11-6-2006
تحقيق- عصام فؤاد
(ينتحر بعد أن يحرق زوجته وأطفاله)، (يمزق جسد شقيقته ويدفنها بالصرف حتى ينفرد بالميراث)، (حبس ضابط عذب مواطنا حتى الموت)، (ينحر طليقته ويفصل رأسها أمام زميلاتها)، (تحرق زوجها بمساعدة عشيقها).
ما سبق كان عينة بسيطة مما تزخر به صفحات الحوادث بالجرائد والمجلات المصرية في الآونة الأخيرة، وهي تنذر بحدوث خلل اجتماعي وتغير جذري في نفسية المواطن المصري الذي طالما تحدثت الكتب عن طبيعته الهادئة الوديعة وصبره وجلده على أشد المحن وأحلك الظروف. وذلك ما تؤيده دراسات شتى وأراء عديدة تتحدث عن التغيرات التي شابت الفرد المصري فبدلت صبره غضبا وطيبته عنفا وشجعت على ارتكاب جرائم بشعة لم تكن المجتمعات المصرية تسمع بها من قبل.
منذ عدة أيام، صدر تقرير دولي عن الأمم المتحدة يتهم النظام المصري بأنه السبب في زيادة معدل الجريمة في مصر بكافة صورها من جراء سياسته الفاشلة التي ساهمت بشكل كبير في تفشي الفقر بين جموع المصريين، وأرجع التقرير الأممي سبب فقر المصريين إلى التوزيع غير العادل لميزانية الدولة سنويًا، حيث تستحوذ الأجهزة الأمنية على النصيب الأكبر من هذه الميزانية في مقابل الفتات لقطاعات الإسكان والصحة والتعليم، إضافة إلى أن عهد مبارك الذي استمر إلى ما يزيد عن الربع قرن – بحسب التقرير - شهد أكبر عمليات فساد سياسي واقتصادي في تاريخ البلاد.
أما علماء الاجتماع فيربطون بين زيادة معدل االجريمة وبشاعة صورها وبين انتشار البطالة وتفشي الفساد وتباطؤ العدالة بالإضافة لتزايد عوامل الظلم والقهر السياسي مما أدى لتفاقم صور الجريمة بعد أن فقد الكثيرون إنسانيتهم وتشوهت ملامح شخصية المواطن المصري بشكل عام.
30 مليون مكتئب بين أفراد الشعب المصري، وبحسب تقديرات علماء الاجتماع فإن 90% من جرائم القتل التي تحدث في مصر تقع في نطاق الأسرة الواحدة، مما يعده الخبراء دليلاً واضحا على تراجع منظومة القيم والأخلاق بشكل كبير في السنوات الخمس الأخيرة.
وفي أحد تقاريرها، رصدت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان انتشار جريمة التعذيب في المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة، وبينت مدى تحول حوادث التعذيب إلى جريمة "عادية" أصبحت فيما بعد ظاهرة واضحة في أقسام الشرطة المصرية مع افتقاد المحاسبة القانونية لمرتكبي جرائم التعذيب، وفي ظل غياب النصوص التشريعية الرادعة ضد من ثبت تورطهم في هذه الجريمة البشعة.
وكشفت المنظمة المصرية عن تواطؤ أجهزة النظام الحالي لتوفير المناخ المناسب لنشر جريمة التعذيب في مصر، وذلك بإنشاء عوامل قانونية وإجرائية وأمنية قاصرة عن ملاحقة القائمين بعمليات التعذيب في أقسام مصر المختلفة فضلا عن إدانتهم ومعاقبتهم، موضحةً أن الجناة قد ترسخ لديهم شعور بأنهم في منأى عن العقاب مما يدفع ضباط الشرطة لممارسة مختلف وسائل التعذيب على المحتجزين والمشتبه فيهم بل وعلى أسرهم أحيانا لدفعهم على الإعتراف بما يمليه الضباط الجناة، وأحيانا أخرى بدون مبررات حقيقية.
المؤرخ الإجتماعي عبدالوهاب بكر – أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الزقازيق – يؤكد أن الجريمة في مصر أخذت أشكالا جديدة ومتنوعة مع زيادة حدة الضغوط الإقتصادية على الشعب المصري ونتيجة التغيرات الكبيرة في السياسات الداخلية والخارجية للبلاد، ووضح بكر في كتابه الصادر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان "أحوال الأمن في مصر المعاصرة" أن الأزمات الاقتصادية تلعب الدور الأكبر في ازدياد معدلات الجريمة بجميع أنواعها، مشيراً إلى أن الجرائم ذات الصلة بالخلل الاجتماعي تزداد وقت الاضطرابات السياسية والثورات.
ما رأيك فيما تنشره الصحف في الفترات الأخيرة من جرائم بشعة لم تكن معهودة من قبل في الشارع المصري؟، بهذا السؤال واجهنا عبد الله محمد – 28 عاما – موظف بشركة مصر للبترول، فأجاب بأن بعد الناس عن الدين هو السبب الرئيسي فيما وصل إليه المواطن المصري من شراسة ونفاد صبر، وقال أن صورة المصري الداخلية تشوهت بفعل طغيان المادة على حياته لتقتل سمات الإحساس والحياء بقلبه وعقله، وأضاف عبد الله أن ما نشاهده في الشارع وفي المترو بصورة يومية يشير إلى غياب معاني الرحمة في نفوس الناس، فالأخ يكاد ينهش أخاه إذا ما داس قدمه بعربة المترو فما بالك إذا ما سرقه أو اعتدى عليه.
وأكد عبد الله أن ثقته في غياب العدالة قد يدفعه لتحصيل حقه "بذراعه" إذا ما اعتدى شخص عليه، قائلاً رغم معرفتي بأصول الدين والأخلاق إلا أنني لن أتوانى عن "تشريح" من يتعرض لحرمتي أو من يهين كرامتي.
أما مدرس اللغة العربية حازم موسى - 30 عاماً – فيحمل أجهزة الإعلام الحكومية مسئولية فظاعة صورة الجريمة في مصر بترسيخها لشعارات مثل رد القوة بالقوة ودفع الظلم بالظلم من خلال ما تبثه من أفلام ومسلسلات يستعيد فيها البطل حقه بفضل قوته بعد أن يبطش بخصومه، موضحاً أن اللجوء للسلطات هو السبيل الصحيح لإسترداد الحقوق المسلوبة حتى لا يعيش المجتمع في غابة آدمية.
في حين عولّت منال فتحي – بكالوريوس حاسب آلي – على تربية البيت منذ الصغر، لأن الجريمة مهما كانت مبرراتها فهي – في وجهة نظرها – نتيجة قصور في التربية والتنشئة السليمة، وقالت أن ما يشهده المجتمع مؤخراً من جرائم بشعة هو إنذار مبكر بقرب يوم القيامة مع ما نراه من قلة عدد العلماء الحقيقين وتزايد شديد في عدد المفتين الجهال الذين يصدرون كل دقيقة فتاوي متضاربة أوقعت الناس في حيرة وساهمت بشكل كبير في تراجع معاني الإيمان بصدورهم.
وتعليقا على ظاهرة تفشي الجرائم المنكرة في مصر، يقول د. أحمد المجدوب – الرئيس السابق لقسم الجريمة بمعهد البحوث الاجتماعية والجنائية – أن الظروف التي تمر بها مصر حاليا هي الأنسب لزيادة معدلات الجريمة ولظهور انماط وأنواع عديدة منها، موضحا أن المجتمع المصري أصبح عبارة عن سوق فوضوي يأكل القوي فيه الضعيف مع غياب دور الشرطة التي تفرغت لمطاردة معارضي النظام في حين أهملت مهمتها الأصلية في حماية المواطن وتوفير مقتضيات الأمن له.
وحمل المجدوب نظام مبارك مسئولية هذه الظاهرة بتوفيره كافة العوامل اللازمة لنموها سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، ليعيش المواطن المصري في ظل اختبار دائم لدينه وإرادته يمتحن قدرته على مقاومة تلك الظروف أو الإستجابة لها وارتكاب الجريمة.
وقال المجدوب أنه من الطبيعي جداً أن تظهر أنماطاً جديدة للجريمة حين ينخفض دخل الفرد السنوي في مصر ليصبح 600 دولار ـ حوالي 3500 جنيه سنويًا ـ مما يوقع ما يزيد عن 70% من المصريين تحت خط الفقر، وحين تتفشى البطالة في صفوف الشباب وتنشر المخدرات ليروج لها أمام مدارس الأطفال مع عدم وجود أمن اجتماعي ومع افتقارنا لحكومات رشيدة تعمل على تحسين أوضاعنا المنهارة، موضحاً أن الحكومة الحالية تفتقر للعلم والخبرة اللازمين لرفع مستوانا الإقتصادي أو لتضييق الفجوة الهائلة بين الغني والفقير، بل إنها تزيد هذه الفجوة اتساعا يوما بعد يوم تنفيذاً لرغبات الحاكم الذي تدين له بالولاء التام والقادر على تعيين الحكومات أو إقالتها، كما إن الحكم الشمولي الحالي يضمن عدم محاسبة تلك الحكومات الفاسدة بسيطرته على مقاليد الأمور في البلاد حتى إن أي استجواب للوزير في البرلمان ينتهي عادة بشكر الحكومة.
وتابع المجدوب قائلاً أن تنامي فرص الفساد زادت بعد المصاهرة الراهنة بين الحكومة وأصحاب روؤس الأموال، لتصبح كافة أجهزة الدولة في خدمة رجال الأعمال في حين تتدهور أحوال الصحة والتعليم ويصبحا حكراً للقادرين على الدفع مما يجعل الفقير يتجه للجريمة لإشباع حاجاته ورغباته التي أصبحت بدون سقف مع تشجيع الحكومات للنمط الإستهلاكي الإستعراضي الذي يفكر بغريزته لا بعقله، ومن هنا تنشأ أبشع الجرائم لأتفه الأسباب، لا سيما مع حرص النظام على محاربة الدين وإهمال دوره في مقاومة الرذيلة والجريمة لأن المصري مؤمن بطبيعته يخاف من الله ويستجيب لأوامره أكثر من القانون الذي لا يعرفه ولم يدرسه.
كما أشار د. أحمد المجدوب إلى أن غياب عامل الرضا وبروز خلق الإستعجال بالإضافة لتفكك الأسرة وغلبة لغة المصالح مع غياب التربية الصحيحة في البيت والمدرسة أدى لظهور جرائم غريبة على مجتمعاتنا التي أصبحت تشكو من زخم جنسي رهيب يروج له بكل قوة في كافة سبل الإعلام ويواجهه عنوسة كبيرة وتأخر ملحوظ في سن الزواج يدعمهما تغييب عمدي للفضيلة بإغلاق المساجد وإبعاد الناس عن الدين.
وفسر شيوع الجرائم السادية وعلى رأسها جرائم التعذيب بإزدياد معدل القهر السياسي ضد المواطن المصري مما يدفعه للتنكيل بالناس أو بمن يراهم خصومه لإثبات قوته ووجوده ولتفريغ الكبت الذي يعاني منه ولا يستطيع توجيهه نحو الجناة الأصليين، موضحا أن عناصر النظام المصري استئصلوا أفضل ما في هذا الشعب من رجولة وشهامة ونخوة وصدق وإخلاص، ليزرعوا بدلا منها معاني الخوف والجبن والقهر.
وحذر المجدوب من قتامة المستقبل في رأيه، وقال أنا متشائم بشأن المستقبل لأن المقدمات الحالية لا توحي بنتائج مبشرة بل إن الأمور تتفاقم وتزداد سوءاً بصورة مستمرة حتى يأتي علينا زمن تنتشر فيه الأبواب الحديدية أمام الشقق ونتوسع في إستخدام أجهزة الإنذار مثل أوروبا وأمريكا.
ومن جانبه، يرى الخبير الإجتماعي د. علي ليلة أن مجموعة الظروف القاسية التي مرت بالمجتمع المصري أضعفت بنية القيم لديه وجعلته غير قادر على توجيه سلوكياته بشكل عام، خاصة تتابع تغيير نمطه وشكله من قومية إلى اشتراكية إلى ليبرالية وحتى صورته المطموسة حالياً، كل ذلك كان في فترات متقاربة يصعب على الفرد الواحد تحملها فضلاً على أن يقوى عليها المجتمع بأسره.
وقال أن الأحوال الإقتصادية المتردية التي يعاني منها الشعب المصري جعلت الحديث عن المثاليات والقيم السامية ليس له معنى، لا سيما إذا ما صارت أخبار الفساد جزءاً من ثقافتنا العامة، لتضيع من الشعب بوصلته التي كان بواسطتها يحدد الصواب من الخطأ ويعرف الفضيلة والرذيلة، وصرنا ننقسم ونختلف حول قضايا شديدة الوضوح لا نعرف مدى الخطأ فيها والصواب، وصرنا لا نعرف مهمة الشرطة هل هي الحفاظ على الأمن أم سحل المواطنين وهتك الأعراض تحت سمع وبصر الجميع دون أن يهتز جفن أي مسئول في الدولة.
ووضح د. علي ليلة أن المجتمع يمر حاليا بفترة إنهيار كامل يعيش فيها المواطن المقهور مثل برميل المتفجرات بأفعل التوتر الذي ملأ حياته نتيجة ظروف المعيشة القاسية و الخوف من المستقبل مما يجعل المواطن المصري يفرغ طاقته المكبوتة في إخوته تجنباً لعصا النظام الغليظة التي يبشر ازدياد قسوتها بقرب ساعة النظام الحالي، مؤكداً أن تفاقم المشاكل وسواد الليل برهان واضح على اقتراب موعد الصحوة وسطوع الفجر.
ولخص د. عبد المنعم البري – أحد علماء الأزهر الشريف – أسباب بشاعة الجرائم في مصر وتناميها في عدم وعي الناس بالدين الصحيح، ومن جراء ابعادهم عنه بكل السبل لتضليلهم وقتل روح الإيمان في نفوسهم ومعاناتنا الحالية من بشاعة الجريمة هي النتيجة الطبيعية لذلك. وندد البري بوزارات الإعلام والثقافة والتعليم التي تعمل بكل جهدها لمحاربة العقائد الدينية والروحية التي تستطيع أن تسمو بالفرد بعيداً عن انحطاط الجريمة، مؤكداً أن الدين هو صمام الأمان لأي مجتمع وقيام فلسفة النظام الحالي على محاربته وتهميشه لن تسفر سوى عن مزيد من الجرائم البشعة خاصة مع تحرك الكثافة الأكبر نحو الأسوأ ونحو الإنحراف عن المنهاج النبوي الأصيل.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق