"الجوار العربي".. طموح القوة وضعف التردد

4-4-2010 

بقلم: عصام فؤاد

ساعات قليلة فصلت بين طرح عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية مشروع (رابطة الجوار الإقليمي العربي) وبين رفض مصر الفكرة، الأمر الذي أدَّى لخروج المشروع من دائرة التنفيذ حاليًّا، ولكنه لم يخرج من آفاق الطموح العربي، أو محاولة حساب أرقام المكسب والخسارة من ورائه.

المشروع الذي حمل اسم رابطة الجوار العربي، كان يهدف إلى توثيق التعاون في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية مع عدد من الدول التي تشكل محيطًا جغرافيًّا للعالم العربي، وفي مقدمتها تركيا وإيران، بالإضافة لدول في إفريقيا كنيجيريا وتشاد وإثيوبيا ودول في جنوب أوروبا مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا.

وكان المشروع يرمي لإقامة تعاون وعلاقات وثيقة مع هذه الدول لدعم الأمن والمصالح المشتركة، مشترطًا إجماعًا عربيًّا على كل دولة سيتم ضمها إلى الرابطة المنوي إقامتها، على أن يتم قبول دول الجوار في الرابطة بشكل فردي وبالتدريج.

 وبادرت مصر على لسان المتحدث باسم الخارجية المصرية حسام زكي لإعلان عدم موافقتها على فكرة رابطة الجوار العربي، دون الكشف عن أسباب الرفض أو تعليل موقفها.

 وربما كان جديدًا استخدام مصطلح "دول الجوار" كمفهوم سياسي، إذ شاع استخدامه بعد الحرب الأمريكية على العراق، والمؤتمرات العديدة بين دول جوار العراق، إلا أن ذلك لا ينفي الأدوار الملموسة لدور الجوار العربي في المشكلات والصراعات الإقليمية، والتي بدت بشدة منذ أوائل القرن العشرين، وفترة الإعداد لزرع الكيان الصهيوني في المنطقة العربية، وما صاحب ذلك من صراع مستمر حتى الآن.

 وبرغم أن القراءة المتأنية للمشروع تؤكد أن مصر ستكون أول المستفيدين منه إلا أن القاهرة استخدمت حق الفيتو العربي في وأده، وذلك جريًا على مواقفها المعادية والرافضة لأي تواصل مع النظام الإيراني منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979م، وتغير نظام الحكم في إيران من ملكي علماني إلى جمهوري ديني.

 فقد تسببت ثورة الخميني في قلق النظام المصري لاعتمادها مبدأ تصدير الثورة ودعم المستضعفين، ولكن السبب الأهم للاستعداء ضدها كانت المساحة الخالية التي تركها رحيل شاه إيران حليف أمريكا الأول بمنطقة الشرق الأوسط، وحاجة واشنطن لحليف جديد يسد الفراغ، وهي المساحة التي تطلع لها النظام المصري، وما زال يبذل قصارى جهده لملئها.

 وعلى هذا نفهم سر عداء القاهرة لطهران حتى في فترة حكم الرئيس الإيراني محمد خاتمي (1997م- 2005م)، والتي شهدت تقاربًا إيرانيًّا مع كافة الدول العربية عدا مصر، التي لم تجد حجة لرفض التواصل سوى بتكرير طلبات تحرير الجزر الإماراتية الثلاث من "الاحتلال الإيراني"، رغم سكوت مجلس التعاون الخليجي عنها في تلك الفترة.

 وارتبطت العداوة المصرية بمستوى حدة طهران في رفض مشاريع الولايات المتحدة ودرجة مناهضتها الرؤى الأمريكية لمنطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها تأمين الكيان الصهيوني، وذلك بغض النظر عن المصالح العربية أو المصرية في تلك الأحداث أو الصراعات.

 مكاسب كبيرة

 إرضاء الحليف الأمريكي الذي بنت عليه مصر رفضها مشروع الجوار الإقليمي، ربما حرم الوطن العربي كله منحًا ومزايا عديدة كان من المنتظر أن يجنيها تدشين المشروع سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي وحتى العسكري.

فعلى المستوى السياسي؛ نجد أن الوطن العربي يحمل على كاهله الأزمات الأشد عالميًّا والتي تعصف بأمنه واستقراره، وهي الأزمات المرشحة للاستمرار والتصاعد، نتيجة وقوع المنطقة في تقاطع مصالح غربية شرقية، مع غياب عربي كبير عن ساحات الفاعلية.

ويتضح في كلِّ تلك الأزمات دور دول الجوار سواء في فلسطين والعراق أو السودان واليمن والصومال، ومعنى وجود اتفاق عربي مع جواره، هو مراعاة مصالح الطرفين والتحرك المشترك لحل تلك الأزمات وإنهائها، وذلك بعد التلاحم الذي سيسد الثغرات ويمنع التغلغل الأمريكي إلى المنطقة، ويحكم محاصرة الكيان الصهيوني.

وتدشين مشروع الجوار العربي يعني تحقيق توافق حول أزمة العراق، باستخدام ثقل الجيران وعلى رأسهم إيران وتركيا الأكثر ارتباطًا في الفترة الحاليَّة بقضايا ومشكلات الأمن في المنطقة، ما سيكون له أكبر الأثر في وقف حالة الفوضى الداخلية، وخروج قوات الاحتلال الأمريكي، وحماية وحدة الأراضي العراقية.

كما سيساهم المشروع في حل الأزمة اليمنية، بوقف دعم المتمردين سواء في صعدة أو بالجنوب، واستخدام النفوذ الإيراني بالقرن الإفريقي والتركي بوسط وغرب أفريقيا، لحل أزمات الصومال وتضميد الجراح السودانية في شرق البلاد وغربها وجنوبها قبل أن تعجز عن الاندمال، بالتعاون مع دولتيّ إثيوبيا وتشاد.

فقد استغلت طهران انشغال العرب بالأحداث الجارية في أفغانستان والعراق، وتفرغت لبناء علاقات قوية مع دول القرن الإفريقي وشرق إفريقيا مثل إريتريا وكينيا وتنزانيا وإثيوبيا والسودان، ودعتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا للمشاركة في قمة الاتحاد الإفريقي الماضية بصفة عضو مراقب فاعل في الاتحاد الإفريقي، فيما تم الإعلان في فبراير الماضي عن تشكيل لجنة فنية للتعاون بين إيران والاتحاد الإفريقي.

أما تركيا، فخير شاهد على حضورها الإفريقي الحفاوة والترحاب التي كانت في استقبال عبد الله جول رئيس الجمهورية، حال جولته بشرق ووسط إفريقيا، في إطار دعم العلاقات التجارية المتنامية بين تركيا والعديد من الدول الإفريقية.

ويمكن لمصر استخدام التوغل الإيراني والتركي في مفصل إفريقيا الشرقي، كورقة ضغط كبيرة على دول منابع نهر النيل، التي تهدِّد مصر بإلغاء اتفاقية عام 1929م لتوزيع المياه، وحرمانها من نصيبها الحالي من المياه.

وقد فشلت الجهود المصرية حتى الآن في ردع خطط دول المنابع، وعلى رأسها إثيوبيا التي بدأت فعليًّا بناء سدود بدعم صهيوني وتمويل صيني، لزيادة حصتها المائية وتوليد الكهرباء، ما دفع القاهرة للتلويح باستخدام القوة المسلحة لوقف المشاريع الإثيوبية، وهو ما سيتسبب حال اللجوء إليه في تفجير حرب مياه ضد دول المنابع السبعة كلها.

ويمكن تجنب ذلك باستخدام مصر لتفاهم إيراني يفتح حوارات جديدة مع إثيوبيا، واستغلال النشاط التركي في كينيا وأوغندا والكونجو وغيرها من دول المنابع لتجسير الهوة بين القاهرة وعواصم تلك الدول، وحل أزمة المياه قبل اندلاعها، غير إبعاد وتحجيم العبث الصهيوني في منابع النيل.

كذلك تواجه القاهرة مشاكل مع بعض الدول العربية مثل سوريا، ما يقلِّل من حجم دور مصر الفاعل على الساحة السياسية، ويمكن لمصر الاستفادة من طهران وأنقرة في مدِّ جسور جديدة للتواصل مع دمشق، وتوحيد معسكريّ العرب تحت رؤية سياسية وقرار همه المصلحة العربية.

اقتصاديات

وعلى الجانب الاقتصادي، فالتخلف العربي الاقتصادي هو الأعلى صوتًا بعد ملف الحريات، وقد صدر قبل أيام تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي بعنوان: "استشراف وتوقعات حتى عام 2020م"، ورجح أنه في عام 2020م سيكون عدد سكان الوطن العربي نحو 400 مليون نسمة، وأن نسبة الفقر والبطالة بينهم ستبقى هي الأعلى في العالم، نتيجة الجمود السياسي والركود الاقتصادي في معظم أقطار جامعة الدول العربية.

وتوقع أن يكون في الوطن العربي 130 مليون أمي، و110 ملايين يعيشون تحت خط الفقر، و100 مليون عاطلين عن العمل معظمهم من الشباب، وأن مديونية الأقطار العربية مقدر لها أن تبلغ 270 مليار دولار، الأمر الذي سوف يؤدي إلى مزيد من التبعية والهيمنة للخارج، وبالتالي استمرار استنزاف الثروات والموارد العربية.

وتنبأ التقرير أن تكون الأقطار العربية هي الأكثر عرضة للتفجرات الاجتماعية والصراعات السياسية في العالم خلال العشر سنوات القادمة، ما يتطلب تحركًا سريعًا لتدشين علاقات اقتصادية كبيرة مع حلفاء حقيقيين، مثل تفعيل رابطة الجوار العربي التي ستجر منافع اقتصادية هائلة على أصحابها.

والدول العربية تعتمد في اقتصادياتها الضعيفة على النفط من الدرجة الأولى والزراعة وقليل من الصناعات المختلفة، فيما تتراجع بصورة كبيرة الصناعة الثقيلة ومجالات التقنيات والبرمجيات.

ويمكن بالتعاون مع إيران وتركيا تبادل الخبرات المعرفية خاصة في مجاليّ الصناعة والزراعة، وذلك بعد أن باتت تركيا القوة الاقتصادية رقم 16 عالميًّا، وتشهد في عهد رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان معدلات نمو متسارعة وغير مسبوقة.

وتتفوق تركيا في قطاعات النسيج والملابس والأثاث والصناعات الغذائية، ومن بعدها صناعة السيارات والأدوات الإلكترونية والكهربائية، غير التميز في مجالات التجارة والسياحة وخدمات الفندقة.

أما إيران فلم تعد تكتفي بالنفط كمصدر وحيد، ودخلت مجال صناعة السيارات واستطاعت باستخدام تقنية جديدة، تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، فضلاً عن تقدمها السريع في ملف تخصيب اليورانيوم لإنتاج الطاقة النووية واستخدامها في المجالات السلمية.

وبالاستعانة بالخبرات التركية والإيرانية، يمكن استثمار أموال النفط الخليجي في أسواق إفريقيا المفتوحة، مع تشغيل أيدي عاملة عربية؛ ما سيؤدي لتحقيق نمو اقتصادي عربي كبير، يحل الأزمات الأشد التي قد تودي باقتصاديات بعض البلاد.

كما يمكن استخدام تقنية زراعة القمح الإيرانية في زراعة الصحاري العربية، وتحقيق اكتفاء ذاتي للعرب من القمح، فضلاً عن أن توجيه هذه المشاريع الاقتصادية لإفريقيا، سيؤمن العمق العربي من العبث الصهيوأمريكي، ويحل أزمات معقدة مثل أزمتيّ الصومال والسودان.

وقد استطاعت إيران- قبل عام- إطلاق القمر الصناعي "أوميد" (الأمل) إلى المدار بنجاح ليكون أول قمر صناعي لها، بعد أن تم تصنيعه بشكل كامل داخل البلاد، وبالاعتماد على الخبرات الوطنية.

وأصبحت إيران من الدول المصدرة للسلاح، لتسير في منظومة الدول الكبرى التي يعتبر قطاع السلاح بها دافعًا للتنمية، لا معوقًا لها، كما هو الحال بالدول العربية التي يعتبر إنفاقها على ميزانيات الدفاع والأمن من أهم معوقات التنمية, وحيث يغيب بالوطن العربي الرقابة على تلك الميزانيات- إلا في الكويت- نجد أن هناك 11 دولة عربية ضمن لائحة 22 دولة هم الأعلى إنفاقًا على التسلح.

وممكن الاستفادة في مجال صناعة الأسلحة من الخبرات الإيرانية والتركية، لتتحول الدول العربية إلى مناطق استيراد وتصدير وليس فقط سوق مفتوحة أمام السلاح الغربي وبالأخص الأمريكي، ولتسلك درب الدولة المتقدمة التي تجعل من الدفاع خادمًا للتنمية لا العكس.

عسكريًّا

الفائدة الثانية في التعاون العربي مع جواره الإقليمي، هي توفير مليارات الدولارات المهدرة على التسليح العربي، بدعوى الخوف من الوضع السياسي والأمني المتردي للمنطقة ومواجهة التحديات الإيرانية العسكرية.

ويصل الإنفاق على السلاح في بعض الدول العربية إلى نحو 11.5% من ناتجها القومي الإجمالي، وبلغت واردات السعودية وحدها من الأسلحة في سنة 2009م 38 مليار دولار، فضلاً عما أعلنته واشنطن في عدة مناسبات من أن دولاً خليجية تتعهد بتمويل كامل للجيش الأمريكي، إذا أعلن الحرب على إيران.

وفي حالة التفاهم السياسي والعسكري، يصبح السلاح الإيراني والتركي قوة في يد الوطن العربي ضد الكيان الصهيوني، وهو إن لم يمنع الأخير- كلية- عن الاعتداء على الأراضي العربية وشعوبها، فسوف يجبره على الدخول في حسابات مطوّلة قبل الإقدام على أي عمل عسكري ولو محدود؛ لأنه قد يتسبب في دخول الكيان حربًا مفتوحةً طويلةً، لن يستطيع أبدًا التفوق فيها أو حتى الخروج منها سالمًا.

كما يمكن استثمار هذا التعاون في ملء الفراغ الأمني الناشئ عن خروج قوات الاحتلال الأمريكية من العراق مع حلول عام 2012م، لا سيما مع ضعف حالة الجيش وجهاز الشرطة وصعوبة مهمتهما في السيطرة على أمن البلاد الداخلي أو الخارجي، فضلاً عن انعدام الحاجة لوجود قواعد أمريكية في الخليج.

أول المستفيدين

كل هذه المكاسب السياسية والاقتصادية والعسكرية، ستكون مصر أول المستفيدين منها نظرًا لتميز موقعها الإستراتيجي بالمنطقة، الذي يؤهلها لقيادة المنطقة سياسيًّا، ولتوفر مواردها البشرية ذات الكفاءة التي تحتاج فقط لاستثمارات رءوس الأموال، مع كونها البوابة الأقدم نحو شرق ووسط إفريقيا.

كما يقدم الرادع العسكري للكيان الصهيوني، الاستقرار الذي طالما تحججت بافتقاده الحكومة المصرية، ما يفتح الطريق أمام دفع عجلة التنمية، ورفع تشريعات الطوارئ التي تقيد الإبداع سواء الفكري أو التقني والمعرفي.

ويمكن سد ذريعة النظام المصري بالتخوف من ازدياد النفوذ الإيراني، ببدء التعاون مع الجوار الإقليمي من تركيا، ما يبقي أنقرة أكثر تأثيرًا في معادلة الأمن والاستقرار بالمنطقة، وذلك لفترة انتقالية فقط، حتى تستطيع القاهرة استعادة حقِّها في الريادة وقيادة المنطقة من جديد لما يحقق الصالح العربي والإسلامي، والتخلي عن عباءة التبعية وسياسة الانبطاح التي سيكون حصادها، مشاهدة "سايكس بيكو" جديدة يتم فيها تقسيم المقسم، وتجزئة المجزأ، تحت سمع وبصر التائهين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق