6-7-2006
تحقيق: عصام فؤاد
الذي يطالع خطابنا الرسمي في كثير من موجات إرساله، يخيل إليه أن قضية التوريث ما هي سوى نتاج لحالة الرواج الهائلة التي يشهدها سوق الشائعات بمصر في السنوات الأخيرة، إلا أن جملة معطيات واقعنا الحالي لا تؤيد – بحال – ذلك الخطاب الرسمي إن لم تكن تنفيه وتفنده.
أحدث هذه المعطيات جاءت بصيغة استفاهمية – بعد زيارة جمال مبارك للولايات المتحدة في شهر مايو الماضي – عن إمكانية قبول واشنطن لتمرير ملف التوريث وحول المقابل الذي ستحصل عليه نظير دعمه وتأييده.
وإن كان ليس بمقدور أحد إنكار كم الاستفزاز الذي تسببه كلمات مثل واشنطن وبوش حال إقحامها في معرض الحديث عن مستقبل مصر السياسي، فإن التراكمات السابقة في علاقات البلدين تفرض العامل الأمريكي كأحد أهم العوامل المؤثرة في حاضرنا ومستقبلنا خاصة مع تكريس مفهوم الإنبطاح لدى النظام المصري الحالي.
ومن ناحية أخرى، فإن واشنطن تدرك أي تغيير في نظام مصر السياسي لن يقتصر أثره على حدود مصر وحدها ولكنه سيمتد إلى حدود المنطقة العربية والإسلامية التي تشغل قلب الإستراتيجية الأمريكية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي بداية تسعينيات القرن الماضي، لذا لم يكن مستغربا أن يدخل أعضاء مجلس النواب الأمريكي – أوائل شهر يونيو الماضي – في حلقات نقاشية ساخنة لساعات طويلة حول أحقية مصر في الحصول على 1,7 مليار دولار كمعونة سنوية من الولايات المتحدة رغم التدهور الكبير في مجال الحريات العامة وحقوق الأنسان، وذلك قبل أن يوافق مجلس النواب بأغلبية 225 نائباً على صرف هذه المعونة للنظام المصري، استجابة لرغبة الإدارة الأمريكية الحالية التي شرحت للمجلس أهمية الدور المصري في المخططات والمشاريع الأمريكية، ووصفت مصر – على لسان (كوندليزا رايس) وزيرة الخارجية – بأنها تعد حجر الزاوية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
شهادات أعضاء مجلس النواب أثناء مناقشات المعونة كانت تؤكد حاجة أمريكا الشديدة لمصر كحليف قوي قادر على دعمها ومساعدتها، لاسيما وقد أعد مكتب "محاسبة الإنفاق الحكومي" التابع للكونجرس دراسة مستفيضة حول كيفية إنفاق مصر للمعونة الأمريكية، والخدمات التي قدمتها مصر للولايات المتحدة مقابلها.
الدراسة أبرزت التسهيلات اللوجستية التي قدمتها مصر لأمريكا، ودورها الكبير في تأمين مصالح أمريكا الإقليمية بالشرق الأوسط، كما أوضحت الدراسة – التي نشرت إعلاميا لأول مرة على صفحات موقع تقرير واشنطن يوم 27 مايو الماضي – المساعدات العسكرية التي قدمتها مصر في الفترة من 2001 إلى 2005 للولايات المتحدة مثل منحها عدد 861 بارجة حربية أمريكية تصريحات على وجه السرعة لعبور قناة السويس، مع قيامها بتوفير الحماية الأمنية اللازمة لعبور تلك البوارج، كما سمحت مصر لعدد 36553 طائرة عسكرية أمريكية بعبور الأجواء المصرية خلال الفترة نفسها لتحقيق أهداف عسكرية أمريكية تغاضى الموقع عن ذكر ماهيتها.
كما أوضح التقرير المساعدات المصرية لواشنطن في السودان والعراق بنشرها 800 جندي من قواتها المسلحة في منطقة دارفور غربي السودان عام 2004، وقيامها بتدريب 250 عنصرا في الشرطة العراقية و25 دبلوماسيا عراقيا خلال العام نفسه، ليؤكد الخبراء الذين قاموا بتحضير هذه الدراسة في النهاية أن الإعانات الأمريكية لمصر تساعد على تعزيز أهداف أمريكا الإستراتيجية في منطقة الشرق الإسلامي.
كل تلك المساعدات والتسهيلات المصرية لخدمة الأغراض الأمريكية لم تكن كافية لمنع هجوم صحيفة واشنطن بوست على نظام الرئيس مبارك الذي وصفت حكمه بالديكتاتورية، وطلبت من الإدارة الأمريكية العمل على إنهاء حكمه الذى ساعد على تغذية ما أسمته "التطرف الإسلامي" بما نشره من ركود وفساد.
وحذرت عدة وسائل إعلامية أمريكية إدارة بوش من الإستجابة لمخطط مبارك لتوريث الحكم لنجله، مما دفع ديفيد وولش – مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأدني – لنفي أن تكون زيارة جمال مبارك لواشنطن ولقاؤه بالرئيس جورج بوش وكبار المسؤولين الأمريكيين معناها تأييد الإدارة الأمريكية وراثته الحكم في مصر.
كما قال فريدريك جونز – المتحدث باسم مجلس الأمن القومي للبيت الأبيض – أن جمال مبارك جاء إلى واشنطن في زيارة عمل شخصية قصيرة، لكنه قابل الرئيس بوش ونائبه تشيني ومستشار الأمن القومي ستيفن هادلي ووزيرة الخارجية كونداليزا رايس بعد طلبه لمقابلتهم!.
وفي رأي عدة محللين، فقد كانت زيارة جمال الأخيرة لأمريكا بغرض تخفيف حدة التوتر في علاقات البلدين، بعد ما شهدته القاهرة من انتهاكات شديدة واعتقالات في صفوف المتضامنين مع القضاة المطالبين بالإصلاح، بينما قلل آخرون من أهمية هذه الزيارة مثل د. سعد الدين ابراهيم الذي قال في تصريحات حملتها شبكات الإنترنت أن جمال لم يحصل على دعم واشنطن ولا تعتبر لقاءاته بكبار مسئولي الإدارة الأمريكية إشارة خضراء لتمرير ملف التوريث، وتابع قائلاً أن الأمريكيين ليسوا بالحمق بحيث يعطون ضوءا أخضراً لشئ سيجعلهم يخسرون الشعب المصري كله، لإن كل تقاريرهم استخباراتية تؤكد أن الشعب المصري لا يقبل جمال مبارك الذي تنعدم شعبيته إلا في وسط رجال الأعمال.
ومن جانبه، فقد نفى النظام المصري في بيان كوميدي أن تكون زيارة جمال خطوة في إتجاه توريثه الحكم، مؤكداً أن اللقاءات كانت تقصد أن يقوم الأمين العام للجنة السياسات في الحزب الوطني بعرض الإصلاحات التي سيجريها الحزب على الإدارة الأمريكية!!.
وبالطبع لم يكن النفي كافيا لوأد التساؤل حول مدى قبول واشنطن لمبدأ توريث الحكم في مصر وما ستحصل عليه مقابل تمريره.
في بداية حديثه، أشار د. محمد السيد سعيد – الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية – إلى رفضه التدخل الأمريكي الفج والسافر في الشأن المصري الداخلي، إلا أنه أكد أن التغييب الكامل للشعب المصري عن الساحة السياسية هو ما يقوي العامل الأمريكي وينمي دورها في تأثير على مستقبل النظام المصري.
وقال د. سعيد أن الأمريكان أدركوا الآن أن الساحة المصرية خالية من أية بدائل للنظام الحالي عدا جماعة الإخوان المسلمين، وبرغم أن تصريحات رايس كانت تشير لإنتهاء موانع واشنطن النفسية تجاه حكم الإسلاميين إلا أن الموقف الراهن في الأراضي الفلسطينية المحتلة ودعم الإخوان الكامل والصريح لحكومة حماس سيقلل بشكل كبير أسهم جماعة الإخوان التي تصرح بعدائها الشديد لمنهج الإدارة الأمريكية الحالية.
وتابع د. سعيد كذلك فإن الضعف الشديد الذي وصلت إليه الليبرالية المصرية والغياب الكامل لليسار المصري يجعل واشنطن أمام خيار واحد هو النظام الحالي الذي يقبض على السلطة بيد من حديد، ويتحكم في مقادير الشعب المصري المقهور، مما يجعل معاندة أمريكا لهذا النظام مخاطرة كبيرة قد يتحملها المشروع الأمريكي ويؤثر على ثقلها ودورها في الشرق الأوسط.
وأضاف لذا فأمريكا لا تقوم سوى ببعض الضغوط لتخفيف الإحتقان الداخلي ولدفع النظام نحو إصلاحات داخلية تستجيب لحالة الحراك السياسي الراهنة وتمتص غضب الناشطين في الشارع المصري، خاصة مع شعورهم بمدى سلبية الشعب المصري نحو مستقبله وعدم مبالته بما يحدث من حوله.
وأكد د. سعيد أن وضع أمريكا الحالي بالمنطقة مع ما تلاقيه من خسائر في العراق وانقطاع اتصالتها بطهران والتوتر الراهن في علاقتها بسوريا والسعودية يجعل مخاطرتها بمصر خسارة كبيرة غير مأمونة العواقب وغير محسوبة التكاليف، خاصة لو كان البديل هو جماعة الإخوان المسلمين الرافضة لمشاريع الهيمنة الأمريكية على منطقة الشرق الإسلامي.
وأكمل د. سعيد قائلاً: لذا فالإدارة الأمريكية تنظر لملف التوريث على أنه صفقة ستحاول الحصول على أعلى المكاسب منها، وأشار إلى أن مصر قدمت خدمات كبيرة لواشنطن في الفترات السابقة إلا أن البيت الأبيض لازال يطلب المزيد خاصة في قضيتي فلسطين والعراق وفي إطار الملفات الساخنة مثل سوريا والسودان، موضحا أن أخطر ما قد تدفعه مصر كثمن لتمرير التوريث هو موافقتها على إرسال قوات عسكرية للعراق بدلا من قوات الإحتلال الأمريكية لاسيما وأن الفوضى الحالية ستجعل ارسال قواتنا للعراق هو قتل لأبنائنا بدون عائد.
وقال إن الإدارة الأمريكية ستطلب موقفا مصريا ضاغطا على حكومة حماس بغرض اسقاطها، وستدفع مبارك للعمل ضدها لمصلحة فتح، وهو الأمر الذي يقوم النظام المصري بتنفيذه حاليا، مما قد يكون خطوة كبيرة في مشوار توريث الحكم لجمال مبارك.
كما وضح أن مصر ستتحمل أعباءً إضافية في قضية السودان بغرض دعم الموقف الحالي والتوليفة الحالية التي ترضي صيغتها الولايات المتحدة، وإن كانت مصر قد قامت فعليا بإرسال قوات لدارفور إلا أنها تعتبر ثانوية في وجهة نظر أمريكا التي ستكالب بالمزيد في الفترات القادمة.
ويرى د. محمد السيد سعيد أن مخطط التوريث – إذا افترضنا تنفيذه – فلابد وأن يتم خلال العامين المقبلين بأن يقوم الحزب الوطني بترشيح جمال لإنتخابات رئاسية تجري في ظل حكم الرئيس الأب حسني مبارك، وسط دعاية كبيرة عن وعود الإصلاح والديموقراطية.
وقال وفق هذا السيناريو فإن رموز النظام الحالي سيدعموا جمال خوفا من قدوم جديد يقوم بعمليات تصفية سياسية على حسابهم، في حين سيظل الشعب المصري على وتيرة الإستسلام الحالية غير مباليا بما يحدث حوله في مستقبل بلاده، وعبر عن أسفه الشديد لما تمر به الوطنية المصرية من أزمات عميقة جعلت المواطن المصري مهمش ومغيب عن واقعه، داعيا النخبة الموجودة لإنعاش الحياة السياسية في المجتمع المصري، وطرح بدائل من داخلها تكون قادرة على استلام ناصية الحكم في المستقبل القريب.
وفي سياق متصل؛ لم يستبعد الكاتب الكبير فهمي هويدي أن تكون زيارة جمال بغرض الحصول على مباركة واشنطن لتوريثه الحكم خلفا لوالده، وقال إنه برغم كل ما حصلت عليه واشنطن من القاهرة في السنوات الأخيرة، إلا أنها ستطلب المزيد والمزيد؛ خاصة في إطار تحقيق مصالح دولة الكيان الصهيوني، حيث قد يساعد مزيد من التعاون المصري مع حكومة تل أبيب على تمرير ملف التوريث.
وأضاف هويدي وبذلك سيكون النظام المصري مرغما على ممارسة الضغط الشديد على الحكومات الفلسطينية لتليين جانبها حتى تخضع لإرادة الكيان الصهيوني.
ووضح هويدي أن مطالب واشنطن ستتطرق لملف العراق الذي لا تخفى على أحد نوايا الولايات المتحدة في توريط القوات العربية وبالأخص المصرية في مستنقع الحرب العراقية، وتابع هويدي إلا أنه حتى هذه اللحظات فإن الرئيس مبارك يؤكد استبعاد هذا الطرح ونفى بشدة فكرة ارسال قوات مصرية إلى الأراضي العراقية.
ومن ناحيته؛ أرجع د. محمد سيد حبيب – النائب الأول للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين – زيارة جمال لواشنطن لأمرين:
أولهما يخص رغبة النظام في اسكات الإنتقادات الأمريكية لأساليبه في قمع وسحل المعارضة المصرية لعرقلة تحركها السياسي، في حين يتعلق الثاني بالمحاولات المستمرة لتلميع جمال مبارك أمام الأنظمة الغربية وطرحه كبديل جيد يخلف والده في الحكم.
وقال د. حبيب أن أهم ما تطلبه واشنطن من النظام المصري لتمرير التوريث هو الدور الخاص بالقضية الفلسطينية التي تمثل مصر فيها محوراً هاماً من الممكن استغلاله للضغط على الفلسطينيين لصالح الكيان الصهيوني كما تفعل مصر حاليا بالضغط لإسقاط حكومة حماس.
وتابع د. حبيب كما يجب أن لا ننسى أن مصر دولة ذات ثقل استراتيجي كبير؛ لذا فإن واشنطن ستطالب بدور مصري يدعمها في إطار الملف النووي الإيراني وفي ملفات العراق وسوريا والسودان.
وأكد د. محمد سيد حبيب أن المخرج الوحيد للشعب المصري سيكون في تحرك القوى السياسية ونضالها لتحقيق الإصلاح المنشود، لتغيير المناخ الحالي المناسب لعملية التوريث، وذلك بالعمل على إنهاء حالة الطوارئ، ودعم القضاة الشرفاء في مطلبهم بالإستقلال، وإطلاق حرية الرأي والتعبير والقيام بكل ما يمنع توريث الحكم، وأضاف بأن الصورة الحالية قد تكون قاتمة إلا إنه ينبغي علينا ألا نستسلم ونقاوم بكل جهدنا وسنعلن بكل وضوح وصراحة رأينا الرافض – بكل حسم – لملف التوريث في مصر.
ومن جهة أخرى، يرى أنور الهواري – الخبير بمركز الأهرام الإستراتيجي ورئيس تحرير جريدة المصري اليوم السابق – أن الكلام عن التوريث هو من قبيل الخرافات التي تحكي قصة توريث جمال مبارك الحكم خلفاً لوالده بدعم من واشنطن التي تصورها "الخرافات" على أنها قادرة على جلب الحكام وإقالتهم.
وقال الهواري أن النظام السياسي في مصر راسخ وعتيق منذ عهد الفراعنة ويصعب بشدة على أحد تغييره، وأن الحديث الدائر عن الديموقراطية هو ترويج محلي لسلعة غريبة علينا لا تجد لها منتجا أو مستهلكا، وأن الشعب المصري يبغي العدالة والمساواة في الحقوق لا الديموقراطية بمفهومها الغربي.
ودعا أنور الهواري لإغلاق ملف التوريث والإنشغال بما يهم الشعب المصري في الوقت الحاضر من قضايا الصحة والتعليم، محذراً في الوقت نفسه من خطر الهيمنة الغربية التي تحتاج لفقيه سياسي مسلم يعمل بكل قوته لمواجهة خطرها ومحاربته، وقال إن محمد صلى الله عليه وسلم كان أحسن من فقه إلى خطر الغرب على المسلمين لذا أصر قبل وفاته على بعث جيش أسامة بن زيد لحدود الدولة الرومانية، مؤكداً أن واشنطن ما هي سوى روما الحالية وأن الشعوب الإسلامية تنتظر جيش أسامة.
في عالمنا الثالث، وتحت حكم الأنظمة المستبدة، تظل الإفتراضات والإستنتاجات هي السبيل الوحيد لإشباع حقنا الطبيعي في معرفة ما يجري في حاضرنا المشهود فضلا عن تصور ما قد يحدث في المستقبل في ظل الغياب المتعمد لمنهج الشفافية، إلا أن العامل المشترك بين مجمل المعطيات والتحليلات السياسية تؤكد خيبة جميع الرهانات على أية عوامل خارجية أو أجنبية عدا تلك المعقودة بإرادة المجتمع المصري وسعيه الحقيقي نحو التغيير والإصلاح.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق