غزة.. خلي النفاق صاحي!

1-2-2008

"يعني ينفع اللي عملته حماس في سيناء، عايزة تحتلها هي كمان ولا إيه؟"..
أول مرة سمعت هذا الكلام قلت عادي واحد "مدسوس" من أنصار التطبيع، ثاني مرة قلت واحد مضحوك عليه لا يفهم في "السياسة"، لكن تكرار السؤال من الأصدقاء والأقارب الذين تعرفهم جيدًا يؤكد أن الأمر ورائه (إنّ) كبيرة من التي لا تنصب مبتدًأ أو ترفع خبرًا..
صدق من قال: "الزن على الودان أمّر من السحر"، وإن شوية الأخبار الكيدية والمقالات التي تسطر بالصحف الحكومية قادرة على تغيير وجهة نظر قطاع كبير من الشعب المصري تجاه حماس.
لكن نرجع ونقول المصري هذه المرة معذور، فالحملة الإعلامية لم تدر فقط بالصحف الحكومية بل دارت في كثير من المنابر المستقلة سواء المقروءة أو المرئية أو حتى عبر الأثير، كلُ أدارها لصالحه وتأييدًا لمنهجه. كافة أشكال التحريضفي جرائدنا الحكومية التحريض "كان للركب" وبكافة الأشكال والمقاسات، بدءً من الحديث عن أمن مصر القومي الذي َتهدد بفعل اقتحام الجوعى للمعبر بحثًا عن الطعام والوقود، وحتى الحديث عن المؤامرة الكبرى التي نفذتها حماس بالاشتراك مع إسرائيل وبإيعاز من سوريا وإيران وبدعم كاملٍ من الإخوان المسلمين في مصر.
أما كيف اتفق هؤلاء على مصر؟، فهو السؤال الذي قد لا تصدق أنك مضطر بأن توجهه لجرائد كبرى مثل الأهرام والأخبار المصرية، بل وجريدة الوفد التي نشرت ذلك في مقال عباس الطرابيلي رئيس تحريرها وعضو الهيئة العليا للحزب دون أن يكشف عن المصدر الذي سلمه هذه المعلومات الخطيرة.
وخلص تحليل الأهرام في أحد أعدادها إلى أن "حركة حماس بالفعل ـ وليس بالمبالغة والتراشق ـ تنفذ مؤامرة هي بكل مقياس جريمة تهبط إلى مستنقع الخيانة في حق الشعب الفلسطيني ومستقبله ووجوده ذاته".
وأضاف: أن هذا ليس بمستبعد فان نشأة حماس نفسها كان بدعم ومساعدة من المخابرات الإسرائيلية بقصد التصدي ومواجهة منظمة التحرير الفلسطينية التي اعترف العالم كله ـ وليس فقط العرب ـ إنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني‏..‏ أي لكي تعمل‏'‏ حماس‏'‏ علي انقسام الحركة الوطنية الفلسطينية وتفتيت قوتها"‏!.‏
مستنتجًا "عدم استبعاد الاتفاق بين حماس وإسرائيل علي تجويع الفلسطينيين في غزة ليندفع البؤساء من جحيم غزة إلى نعيم سيناء‏..‏ وتحرضهم حماس على هذا‏..‏ والهدف ـ المتفق عليه مع إسرائيل ـ هو الإقامة في سيناء‏..‏ كبداية لتنفيذ الوطن البديل‏..‏ وإنشاء غزة الكبرى بقيادة حماس لتكون دولة إسلامية بجوار الدولة اليهودية‏..‏ وفي وقت لاحق ينسفونها بما فيها‏".غزو عسكري"روزا اليوسف" لم تكن أقل شططًا وهي تصف عبور الفلسطينيين إلى رفح بأنه غزو عسكري، قارنت بينه وبين اقتحام قوات صدام حسين حدود الكويت عام 1990، وقال رئيس تحريرها عبد الله كمال: "أن صدام كان لديه ما يبرر اقتحام قوات جيشه لحدود دولة عربية شقيقة، ووقتها قال أنه لا توجد حدود بين الدول العربية.. تماما كما قال خالد مشعل قائد الغزوة الأخيرة"، قبل أن يؤكد بصورة قاطعة أن "الإخوان المسلمين هم الخطر – الأعظم – على الأمن القومي لمصر".
أما كلمة دار "أخبار اليوم" فقد بدت – ظاهريًا – ضد رغبة الرئيس الذي صرح بأنه لن يسمح بتجويع غزة، ونشرت على لسان الرئاسة: "لن نسمح بتكرار ما حدث" لتؤكد أن "الإدارة المصرية ستمنع تكرار ما حدث من اقتحام معبر رفح أو الحدود المصرية التي رجعت لأهلها بالحرب والسلام، ولن يتم التفريط في شبر منها، برغم كل مخططات حماس والإخوان لإثارة القلاقل وتضييع الحقوق الوطنية".
وأعلنت جريدة الأخبار انفرادها بسبق صحفي يكشف "عن مخطط مشترك واتفاق بين حركة حماس وجماعة الإخوان في مصر للتصعيد وإثارة الجماهير المصرية لتفجير الأوضاع في مصر"، وأوضحت "أن المؤامرة تمت من خلال اتصالات تليفونية بين حركة حماس وعناصر من الجماعة المحظورة إلا أن أجهزة الأمن – مشكورةً – استطاعت إحباط الانقلاب الخطير بعد أن ألقت على بعض العناصر الحمساوية وبحوزتهم أسلحة ومتفجرات".
أما عن مقالات الرأي فحدث ولا حرج، فقد اجتمعت – قدرًا – على تحميل حماس مسئولية "الاقتحام الأخير"، فمسعود الحناوي في الأهرام نبه "الأشقاء الفلسطينيين لأن يدركوا أن حدودنا حرمات يجب ألا يقربوها‏..‏ وأن لصبرنا حدود ينبغي ألا يستنفدوه‏..‏ وأنه مهما كان حبنا لهم كبير وتعاطفنا معهم شديد‏ فإن عشقنا لوطننا أعمق وأهم وأبقى"!.
وهذا العشق قد تتضح صورته أكثر مع تأكيد ياسر أيوب في جريدة (المصري اليوم) أن "حبة رمل مصرية أغلى من غزة كلها"، مفسحًا المجال لأحمد المسلماني في الجريدة نفسها ليقول: "تكبير سكان غزة أثناء عبور الحدود يعني فتح حماس المسلمة لمصر الكافرة".
معداش على مصر
أما أحمد رجب فقد هنئ خالد مشعل في الأخبار قائلا: "مبروك عليك غزو مصر"، في حين أكد عليّ الدين هلال بالأهرام أن المصري إذا رضي بقتل أبناءه بأيدي جنود الصهاينة الحدود فإنه "لا يمكن للمصري أن يقبل التجاوزات التي تمت وعبرت عن استخفاف بمعاني الدولة والسيادة والحدود، عندما اقتحم الجوعى سيناء بحثًا عن ما يس رمق أبنائهم في مصر الشقيقة.
أما تصريحات هلال في ملتقى طلابي بأن الانفلاتات قد تكون من جواسيس مدسوسة بين العابرين، وأن أهم أسباب موافقة النظام على عبورهم كان لتذكير أمريكا وإسرائيل بأن مصر بين يديها أوراقًا سياسية لازالت صالحة للعب بها عند الحاجة، فلم نجد صداها في الصحف الحكومية التي اكتفت بنشر تهديداته للفلسطينيين.
وكالة أنباء الشرق الأوسط لم تغب عن الحدث وهي تنشر بصورة مستفزة تصريحات وزير الخارجية أحمد أبو الغيط حذر فيها من "أن بلاده لن تسمح باقتحام حدودها ثانية", مؤكدا أن "من سيكسر خط الحدود المصرية ستكسر قدمه".
التصريحات العنيفة التي كانت على غير عادة أبو الغيط, جاءت خلال مقابلة أجراها معه التلفزيون المصري، الذي قد يضطر لاحقًا لحظر أغنية شادية أصله "معداش على مصر" حرصًا على أرجل المارين ممن قد تغريهم الأغنية للتعدية والتعرف على مصر.

دون قيد أو شرط
المستشار طارق البشري – المؤرخ ونائب رئيس مجلس الدولة السابق – يرى أن الجهل ثم الجهل هو أهم سمات حملة التحريض التي شهدها الإعلام المصري خلال الأيام السابقة، ويقول أن أي شخص يفصل بين الوطنية المصرية والقضية الفلسطينية هو جاهل تمامًا بالتاريخ الذي يبرهن منذ عام 1945 أن فلسطين أصبحت جزء لا يتجزأ من قضيتنا الوطنية.
وأكد البشري أن التحريض ضد حماس حمل الخط نفسه الذي يناهض المقاومة ويدعو للتطبيع أو الاستسلام لإسرائيل دون قيد أو شرط، واستغل الظرف لدعاية جديدة مضادة للمقاومة وحتى للسياسة الرسمية التي بدت متوازنة في سماحها للفلسطينيين بعبور الحدود دون ضغط أو قتال.
أمّا الدكتور شعبان شمس الدين – عميد كلية الإعلام بجامعة 6 أكتوبر – فهو لا ينكر أن العديد من أصوات المحرضين ضد حماس كانت من أفواه مندسة ومأجورة، إلا أنه يرفض وصف الأمر بحملة تحريض ضد حماس والفلسطينيين، ذلك أن العديدين وهو منهم استشعر خطرًا شديدًا مع اقتحام مئات الآلاف للحدود المصرية أيًا كانت الدوافع أو المبررات الإنسانية.
ويشير د. شعبان إلى أن الحدث الأخير ذكرنا بالخطط الصهيونية لترحيل غالبية الفلسطينيين عن غزة بنشرهم في سيناء وصحراء النقب، وقال هذا ما لا يرضى به أحد، لذا لابد من الحفاظ على التوازن بين مراعاة حقوق إخواننا الفلسطينيين وسيادتنا على أراضينا وسياستنا مع الدول الأخرى والكبرى.
حملة أبو تريكة
"تعبير لفظي يعوض العجز عن المنع الفعلي لفتح الحدود"؛ هكذا ينظر الدكتور حسن بكر – أستاذ العلوم السياسية بجامعة أسيوط – إلى التحريض الإعلامي الدائر ضد حماس وغزة، ويقول: "النظام لم يسمح بعبور الفلسطينيين الذين اقتحموا معبر رفح عنوة، ولم يكن للقوات المصرية أن تعمل على منعهم حتى لا تقع مجزرة سيرفضها الشعب المصري بكل حدة، خاصة مع الحملة الشعبية المتضامنة مع غزة والتي عبر عنها أبو تريكة في بطولة أفريقيا لكرة القدم".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق