد اتهام القاعدة اليمنية باستخدام شاب نيجيري مسلم لتفجير طائرة أمريكية.
الاتهام صاحبته شكوك موسعة حيث جاء بعد غياب طويل لتنظيم القاعدة في اليمن، وتحديدًا منذ عمليتهم الكبرى التي استهدفت المدمرة الأمريكية "كول" عام 2000م في ميناء عدن، غير أن طريقة تنفيذ العملية بدت أكثر سذاجة وأقرب فشلاً من نسبها لأي تنظيم.
وتحول الهجوم الإعلامي المفاجئ إلى مؤتمرات دولية شهدتها العواصم الأوربية، أهمها مؤتمر لندن أواخر يناير الماضي، والذي شارك به مجموعة دول الثمانية وممثلو الاتحاد الأوربي ورئيس وزراء اليمن، بالإضافة لممثلين عن المعارضة.
وأكد التحالف الغربي اهتمام المجتمع الدولي بتطورات الوضع في اليمن واعتبارها تهديد للسلم الإقليمي والدولي، وبصورة صريحة أعلن أنه سيتصرف في أي لحظة بالشكل الذي يراه مناسبًا لحماية أمنه ومصالحه سواء وافقت الحكومة اليمنية أو لم توافق.
وتؤكد الصورة السالفة سعي أمريكا وحليفها البريطاني لوجود عسكري مباشر باليمن، واستغلال ذريعة القاعدة لبسط الهيمنة على دول المنطقة، والتغلغل بها عسكريًّا، ومحاولة فرض ترتيب أوضاع المنطقة بحسب الرؤية الأمريكية، والاستهداف الغربي لليمن والمنطقة العربية والإسلامية قائم من قبل أن يصبح لتنظيم القاعدة اسم معروف.
خطط مختلفة
الخطط الأمريكية السابقة بوجود عسكري فعلي في اليمن، قد يغيرها صفحات الفشل التي سطرتها الحملة الأمريكية في العراق وأفغانستان؛ ما يحول صيغة السيطرة العسكرية إلى أخرى سياسية.
وفيها تستغل واشنطن الاستبداد لإثارة الاحتقان وخلق ساحة مستمرة من الصراع داخل اليمن، بالشمال أو الجنوب أو عبر القاعدة، مع تمويل كافة الأطراف لضمان حرب طويلة، على أن تتشارك أمريكا ظاهريًّا مع النظام الرسمي، والنتيجة إحكام السيطرة على جميع اللاعبين ومن ثمَّ احتلال غير مباشر للبلاد.
وقبل أسابيع شنَّ سلاح الجو اليمني هجمات على بعض المناطق القبلية بناءً على معلومات استخبارية أمريكية؛ ما تسبب في اندلاع موجة من الغضب بين أوساط اليمنيين، نتيجة تسببها في مقتل أحد الزعماء القبليين وزوجته وأطفاله.
وفي إطار "الحرب على الإرهاب"؛ زار ديفيد بترايوس قائد قوات الاحتلال الأمريكي في أفغانستان والعراق اليمن؛ للقاء الرئيس علي عبد الله صالح للاتفاق على كيفية مواجهة تنظيم القاعدة.
وتجسد صيغة التعاون بين اليمن وأمريكا مصلحة كلا الطرفين؛ فالنظام اليمني يريد تسويق حربه على القاعدة للحصول على دعم سياسي دولي ودعم مالي وقوة عسكرية تحكم قبضته المستبدة على جميع مفاصل اليمن وشئونها.
أما المصلحة الأمريكية فهي إنشاء معادلة دقيقة ومحسوبة، تنتج الفوضى بالساحة اليمنية من جهة لضمان السيطرة على أطرافها، مع دعم النظام بقوة لمواجهة مشاريع إيران في التمدد، والحفاظ على وحدة اليمن لتأمين تدفق النفط والتجارة الدولية، وتقوية النظام أمام خصومه الداخليين ولو ضد الديمقراطية التي لن يستفيد منها سوى الإسلاميين أصحاب الشعبية الأكبر بالبلاد.
كذلك ستحافظ القرارات الدولية الاقتصادية على تركيز السلطة والثروة في دائرة النظام، مع تهميش للقوى السياسية والاجتماعية؛ ما سيؤدي إلى المزيد من التآكل في شرعية الدولة والنظام السياسي، الذي لن يجد بديلاً عن الخضوع للبيت الأبيض، مقابل دعمه سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا.
الحل
المبادرة الأمريكية- سالفة الذكر- لرعاية حوار يمني وطني؛ تفندها الوثائق الأمريكية في كيفية تفجير أوضاع البلدان المختلفة لإحكام السيطرة عليها، الأمر الذي يجب ألا يغيب عن فصائل المعارضة، حتى لا تستهلك قوتها في مفاوضات محسومة سلفا لصالح الولايات المتحدة وخططها.
ويبقى الحل الأمثل في توحد الحكومة والمعارضة حول برنامج يعالج أزمات اليمن الاقتصادية، ويزيل الاحتقان الداخلي المتصاعد نتيجة الفقر والحرمان، وتغيير آليات العمل بالساحة السياسية، بما يسمح بديمقراطية حقيقية، تجعل الشعب كله شريكًا في سلطة البلاد وثرواتها.
والتساؤل هنا مناطه قدرة النظام اليمني واستعداده لفعل ذلك، فإن لم يكن، فلا سبيل للمعارضة سوى استنفاد الجهد في النضال السلمي والدستوري، واستخدام كافة السبل الشرعية لإنقاذ اليمن، ولو على حساب تغيير النظام كله.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق