محنة الإخوان وأزمة البحث عن ذهب

 

5-1-2007


على طريقة أفادتنا مصادر "عليمة" و"مطلعة"، جاء تحقيق الزميلة منى سليم حول الفقه الإخواني في التعامل مع المحن، وأدبيات الجماعة في صياغة تفسيراتها.

التحقيق في مضمونه يعاتب جماعة الإخوان على إغفالها أخطاء قراراتها السياسية والاستراتيجية والتي قد تكون السبب الرئيسي في ما يصيبها من نكبات، يسميها أولئك "المتصوفون" محن وابتلاءات مما يحرم عقولهم من فوائد التجارب الماضية بما لها وما عليها، ويعيق منهج التجديد الذي يجب أن تطبقه الجماعة لتغير ذاتها حتى يغير الله أحوالها.

الجماعة حكيمة

ولأن حسن النية مفترض بنص القانون، فإن الزميلة تلفت نظر الإخوان المسلمين إلى ضرورة قراءة مذكراتهم اليومية في ضوء المعطيات السياسية الحالية والقديمة، لا سيما وأن الجماعة ذات تاريخ عريق يوفر لها الحكمة الكافية في استخلاص الدروس والعبر، حتى ينصلح حال الفصيل السياسي الأهم في مصر، مما يعود بالنفع على مطالب الإصلاح والبلاد كلها.



إلا أن التحقيق كغيره من الأوراق العديدة المكتوبة عن جماعة الإخوان، جاء يفتقد للجذر والأساس قبل أن يفتقد الثمرة أو البناء، لهث وركض وراء فكرة سرابية يحسبها الظمئان ماءً حتى إذا جاءها لم يجدها شيئا، لتدرك بعد ربع ساعة كاملة تفنيها في قراءته أن كل ما بني على باطل فهو باطل، فكيف إذا بنيت نتيجة واحدة على أباطيل كثيرة.



أما أول الأباطيل فقد أوردته أسئلة التحقيق الافتتاحية حين ألمحت بكل ثقة إلى "قدرية" الإخوان المسلمين التي تلزمهم مقاعد انتظار المحنة المقدرة عليهم – حتمًا – كدعاة، دون أن يمحصوا أسباب نزولها بهم قبل تمحيص صفوفهم، في إنكار واضح لأهم ما تميزت به حركة الإخوان منذ ظهورها من فلسفة نقد الذات وثقافة الاعتذار.

نذير الفتوح

دليل ذلك هي سلسلة بيانات الاعتذار وتصحيح المواقف الممتدة بطول تاريخ الجماعة، بداية من رسائل الأمة الناهضة ومقالات البنا في جريدة الإخوان المسلمين ومجلات النذير والمنار والفتح والشهاب وغيرها والتي كانت تتعرض لأدواء الجماعة وأخطائها وتحدد العلاج العملي بعد التجهيز الروحاني، ومرورًا بمراجعات الإخوان الفكرية التي أثمرت كتاب دعاة لا قضاة بعد الصدام مع عبد الناصر وحتى تصريحات الدكتور عصام العريان التي أكدت أكثر من مرة أن الجماعة تراجع باستمرار العديد من الأفكار التي تحملها والوسائل التي تنتهجها بما فيها ما خطه وقاله مؤسسها الإمام الشهيد.

أصقاع

د. عصام العريان يرى أن الصف الإخواني هو المسئول الأول عن ما يحل بالجماعة من بلاءات على أساس أن "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من مصيبة فمن نفسك"، بل هو يحمل أعضاء الجماعة مسئولية المحن والشدائد التي قد تصيب إخوانهم المسلمين في شتى أصقاع الأرض، مسترشدا بأحداث غزوة أحد وكيف أن خطأ الرماة تحمله الجيش المسلم كله ولم يصيب المخطأين وحدهم.



وقال العريان إن جماعة الإخوان لا تدعي العصمة أو أنها تحمل قدر الأنبياء فهي حركة إنسانية أولا وآخرًا تصيب الحق كما قد يجانبها الصواب، واعتذار الجماعة عن موقف طلاب الأزهر والعرض الرياضي الذي قدموه في سياق احتجاجهم على ممارسات إدارة جامعتهم ليس منا ببعيد، فقدر ابن آدم هو الخطأ وخلاصه في مراجعة النفس والتعلم من الأخطاء.



وهذا ما تفعله جماعة الإخوان لأن أبنائها ليسوا "دراويشًا" بالمفهوم المصري منحصرين في جزء ضيق من العبادات ويعيشون زهدًا انهزاميًا ينتظر البلاء، ولكن بينهم نخبة من كبار المفكرين والمثقفين والسياسيين الذين شهد لهم العديد من صفوة المجتمع وعلى رأسهم فهمي هويدي ويحيى الجمل وحسن نافعة.



وربما يكون التحقيق محقًا في ذكره دور مصطفى مشهور وعلي جريشة ومحمود الصباغ في إنشاء ما يسمى فقه الابتلاء والسجون للأجيال اللاحقة، وبدون شك فقد كان لنقل تلك التجارب إلى جيل الإخوان الثالث وما بعده الأثر الأكبر في حالة الصمود الكبيرة التي أبدتها تلك الأجيال، إضافة إلى ما أظهرته من صبر بل ورضا عند مواجهة البطش الأمني، والأهم هو ما ورثته من شموخ وثقة بالنصر مهما لاقت من عوائق في الطريق.لاتقربوا الصلاةوبعد الله سبحانه؛ فإن الفضل في ذلك يرجع لمدونات مشهور وتعاليم جريشة وتربية الصباغ وغيرهم من أقطاب الإخوان، الذين أغفل التحقيق ذكر براعتهم التنظيمية والحركية والتي كان لها أكبر الأثر في وضع الجماعة على رأس كبريات الحركات الإسلامية في العالم كله.



أغرب ما في الموضوع أنه تعرض لمقال الدكتور مجدي الهلالي المنشورة في موقع "إخوان أون لاين" بعنوان "كيف تستفيد الدعوات من الابتلاء" فنقل للقارئ أولى فقرات المقال على طريقة "لا تقربوا الصلاة" دون أن يقدم خلاصة رأي الكاتب الذي حلل في عمق شديد وبساطة يُحسد عليها حدث الابتلاء ومسئولية المبتلى عنه وتجاهه، بل إن اتهام الهلالي للصف الإخواني سبق جميع الأسباب التي أوردها لوقوع الابتلاء الذي وصفه بأنه " أحد الأحداث غير السارة التي تمرُّ بالدعوة، فلا يوجد مَن يتمنى وقوعه،



بسبب ما يخلفه من اضطرابٍ ولو وقتي في الحركة، وتعطيل بعض أعمالها، وحرمانها من كفاءاتٍ تحتاج إليها، فهو في بعض الأحيان يعود بالدعوة إلى الوراء"، وهو مقال جدير بالقراءة لفهم تحليل الإخوان للمحن بعيدًا عن مهاترات انتظارها "للعيش في أدبياتها دون فهم حقيقتها ومعناها" كما يدعي الكثيرون، فالفرق كبير وواضح بين من ينتظر المصائب والمحن ومن يجد لتلافيها وتوقي أضرارها مع الرضاء بها حال وقوعها.

الصفعة بالصفعة

وإن تعجب فالأعجب هو تأكيد الباحث حسام تمام افتقاد جماعة الإخوان لوضع التصور الاستراتيجي في اللحظة المناسبة، رغم أن رد الفعل الواحد من الجماعة تجاه ما يقابلها من بطش وتنكيل يؤكد تمامًا أنها تعمل باستراتيجية ثابتة وواضحة ترفض مقابلة العنف بالعنف والتصعيد بالتصعيد، لأن السياسة – كما يقول الخبير الاستراتيجي ضياء رشوان – تختلف عن "الخناقة"، ففي الشارع الصفعة ترد بالصفعة والركلة ترد بركلة والغلبة ربما تكون لصاحب الصوت الأعلى، أما في السياسة فإن رد فعلك الغير مباشر هو الأهم في وصولك لما تريد، ويؤكد رشوان أن جماعة الإخوان تفقه ذلك تمامًا فهي لا تورط نفسها في رد فعل عنيف أيًا بلغ فسيكون محدود الأثر وبالغ الضرر، وقد يدفعها لمواجهة واسعة تخسر فيها العديد من المكاسب التي حققتها على مدار السنوات الماضية.



ويرى د. ضياء رشوان أن حركة الإخوان تمتلك استراتيجية واضحة وعميقة منذ تأسيسها وحتى الآن لا تخطئها أعين المتابعين، وسياسة "الصبر والاحتساب" تجاه ضربات الأمن ثابتة وناجعة، فالجماعة ترفض تمامًا أي نوع من التصعيد في أحداث وقتية وطارئة قد تسبب خسارة فادحة، وتراهن على الأمد الطويل والبعيد الذي يكفل تحقيق المكاسب الحقيقية، وقال إن المتابع للجماعة منذ منتصف التسعينيات يرى مؤشر حركتها التصاعدي رغم أنها واجهت خمس محاكمات عسكرية واعتقل من كوادرها قرابة 25 ألف فرد، ولكن ذلك كله لم يمنع انتشارها المستمر في الشارع، فبعد أن كان لها نائب واحد في برلمان 95 صار نوابها 17 في برلمان 2000 قبل أن تحصد خمس مقاعد مجلس الشعب في عام 2005، فالانتشار وتأييد الشارع هما علامات التقدم وليس في حماقة ردود الأفعال.

فينه ورد الثبات

لم ينس تحقيق الزميلة أن يقدم لنا معلومات جديدة قد لا تعرفها ولكنت فردًا من جماعة الإخوان مثل ذكره "أوراد الثبات" التي حيرت أفهام كثير من أفرادها بل ومن المعتقلين السابقين منهم دون أن يعرفوا لها أصلا، وكذلك ما جاء على لسان جمال البنا عن أزمة القيادات التي لم تزر المعتقل واختيار مهدي عاكف مرشدًا لأنه قضى عشرين عامًا داخل السجون، فقد سار البنا فيه على نهجه في تقديم الجديد "المستنير" لذاكرة الأمة مثل تحليله زواج المتعة ولو بدون شهود وقوله بعدم شرعية الحجاب وإباحته للتدخين في نهار رمضان، والأجدد كان في أقوال صلاح عيسى التي سيتكفل تاريخ الرجل وعلاقته بالسلطة بالرد عليها.



ليس من حقك كقارئ مطالبة الصحفي بخط ما تحبه عيناك من تشكيلات الحروف والكلمات، ولكن حق المطالبة أصيل ببذل الجهد في التحقيق وتعميق الفكرة، لأن ليس كل ما يلمع في الرأس ذهبًا يستوجب الإعلان، وقد كان للزميلة اجتهادات نحسبها نالت عنها أجرين، أما التحقيق السالف فأغلب الظن أنها نالت عنه أجرًا واحدًا.. والله أجل وأعلم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق