تناقضات هيكل وإلهامات الشمولية

 

بقلم: عصام فؤاد

ردود أفعال متابينة أفرزها حوار جريدة الأهرام مع الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل بعد دعوة الأخير إلى تجاوز نتيجة الاستفتاء السابق وما أعقبه من إعلان دستوري وتأجيل الترتيب للانتخابات التشريعية والرئاسية وصياغة البرلمان لدستور جديد، معللا ذلك بقوله: "أريد أن ألح في موضوع الاطمئنان والاستقرار والشعور بالأمن والراحة, فذلك لا يوفره مجرد إجراء انتخابات علي غير أساس, أو وضع دستور علي طريقة عرفناها مرات".

"وما يوفر الاطمئنان والاستقرار والشعور بالأمن والراحة – في رأي هيكل - أن ترسل هذه الكتل الجماهيرية بممثلين إلي مجلس من نوع ما.. تشاوري أو مؤقت أو تأسيسي, مجلس معترف به، وهو مجلس أمناء الدولة والدستور".

ولم يوضح كيفية اختيار مجلس أمناء الدستور أو المؤتمر الوطني وكيف ترسل هذه الكتل الجماهيرية بممثليها بطريقة غير الانتخابات المقررة في سبتمبر ويدعو هيكل لتأجيلها؟، ولا حتى كيف سيتوفر الأمان والاستقرار بمجرد اختيار مجلس الأمناء مع إطالة الفترة الانتقالية؟، رغم أن هيكل يعود في نهاية حواره فيؤكد أن الوضع الحالي طبيعي، ويقول "لكني أعرف أن تلك تجربة الثورة في كل عصر ومكان وتصنع مثل هذه الآثار غداة وقوعها, وأتفهم هذه الحيرة وهذه المخاطر إلي درجة الفوضي".

والحاجة للمجلس أو مؤتمر وطني جامع "ألا تظل المسألة طرفا يطلب وآخر يستجيب أو لا يستجيب, وحتي لا تظل الجماهير تشهد ويعجبها أو لا يعجبها", رغم أن هذه النقطة تحديدا من خصائص المرحلة الانتقالية التي يطلب هيكل إطالتها لسنتين أو ثلاث سنوات وربما أكثر.

ويعرج على مسألة الرئاسة فيوضح: أنه لا يجد حرجا في تسمية المشير طنطاوي رئيسا للدولة في هذه المرحلة الانتقالية, وإذا رأى المشير أن تكون رئاسة الدولة لمجلس رئاسي فليس من الصعب العثور علي عضوين فيه إلي جانب المشير طنطاوي مع استمرار مسئوليته عن وزارة الدفاع وعن المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذي يمكن أن يتحول إلي مجلس أعلى للأمن الوطني".

ويصعب فهم اقتراح هيكل غير المتحرج، فلا طائل من وراء تسمية المشير رئيسا سوى مجاملة تاريخية، لاسيما وهو يقوم فعلا بمهام رئيس الدولة بهذه المرحلة الانتقالية، ويعود هيكل فيتحرج من اقتراح مجلس رئاسي انتقالي، ويجعله مرهونا بإرادة المشير "إذا رأى أن تكون رئاسة الدولة لمجلس رئاسي فليس من الصعب العثور علي عضوين فيه (خيالين مآتة) إلي جانب المشير طنطاوي مع استمرار مسئوليته عن وزارة الدفاع وعن المجلس الأعلى للقوات المسلحة".

ويعمل مجلس أمناء الدولة والدستور مع المجلس الرئاسي في التحضير لانتخابات جمعية تأسيسية, تطرح دستورا جديدا بدون برلمان، ما اعتبره "ضمانة كبري لسلامة وشرعية فترة الانتقال ذاتها".

وبالتأكيد الضمانة الحقيقية هي برلمان شعبي يضع دستور وطنه بطريقة ديموقراطية غير "التي عرفها هيكل مرات"، سواء الإعلانات الدستورية التي اعتمد عليها مجلس ثورة 23 يوليو حتى وضع دستور 1956م أو دستور الوحدة في مارس 1958م والدستور المؤقت في مارس 1964م وحتى دستور 1971م، بالإضافة لمشاركته بالصمت عن رفض مجلس قيادة الثورة مشروع دستور 1954م الأفضل في تاريخ مصر المعاصر، والذي شهد هيكل إجهاضه ورميه في صنايق القمامة وضرب العلامة القانونية السنهورى باشا بالحذاء؛ لإقرار ذلك الدستور نظام الجمهورية البرلمانية.

ويبدو أن تلك التجربة الديموقراطية هي ما يحث هيكل الجيش على تنفيذها حين اعتبر تجربة ثورة يوليو 1952م ملهمة لإدارة الفترة الانتقالية، وذلك حين علقت القوات المسلحة العمل بالدستور وحلت الأحزاب وجماعة الإخوان المسلمين وأجلت مشروع الديمقراطية، بدعوى توفير الأمن وتوعية المواطن قبل الانتخابات!!.

وإن تعجب فالأعجب أن الاقتراحات جاءت من شخص يؤكد في الحوار أنه "مراقب مهتم من بعيد" لمسار الثورة الحالية، فلما يقحم نفسه داخلها في هذا التوقيت؟!.

وبعد اكتساب بعض المصداقية ببيان بعض جرائم نظام مبارك، يشرك هيكل الشعب في المسئولية عن جرائمه "بتفوقه في صنع الطغاة"، ويرى أن "مبارك يحاسب علي غير الأساس الذي يجب أن يحاسب عليه, ويكون التعويض التلقائي عن ذلك بإساءة التصرف معه, والحديث إليه بفظاظة, ثم ينقل لنا أنه أغمى عليه في أثناء التحقيق معه, وأنه كرر القول أن الله كبير".

ويتابع: "في بعض اللحظات, وأنا رجل عرفت وتابعت وعارضت سياساته في وقتها, لم أتمالك نفسي من التعاطف مع مبارك كإنسان وكأب, وكزوج"، معتبرا أن الجرائم السياسية فقط هي التي يواجهها مبارك "ولا تدخل في نطاق النيابة العامة".

ويطلب هيكل محاكمة مبارك "بسلطة السياسة وبمنطق التاريخ الذي عرفه العالم كله, خصوصا تاريخ الثورات"، ويحصرها قائلا: "هناك ثلاث طرق وليس أربع: إما عقاب مباشر، فات وقته فيما أظن، أو محاكمة شعبية مفتوحة وإن كان ظني أن ذلك ليس وقتها, بإعتبار أن البلد ليست في حاجة إلي شاغل آخر عن المستقبل, وكذلك فإنه من الممكن تأجيل مثل تلك المحاكمة, وإحالتها إلي عهدة البرلمان القادم، وإما خروج بشروط".

وبحسب قواعد تاريخ هيكل فليس أمام الشعب سوى تأجيل محاكمة مبارك السياسية إلى البرلمان القادم والذي طالب بتأجيل انتخاباته، ما يعني تأجيل المحاكمة لما يزيد عن ثلاث أو أربع سنوات، أو السماح له بالفرار بشروط قد تكون تسليم ممتلكاته في مصر وإعتذار شفهي للشعب الطيب، رغم أن هيكل يعود فيناقض حديثه عن منطق تاريخ الثورات فيقول في جزء آخر من حواره: "وأنا أعرف من دروس التاريخ أن الثورات لا تتشابه ولا تتكرر, وأن كل ثورة لها طبائعها ومناخها وأحوالها, وأن الثورة المصرية الراهنة هي الأخري فريدة من نوعها".

ولم يكتم هيكل خلال الحوار شهوته في إظهاره كأحد رجال العالم العارفين ببواطن الأمور بدءً من عملية اغتيال بن لادن وحتى تحركات وخطط المجموعة الأوربية، وهو كلام في مجمله يحتمل الصواب أو الخطأ لغياب مصداقية المصدر، فضلا عن توافر دقته التي غابت حين حدد أنواع الفساد "في 3 قضايا أساسية: المالي والإداري، والاستراتيجي والسياسي، والمتعلق بجرائم إنسانية مثل التعذيب"، متجاهلا المسئولية عن الفساد الاجتماعي والأخلاقي، الذي يعاني من آثاره كل أفراد المجتمع، ولكنه ليس على أجندة الكاتب الكبير.

وأقول لهيكل: نعم الأجيال الجديدة هي التي تملك المستقبل، وبإذن الله تصنعه بعد أن قرأت تاريخها ووعت دروسه وعرفت أولوليات الوقت وواجباته، والتي ليس من بينها إلهامات انقلاب 52 أول المسئولين عن صنع الطغاة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق