الفرشة هي الحل

20-1-2006

تخرَّجت من سنوات ولا تجد وظيفة.. لن تستطيع العمل في شركة (بابي) لأنه أصلاً لا يملك واحدة.. تفتش في دائرتك فلا تجد (أونكل) يعينك في إحدى الوظائف، لا تيأس ولا تحزن فلن تكون وحيدًا في شارع البطالة، انظر حولك لتجد حوالي ستة ملايين شاب لهم مثل ظروفك ويعانون مثل معاناتك، فقط بضعة آلاف منهم استطاعت أن تجد الحل، نعم لا زال هناك حل، لا تتوجَّسْ أو تَرتبْ فلن نحاولَ السطوَ على جنيهاتك القليلة مقابل تعيين وهمي كما تفعل شركات النصب والاحتيال هذه الأيام، كل ما نطلبه منك هو أن تتخلَّى قليلاً عن ما يُسمَّى (البرستيج) وعن عبارة "أنت أكيد بتهزر؟"، ولتدعْ أصحاب التجربة- وهذا الشرط الأخير- يقدِّمون لك الحل.

"أنا لن أجلس في بيتي أنتظر دوري في القوى العاملة لأنه لن يأتي، ولكني سأنزل إلى الشارع وأبحث عن مصدر لرزقي وعن (لقمة عيشي)".. هكذا لخَّص عيد الحل من وجهة نظره ونظر العديدين ممن يفترشون الأرض أسفل كوبري أكتوبر بميدان رمسيس.

المناداة على السلع بكلمات مقتضبة ومفسرَّة تشبه العناوين الإخبارية علمته الردَّ السريع الوافي، فقال اسمي عيد وعندي 37 سنة، أقيم بدار السلام، وحاصل على معهد فني صناعي عام 1987م..

عيد متزوج وعنده طفلان أكبرهما في السادسة من عمرها، كان همه عند التسجيل أن يصلَ صوتُه إلى الجميع كي يجأرَ بظلمِ الحكومة التي لم ترحمهم عندما تركتهم في الشارع دون وظيفة، وتريد أن تمنعَ رحمةَ الله عندما تطاردهم بلديات المحافظة وشرطة المرافق ليلَ نهارَ لمنعهم من البحثِ عن رزقِ أسرهم أو لإجبارهم على دفع "اليومية" أو "الأتاوة" لضباط وأمناء الشرطة كي يتركوهم في حالهم.

مرمطة
ورغم عدم استفادة عيد من مؤهله الدراسي إلا أنه يأمل في تعليم أبنائه تعليمًا "جيدًا" حتى لا يصيبهم ما أصاب أباهم، وبرغم يأسه الكامل في الحصول على وظيفةٍ حكوميةٍ محترمةٍ إلا أن الأمل لا زال يداعبه بين الحين والآخر يغريه بإمكانية تعيينه في "الميري" كي يكفيَ نفسَه المشقةَ و"المرمطة" التي يراها في الشارع كلَّ يوم على حدِّ تعبيره.

حاتم لا يوافق عيدًا في رأيه، مؤكدًا أنه لا يريد وظيفة الحكومة التي لن تعطيَه سوى 150 جنيهًا شهريًّا وبعض الفتات كحوافز كل سنة، حاتم عمره 35 سنة، لم يتزوج بعد ويأمل في الزواج قريبًا بعد أن أستطاع العمل على الرصيف في تدبير المتطلبات الرئيسة للزواج، الشيء الوحيد الذي يؤرقه ويغيظه هو هؤلاء الجنود والضباط الذين تركوا "الحرامية" وتجَّار المخدرات وتفرغوا لمطاردة "الغلابة" الذين يبحثون عن رزقهم بالحلال.

الحذاء على الرصيف ثمنه لا يتجاوز العشرين جنيهًا (حوالي 4 دولارات)، أتى به هؤلاء البائعون من الورش الصغيرة بمنشية ناصر وباب الشعرية ومسطرد، وهو في رأيهم لا يقل كفاءةً عن نظيره بالمحلات التي يباع الحذاء فيها بأضعاف الثمن؛ لأن افتراش الأرصفة يوفِّر نفقاتِ إيجار المحلات ومصاريفها من كهرباء وعمالة بالإضافة للضرائب.

وكما ستجد بين الباعة أعمارًا مختلفة.. صبيةً وشبابًا وكهولاً، تستطيع أيضًا إذا أرهفت سمعك لنداءات الباعة على بضائعهم أن تلحظَ لهجاتٍ عديدةً وكلماتٍ إقليميةً جاءوا بها من بلادِهم في صحبةِ أحلامهم بتوفير مسكن والقدرة على بناء أسرة، فهذا طاهر من ديروط بمحافظة أسيوط وصلاح عياض من مركز أبو تشت بمحافظة قنا وغيرهم من مدن الوجه البحري والقبلي.

الكل يريد أن يحكيَ لك مشكلته علَّه يجد عندك الحل، أن يجد لقمة عيشه ويعيش باحترامه دون أن يطاردَه أحد، ولكن إشارة مراقب الطريق "الناضورجي" أنهت اللقاء سريعًا مع انتفاضة الباعة وجريهم ببضاعتهم، حيث يختبئون حتى لا يقعوا في قبضة رجال الشرطة التي لا ترحم.
تجارة إنجليزي!

عبرت الطريق إلى الرصيف المقابل من شارع رمسيس، حيث مسجد الفتح بمئذنته الأعلى في مدينة القاهرة، وحيث نصب البائعون أسواقهم المتجولة ببضاعتهم الرخيصة.

لم تفلح خطواتي المتردِّدة في الابتعاد كثيرًا عنه، كنت حقيقةً أخشى أن أعطِّلَه عن عملِه الَّذي يبدو أنه في بدايتِه، ولكن طريقة هندامه كانت تدل على ذوق رفيع قلما تجده في فانتازيا الملابس بمصر، عرفته بنفسي وبرغبتي في الحديث معه، فرد عليَّ بإنجليزية سليمة يعرفني باسمه ومهنته ومؤهله.

لم يخب حدسي معه فهو حاصل على بكالوريوس تجارة إنجليزي من جامعة حلوان عام 2004م واسمه محمد زكريا أو محمد الناظر كما يحب أن يناديَه أصحابه، العمل الحالي بائع أقمصة شبابية (تيشيرت) على "فرشة" بميدان رمسيس.. محمد لم يعملْ قط بمؤهله منذ تخرجه إلا لو اعتبرنا - مثله - أن العمل كأمين مخزن بإحدى الشركات هو ما يناسب مؤهلَه الدراسيَّ والعلميَّ الذي ربما لم يستفدْ منه إلا عند تقدمه لخطيبته الحاصلةِ على بكالوريوس خدمة اجتماعية.

الناظر يعتبر أن البحث عن وظيفة هذه الأيام ميزة مقصورة على أصحاب الإمكانات المادية الذين يستطيعون شراءَ الجرائد ويملكون كلفةَ الانتقال من مكان لآخر ومصاريف التردد باستمرار على المواقع التي تطلب موظفين لديها، قال: أنا لا أستطيع أن "أركن" في البيت لأنتظرَ نتائجَ مقابلات لوظائفَ يعرف المتقدِّمون لها سلفًا نتيجتها، وهذا ما دفعني مبكرًا لسوق العمل، فاشتغلت في أكثرَ من مهنةٍ وأكثر من مكان قبل أن استقرَّ في رمسيس منذ عام على "فرشة" لأحد التجار، نبيع عليها منتجات ورش الملابس الصغيرة لزبائن لا تستطيع الشراءَ من "المولات" والمحلات الكبيرة.

قد يكون ما أحصل عليه ضئيلاً بالنَّظر إلى عملي ساعاتٍ طويلة متصلة، يقول محمد: إلا أن الخيارات أمامي ليست عديدة، فليس هناك بديلٌ يستطيع أن يوفِّرَ ولو عشرة جنيهات يوميًّا في سوق العمل الحالي؛ لذا سأظل أعمل كبائع على الرصيف ما دمت احتاج لهذا العمل حتى بعد زواجي؛ لأن عملي الحالي لا يعيبني، وأضاف قائلاً: أخي الأكبر صاحب معمل تحاليل طبية وأختي الكبرى مهندسة، لكني أيضا لست عاطلاً وأفخر بعملي الذي يعولني ويكفيني سؤال القريب والبعيد.

محمد كرفاقه لا يشكو سوى من "مرافق" المحروسة التي قصمت ظهورَهم من رفع ووضع البضاعة، خاصةً عند مرور "رتبة" بشارع رمسيس، أما الكساد الذي يشهده سوق الملابس وعدم الاستقرار الذي يهدِّد وظيفته الحالية فهي "أرزاق" لا تشغل بال الناظر الذي يرضيه أن الله سبحانه متكفلٌ بها.

ودعني الناظر بكلمات ودودة لأتركه مع زبائنه، زبائن (عالم ما بعد منتصف الليل) كما يحب الناظر أن يسميَ السناريو الذي يكتبه حاليًا بسنين عمره وأيام شبابه.

سنترال متنقل
إذا كنت من المتردِّدين على شارع طلعت حرب بوسط القاهرة وتحديدًا أمام السنتر التجاري الكبير في منتصف الشارع، فإن أذنيك لن يخطئا بكل تأكيد وقع هاتين الكلمتين "موبايل.. موبايل"، خاصةً مع الجرس الممطوط الذي يضفيه "هاني" عليهما.

هاني (37 سنة) حاصل على دبلوم تجارة، وهو واحد من آلاف الشباب الذين أضرَّ بهم قرارُ إلغاء المنطقةِ الحرة بمدينة بورسعيد، حيث كان يعمل في مجال بيع وشراء الملابس الجاهزة قبل أن تحوِّلَه أزمة بورسعيد- على حد تعبيره- إلى عاطلٍ لا يستطيع تحمل نفقاته الشخصية ناهيك عن مساعدة أسرته التي نزحت من محافظة سوهاج بصعيد مصر إلى منطقة شبرا للبحث عن مصدر رزق بمصر أم الدنيا.

يقول هاني: ذات يوم كنت أقف على الكورنيش، فسألني أحد المارَّة عن أقربِ مكان به تليفون محمول، وبدون تردُّد أخرجت له هاتفي الذي كنت استخدمه سابقًا في تجارتي ببورسعيد، وبعد أن تكلمَ الرجل ودفع لي ثمن مكالمته كنت قد اتخذت قراري بالعمل في هذه المهنة، ولكن في مكان آخر غير طريق الكورنيش احترامًا لرفاق المهنة الجديدة الذين يحملون سنترالاتهم على ضفاف النيل.

في البدايةِ واجه هاني معارضة الأسرة و(تغليس) الحكومة ومضايقات الشرطة ورجال المباحث الذين اعتادوا على رؤيتِه كلَّ ليلة، محتجزًا بالقسم بتهم عديدة مثل (أنت واقف في الممنوع) ومزاولة مهنة بدون ترخيص وإشغال طريق، وغير ذلك من الادعاءات التي لم تمنعه من العمل بمهنته الجديدة، فما أن يخرج من القسم حتى يجده رجال الشرطة في محل عمله من جديد يحمل هاتفه المحمول وينادي على زبانئه الذين يعتبرونه علامةً من علامات شارع طلعت حرب وصاحب أشهر سنترال هاتفي (متنقل) في منطقة وسط القاهرة.

الشرطة بدورها عقدت معه اتفاقًا غير مكتوب يسمح له بالعمل بعد أن تيقَّن رجال المباحث من أنه (نظيف) أي لا يتاجر في المخدرات أو العملات الأجنبية.

وبرغم الدخل الجيد الذي تدره المهنة الجديدة على هاني إلا أنه يطمح إلى بناء مشروع يتسم بمزيدٍ من الاستقرار؛ حتى يستطيعَ التحرك بشكلٍ جدي في مشوار الزواج وتحقيق حلمه ببناء أسرة، فمشكلة عدم الاستقرار وعواصف المرافق التي قد تغدر به في أي وقتٍ هما ما يعتبرهما هاني التهديد الحقيقي في حياته الحالية، وذلك إذا وضعنا في الاعتبار عدم التفاته لكلام الناس ونظراتهم وتحمله لاستهزائهم بسبب اقتناعه بأنَّ العملَ الشريفَ لا يعيب أحدًا وأشرف من التسكع في شوارع البطالة.


ذكريات التكافل
وفي معرض تعليقه على هذه الظاهرة قال الخبير الاجتماعي د. صلاح الفوال: إنَّ البطالةَ المستشرية في أوصال المجتمع هي ما تدفع هؤلاء الشباب للعمل في مهن لا تناسب مؤهلاتهم أو ربما لا تتناسب مع مستواهم الاجتماعي، وهو ما قد يتسبَّب في بعض المشكلات النفسية الناتجة عن نظرة المجتمع الخاطئة لهذه المهن، لاسيما وأن الإعلام عندنا- والكلام للفوال- تافه وسطحي، ولا يناقش أيَّ قضية هامة بشكلٍ جدي، وأفلامه ومسلسلاته لا تحكي سوى قصص الحب والزواج والطلاق، والأسوأ من ذلك كله هو إبراز أصحاب هذه المهن المتواضعة بشكلٍ مزرٍ يدفع الشباب للهجرة خارج البلاد والعمل في غسيل أطباق مطاعم أوروبا وفنادقها لكي يتجنَّبَ نظرة أبناء بلدته المستهزئة به وبمهنته.

والفوال كما يطالب المجتمع بتحسين نظرته لهؤلاء الذين نزلوا للشارع والسوق لتحمل نفقاتهم ومساعدة أسرهم فهو أيضًا يطالب باستعادة ذكريات التكافل الاجتماعي حين كان المجتمع يكفل أبناءه ويساعدهم، وذلك بأن تؤسس جمعيات خيرية بتبرعات أهلية يمكن إقراضها للشباب دون فوائد لفترات معينة تمكنهم من القيام بمشروعات صغيرة، يبدأون بها حياتهم العملية والاجتماعية؛ لأن الحكومات لن تقدِّمَ حلولاً لأبناء الشعب المصري فضلاً عن كونها أصل داء البطالة في مصر.

جامعة الحياة
وفي بداية حديثه أكد الخبير الاقتصادي ممدوح الولي تأييدَه لتشجيع ثقافة العمل الحر، معتبرًا الشهادات الدراسية التي يحصل عليها الشاب هي مجرد رصيد علمي يضيف لثقافته الشخصية، في حين أن مهارات الحياة- وهي الأهم- تلزم الشباب بالنزول لسوق العمل لتعلمها وتأهيل نفسه لمتطلبات العمل في مصر.

وقال الولي: إن هناك داءً وآفةً قاتلة عندنا تُسمَّى ثقافة العمل المكتبي أو الحكومي، وهي ما تجعل العديد من الشباب يُحجم عن تعلم مهارات فنية يتطلبها السوق، بل وقد يستقيل من وظائف جيدة وتدر أرباحًا كبيرةً إذا ما لاحت له فرصة العمل بالقطاع الحكومي، وليس أدل على ذلك من أنَّ مصرَ التي بها قرابة الستة ملايين عاطل يهدِّد فيها أصحاب مصانع الملابس والنسيج بجلب عمالة من الخارج؛ لأن الشباب يتعفَّف عن العمل اليدوي أو الفني؛ خوفًا من نظرة المجتمع من حوله، وهو ما ينذر بكارثةٍ قوميةٍ بسبب الزيادة الهائلة في عدد الموظفين مقارنة بعدد العمال والحرفيين، ويكفينا أن نعرف- والحديث ما زال للولي- أن نسبةَ الموظفين في مصر إلى عدد السكان هي موظف واحد لكل تسعة مواطنين، في حين أن النسبة في دولة مثل بريطانيا هي واحد إلى خمسين.

والحل في رأي الولي بأن يغيِّرَ المجتمع نظرتَه للعمل اليدوي والحرفي مثل ما فعلت محافظة دمياط التي لا يوجد بها من لا يتقن عملاً يدويًّا أو من ليس لديه مشروعه وتجارته الخاصة بعيدًا عن العمل الحكومي، ولا غضاضةَ هنالك من أن يتزوج غير المتعلم والحرفي من جامعيات؛ لأن نظرة المجتمع العملية ترفع من قدر العمل الفني.

كذلك يرى ممدوح الولي الحل معقودًا بالشباب أنفسهم الملزمين باكتساب حساسية البحث عما يريده السوق وتعلمه من خلال التدريب التحويلي أو بواسطة مراكز المعلومات المنتشرة في مصر؛ اقتداءً بالدول الصناعية الكبرى التي يسيطر عليها التعليم الفني لا الإداري والعمل الحكومي بها في حدود تقديم بعض الخدمات المعاونة فقط، بعكس الحال في مصر التي قلبت الآية وسيطرت عليها العمالة الإدارية، حتى إن عدد الموظفين حاليًا أصبح 6.5 ملايين موظف يعجز الميزان التجاري عن تسديد مرتباتهم، فضلاً عن أن معظمهم لا يقدِّم عملاً يُذكر، مما يعد إهدارًا لطاقات ملايين الشباب ويفتح الباب واسعًا أمام الانحراف كالاختلاس والرِّشا للتغلب على المرتب الهزيل الذي تقدِّمه الحكومة.

أزمة البطالة كما يراها الخبراء مزدوجةَ المنبع ومرشحةً للتزايد بصورة مستمرة نتيجة افتقاد سوق العمل القدرة على استيعاب مئات الآلاف التي تتخرج سنويًّا، ومع الإصرار الحكومي على سياساتٍ فاشلة مثل خطط الخصخصة التي ترفع أرقام العاطلين يومًا بعد يوم، والأمل بالطبع لن يكونَ في حكومة مثل حكومة نظيف الراهنة، ولكنه سيظل معلقًا بالمجتمع نفسه وبالشباب الطامح إلى تغيير حاضره ومستقبله.

ليست هناك تعليقات: