تفجيرات موسكو.. قوة الدب أم شجاعة الذئاب؟!


1-4-2010

كتب- عصام فؤاد:

 "حلقة جديدة من مسلسل الصراع بين الدبِّ الروسي والذئب القوقازي"؛ على هذا تم تصنيف التفجيرات التي شهدتها موسكو الإثنين الماضي، أو التي وقعت في داغستان شماليّ القوقاز المسلم صباح أمس الأربعاء.

 ففي ساعة مبكرة من صباح الإثنين استيقظ سكان العاصمة الروسية موسكو على صوت انفجارات مدوِّية في محطتيّ مترو الأنفاق، وأسفرت عن نحو 40 قتيلاً و70 جريحًا، أما مدينة قزلار الداغستانية فقد شهدت صباح أمسٍ تفجيرين بفارق 30 دقيقة تسببا في مصرع 12 شخصًا، بينهم مدير مركز شرطة المدينة و9 من عناصر الشرطة، غير إصابة 23 شخصًا غالبيتهم من رجال الشرطة المحلية.

 وتبنى تنظيم إمارة القوقاز المسئولية عن تفجيرات موسكو، وقال زعيم المقاتلين الشيشان دوكو عمروف في تسجيل مصور أمسٍ الأربعاء: إنه أمر شخصيًّا بتنفيذ الهجمات، مضيفًا أن الهجمات على روسيا ستستمر.

ولم يستبعد فلاديمير بوتين رئيس وزراء روسيا أن تكون الجهة المسئولة عن الحادثتين واحدة، ورجَّح مراقبون أن تكون التفجيرات ردًّا انتقاميًّا بعد حملات الجيش الروسي والأمن الفيدرالي الأسبوعين الماضيين في إنجوشيا وداغستان، والتي أسفرت عن مقتل عدد من "المسلحين" الإسلاميين، فيما لم تنس الخارجية الروسية ومجلس الأمن القومي الإشارة إلى مساعدات لوجستية ربما نالها "المتطرفون" من دولة جورجيا.

إيفان.. الغازي الرهيب

ويرجع التاريخ الدموي بين روسيا والمسلمين إلى عام 1552م حين غزا إيفان الرهيب ملك روسيا غرب سيبريا، واستولى على منطقة الفولجا والأورال التي يقطنها المسلمون منذ عرفت المنطقة الإسلام، بعد أن وصلتها جيوش المسلمين في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وكان لبعد منطقة فولجا النسبي عن البلدان الإسلامية سواء في القوقاز أو وسط آسيا دورٌ كبيرٌ في ضعف العقيدة الإسلامية هناك؛ ما أسفر عن سقوط سهل بيد الاحتلال الروسي، إلا أن حملات القياصرة منذ عام 1604م نحو القوقاز المسلم من بوابة داغستان لاقت مقاومةً عنيفةً وهزائم منكرة، حتى تسببت خلافات أبناء الإمبراطورية الذهبية التي كانت تحكم القوقاز في تمكين روسيا من احتلال أراضيها سنة 1783م.

وواجه البطش والتنكيل الروسي ثورات متتالية من أهالي القوقاز، ودوّن التاريخ بطولات مشهودة للمجاهدين المسلمين، كما عرف ملايين الضحايا من أبنائهم نتيجة القتل والتشريد والتهجير.

إقليم القوقاز هو المنطقة الجبلية الواقعة بين البحر الأسود في الغرب وبحر قزوين في الشرق، وتتقاسم الإقليم أربع دول هي: روسيا، وجورجيا، وأذربيجان، وأرمينيا، ويضم الجزء الروسي 7 جمهوريات مسلمة (داغستان، والشيشان، وإنجوشيا، وقبردين بلقاريا، وأوسيتيا الشمالية- ألانيا، وكارتشييف شركيسيا، والأديغة).

وخلال حكم روسيا القيصرية؛ نالت الجمهوريات الإسلامية قسطًا وافرًا من محاولات التنصير والتذويب القسري للأعراق والديانات، بالإضافة إلى هدم المساجد، وتحويل أعداد منها إلى كنائس؛ الأمر الذي امتد إلى الحقبة السوفيتية، مع اختلاف واحد هو توقف التنصير، إلا أن صور الاضطهاد ازدادت، وتم تحويل المساجد إلى متاجر ونوادٍ أو حتى حظائر للحيوانات، غير محاولات تحقير الإسلام في نظر المسلمين؛ الأمر الذي لم يؤد إلى نتائج حقيقية أو إيجابية.

انهيار "السوفيتي"

   وبعد تفكك الاتحاد السوفيتي بداية تسعينيات القرن الماضي؛ كان على روسيا أن تبدي ديمقراطية تمكنها من اللحاق بالركب الغربي؛ فأعلنت عن حق أي جمهورية أن تجري استفتاءً للتصويت على الاستقلال عن الاتحاد، وسمحت بانفصال 16 جمهورية بينها ست دول إسلامية، إلا أنها رفضت بكل الوسائل والحيل انفصال دول إقليم القوقاز، وواجهت بقسوة جرأة دولة الشيشان الإسلامية حين أعلنت في نوفمبر 1991م استقلالها.

وتصر روسيا على اعتبار شمال القوقاز خاضعًا لسلطتها الفيدرالية، مدعية أن راغبي الانفصال مجموعة قليلة من المسلحين أو المتمردين، رغم أن التاريخ يثبت نضال الشعب القوقازي ضد الروس منذ ما يزيد عن 400 سنة، خاض فيها 12 حربًا ضد روسيا، أقربها موقعتا الشيشان الداميتين في حرب 1994م، والتي استمرت إلى 1996م، وحرب 1999م، وكان ضحيتهما مئات الآلاف من المسلمين ونحو 30 ألف عسكري روسي.

ضرورة حتمية

الأهمية المطلقة حاليًّا للإقليم بالنسبة لروسيا ترجع لاستقلال أوكرانيا وأرمينيا وأذربيجان وجورجيا؛ ما جعل القوقاز الإسلامي في جنوب روسيا يمثِّل حدودها الدولية، وطريقها الوحيد للوصول إلى المياه المفتوحة، سواء عن البحر الأسود، أو الخليج العربي والمحيط الهندي عبر إيران.

وفضلاً عن الأهمية البترولية الكبيرة للإقليم بإطلالته على بحر قزوين الغني بالنفط، والمشروعات الاقتصادية ذات المستوى القاري، مثل إحياء طريق الحرير القديم الذي يمر بأراضيه، فإنه يعتبر خط الدفاع الأخير لروسيا أمام التوغل الأمريكي والأوروبي من الجنوب في آسيا الوسطى، ومن غربي القوقاز عبر جورجيا وأوكرانيا.

وتنظر موسكو للقوقاز كذلك على أنه معبرها للمشاركة بفاعلية في الأحداث العالمية الأهم التي تدور في إيران وتركيا من بعدهما أفغانستان والعراق والمنطقة العربية؛ ما يجعل ضم الإقليم إضافة إستراتيجية كبيرة إلى رصيد روسيا في ملعب السياسة الدولية، وبند مهم في التفاوض مع الغرب عند طلب التأثير في تلك الأحداث مقابل تنازلات غربية أو مساعدات مالية.

لذا لم ولن يتوانى الدبُّ الروسي عن دفع أي ثمن لإبقاء الإقليم تحت سيطرته، وفي هذا الإطار يمكن فهم الحروب الضارية ضد استقلال دولة فقيرة وغير هامة مثل الشيشان، لوأد أية أفكار أو حتى أحلام لدى سكان القوقاز بالخروج عن الفيدرالية الروسية.

عسكرية جديدة

 التفجيرات القريبة في موسكو وداغستان تأتي في إطار الإستراتيجية العسكرية التي لجأت إليها المقاومة القوقازية والشيشانية، مع مطلع القرن الحادي والعشرين في قتال العدو الروسي، والتي لا تكتفي بالمعارك في الشيشان وغيرها، ولكن تنقلها إلى عمق الأراضي الروسية.

وسجلت المقاومة تغيير عسكريتها باحتلال أحد مسارح موسكو في أكتوبر 2002م، ومن بعدها العديد من التفجيرات التي غرضها توجيه ضربات اقتصادية وسياسية للحكومة، وخلخلة إصرار موسكو على احتضان القوقاز.

ولكن الرؤية الحاليَّة للوضع السياسي؛ تستبعد استسلام الدبِّ الروسي أمام تلك المناوشات، التي ربما تنجح في "تحسين بعض الأوضاع المعيشية للإقليم"، كما صرح بذلك الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف، ولكنها "لن توقف نهج القوة المعتمد للحفاظ على الأمن والاستقرار في الجنوب الروسي".

فيما سيستخدمها رئيس الوزراء فلاديمير بوتين وحكومته مبررًا لمواصلة حربه "المقدسة"، وتشدُّده نحو القضية القوقازية، وحجة جديدة تواجه محاولات تفعيل الفيدرالية في الجمهوريات الإسلامية بالقوقاز، ولمضاعفة الهوس الروسي بالأمن القومي، وتكريس عقيدته العسكرية التي يأتي في صلبها- حاليًّا- القضاء على المسلحين الإسلاميين بالقوقاز.

وإذا تغاضينا عن تأييد التفجيرات وسط المدنيين الروس أو إنكارها؛ فإن توقيتها وأهدافها لا بد من ارتباطهم بأجندة سياسية واعية لكي تؤتي ثمارها، فلا تكون ذريعة جديدة لتشديد الرقابة على المسلمين الروس، وأداة يمكن استخدامها إعلاميًّا لتشويه صورة المقاومة، ووقف التعاطف الإسلامي الشعبي مع قضيتها، بل واستعداء المجتمع الدولي عليها، فضلاً عن المساعدات الهائلة التي قد ينالها العدو، بعد رفعه راية مكافحة الإرهاب.

الفيدرالية والانفصال

ومع التقدير الواسع الذي حظيت به المقاومة القوقازية المسلمة بدءًا من الإمام منصور سنة 1783م وحتى القائد دوكو عمروف مرورًا بالمجاهد الشهيد خطاب، فربما ترتكب المقاومة خطأً كبيرًا بطلب الاستقلال الكامل في الظرف الدولي الراهن.

وذلك بسبب تعقد وتشابك المصالح الدولية، والاختلافات الشاسعة لموازين القوى العسكرية؛ ما يجعل المقاومة تحتاج لدعم سياسي وعسكري حقيقي، حتى ترتقي لمستوى حركة ينتج عنها تشكيل دولة مستقلة، وعليها كتابة أجندة سياسية واضحة المعالم، تستغل العداءات الدولية للتواصل مع القوى الأكبر في صف المواجهة لعدوها، بالإضافة إلى تحرك إعلامي وسياسي واعٍ، يكسبها بعض التأييد الشرعي على المستوى الدولي.

وكل تلك القواعد غير متوافرة في حالة المقاومة الإسلامية بالقوقاز، وفتات الدعم العسكري أو اللوجستي الذي تحصل عليه من جورجيا أو حتى أمريكا، لا يعد تبنيًا للقضية ولكنه استغلال للمقاومة في تصفية بعض الحسابات الجانبية المفتوحة مع موسكو.

من ناحية أخرى؛ فإن محاولة الاستقلال الفردي لدولة مثل الشيشان أو داغستان لن يكون حقيقيًّا أو يستحق ما كلَّفه من دماء، وذلك نظرًا لإحاطة روسيا لتلك الدولة بحكم الجغرافيا، واعتمادها على حكومة موسكو في استثمار مواردها وحتى استخراجها؛ نظرًا لضعف إمكانياتها الاقتصادية، غير أن هذه الدولة المستقلة لن تجد لها مكانة على الخريطة الدولية وستعود من تلقاء نفسها طالبة الود الروسي.

لذا قد يكون الأجدى هو المطالبة بتفعيل حقوق تلك الدول الفيدرالية، مع تكوين جبهات للمعارضة السياسية تحت الشمس، تستند لميثاق حق الاستفتاء والاستقلال، واستثمار الوقت والأحوال الدولية المتغيرة، حتى يأتي الظرف المناسب لطلب الاستقلال الكامل؛ ما يجنب الأهالي السقوط في أتون محرقة مستعرة مثل ما حدث في الشيشان، ويوقف شلالات الدماء التي روت جبال القوقاز.

الذئب هو الشعار القومي للشيشان؛ حيث يرى أبناؤه أنه الأنبل وإن لم يكن الأقوى، فالذئب لا يقاتل إلا الأقوياء ولا يمكن ترويضه بأي حال من الأحوال، ونشيدهم القومي مستهله: في ليلة مولد الذئب خرجنا إلى الدنيا ووقفنا شجعانًا نلبي نداء الأمة والوطن، إلا أن الذئب الشيشاني يحتاج لدهاء الثعلب وحيلته، حتى لا يواجه منفردًا مخالب الدب الروسي، ويكون للمعركة أهداف أخرى قريبة، غير إثبات الشرف والفوز بالشهادة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق