ثورة قرغيزيا.. الاستبداد لا يسقط مجانًا

 
11-4-2010


كتب- عصام فؤاد:

للمرة الثانية خلال خمس سنوات، نجح الشعب القرغيزي في الانقلاب على نظام الحكم في قرغيزيا وخلع رئيس البلاد، إلا أن القراءة المتأنية للمشهد القرغيزي تعطي إشاراتٍ غير متفائلة عن التغيير، ولا تفرق بين ثورة أبريل 2010م والسوسن في مارس 2005م، سوى في بعض كتابات السيناريو فقط، بعيدًا عن مضمون القصة ومساراتها.

بعد اضطرابات واسعة شهدتها جمهورية قرغيزيا المسلمة الأسبوع الماضي، أعلنت المعارضة القرغيزية خلع الرئيس كرمان بيك باكييف وحل البرلمان، وتشكيل حكومة "أمر واقع" ستقوم بإقرار دستور جديد للبلاد وإجراء انتخابات ديمقراطية تشريعية ورئاسية خلال ستة أشهر.

ونصبت المعارضة روزا أوتونباييفا رئيسةً للحكومة المؤقتة، والتي دعت باكييف للاستقالة بهدف ضمان أمنه الشخصي، ولدعم الاستقرار النسبي الذي تشهده البلاد حاليًّا، بعد اشتباكات يوميّ الأربعاء والخميس الماضيين، والتي خلفت نحو 80 قتيلاً و1400 جريح، بعضهم إصابته خطيرة.

وأعلنت أوتونباييفا الحداد يوميّ 9 و10 أبريل على أرواح ضحايا الاشتباكات الأخيرة في البلاد، مشيرةً إلى أن الحكومة الجديدة ستقدم مساعدةً ماليةً بمقدار 22 ألف دولار لعائلة كل ضحية، كما ستقوم بزيارة المواطنين المصابين في الاشتباكات الذين يرقدون في المستشفيات.

وقالت إن المشكلة التي تواجه الحكومة المؤقتة هي إفلاس الدولة بسبب تهريب الرئيس وعائلته أموالاً طائلةً إلى بنوك أجنبية، مشيرةً إلى أن موارد خزينة الدولة لا تتجاوز حاليًّا 15 مليون دولار.

وتحاول الحكومة المؤقتة إجراء اتصالات للسيطرة على جميع الأجهزة؛ لأن قسمًا منها ما زال خارج سيطرتها، ولا تزال المؤسسات الحكومية متوقفة نتيجة الفوضى، وتحكم الحكومة الجديدة قبضتها على أربع مناطق في البلاد من أصل سبع، فيما أعلن وزير الدفاع في الحكومة المؤقتة إسماعيل إيزاكوف أن القوات المسلحة في البلاد وحرس الحدود انضموا إليهم، وقال وزير الداخلية بولوتبك شيرنيازوف: إن عناصر الشرطة انضموا أيضًا للحكومة المؤقتة.

فتنة عرقية

من جانبه، نفى الرئيس المخلوع باكييف إعطاءه أوامر للأمن بإطلاق النار على المتظاهرين، متهمًا القيادة التي استولت على السلطة بأنها المسئولة عن الدماء التي أُريقت، مشيرًا إلى أنه كان مضطرًا لمغادرة مكتب الرئاسة في بشكيك حرصًا على حياته.

وتتهم الحكومة المؤقتة باكييف وأفراد عائلته بإشعال الفتنة وتنظيم أعمال النهب، وقال أميل كبتاغايف القائم بأعمال رئيس إدارة الحكومة المؤقتة: إن هناك محاولة لزعزعة الأمن وإدخال البلاد إلى دوامة العنف الأهلي.

ولجأ باكييف إلى مسقط رأسه في جلال أباد، محاولاً الاحتماء بأهالي عرقه من الأوزبك وإثارتهم ضد ثورة القرغيزيين، وقام أفراد من عائلته بأعمال نهب وإطلاق النار على أناس أبرياء في الشوارع، لكي يتم نسبتها إلى القرغيز؛ ما يشعل نار الفتنة العرقية بين الأوزبك المنتشرين بالجنوب والقرغيزيين في الشمال.

 وعود

 وأعلنت الحكومة القرعيزية المؤقتة أنها ستوقع ليلة السبت على مرسوم ينقل السلطة إليها من الرئيس باكييف بعد إلغاء حصانته، وترفض الحكومة إجراء محادثات معه، فيما يتم ملاحقة نجلي الرئيس المخلوع وشقيقه الأصغر جانيش الذي كان يترأس جهاز أمن الدولة وأمر جنوده بإطلاق النار على المتظاهرين في الأحداث الأخيرة.

 وصرَّح عمر بك تكيباييف، مسئول الشئون الدستورية ونائب رئيسة الحكومة المؤقتة، أن حكومته لا تنوي إقامة نظام سياسي يحصل الفائز فيه على كل شيء، مؤكدًا أن أنصار باكييف سينتقلون إلى معسكر المعارضة، التي ستحصل على ضمانات جديدة في الدستور الجديد، وقال: على سبيل المثال من الواجب أن تحصل المعارضة على 30% من المقاعد على الأقل في لجنة الانتخابات المركزية وعلى عددٍ أدنى من المقاعد في البرلمان.

موسكو

 وأجرى رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين اتصالاً مع رئيسة الحكومة المؤقتة روزا أوتونباييفا عارضًا دعم بلاده، فيما نقلت طائرات عسكرية روسية قوات مظليين لحماية قاعدة عسكرية لموسكو، ما اعتبره المراقبون دعمًا للنظام الجديد بالعاصمة بشكيك، في سبيل مساومة الحكومة الجديدة على إغلاق القاعدة الأمريكية لديها مقابل تقديم الدعم المادي الذي تحتاجه.

الدعم الروسي جاء عقب الرسائل الصريحة التي أرسلها قادة المعارضة لطمأنة الدب الروسي، فأكد عمر بك تكيباييف مسئول الشئون الدستورية في الحكومة الجديدة أن روسيا لعبت دورها في الإطاحة بباكييف، وإن هناك احتمالاً كبيرًا لخفض مدة إيجار الولايات المتحدة لقاعدة ميناس الجوية الأمريكية التي تقع قرب بشكيك وتخدم القوات الأمريكية في أفغانستان.

كما قال وزير المالية في الحكومة المؤقتة تيمير سارييف: إن الحكومة الجديدة في قرغيزيا تعد روسيا "شريكًا إستراتيجيًّا رئيسيًّا"، وإنها طلبت المساعدة المالية والإستراتيجية من موسكو.

وهي التطمينات نفسها التي أرسلها الرئيس المخلوع باكييف حين ترأس الحكومة المؤقتة قبل خمس سنوات؛ ذلك لأن روسيا هي اللاعب الرئيسي في آسيا الوسطى كلها منذ انضمت البلاد للاتحاد السوفيتي بعد قيام الثورة البلشفية عام 1917م، قبل أن تنال قرغيزيا في عام 1936 الوضع القانوني للجمهورية الاتحادية ضمن الاتحاد السوفيتي.

وعقب تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1990م، تم انتخاب عسكر عاكايف كأول رئيسٍ للبلاد، التي تم إعلان استقلالها في يوم 31 أغسطس عام 1991م، وبعد تغيير دستورها عام 1993م تم تغيير اسم الدولة للتحول إلى جمهورية قرغيزيا بديلاً عن قرغيزستان.

القاعدة الأمريكية

 والتقت رئيسة الحكومة المؤقتة القائم بأعمال السفير الأمريكي في قرغيزيا، لتعلن بعدها أن القاعدة الأمريكية ستبقى في الوقت الحالي، وستباشر عملها بشكلٍ كامل، وقالت إن هذا الموضوع لم يثر بعد، إلا أنها أشارت إلى أن حكومتها ستلتزم بالاتفاقيات الدولية التي وقَّعتها بلادها وستفي بالتزاماتها.

وأعلن روبرت بليك مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية لشئون منطقة آسيا الجنوبية والوسطى أن واشنطن ترى أن السلطة الانتقالية الجديدة تسير في الاتجاه الصحيح، مؤكدًا أن بلاده على اتصالٍ مع طرفي النزاع هناك، دون أن يؤكد الاعتراف الرسمي الأمريكي بالسلطة الجديدة، وقال إن واشنطن تعترف بالدول وليس الحكومات.

وقال مسئولون بوزارة الخارجية الأمريكية: إن وزير خارجية قرغيزيا قادر بك سارباييف التقى مسئولاً دبلوماسيًّا أمريكيًّا رفيعًا في واشنطن، فيما التقى القائم بالأعمال الأمريكي روزا أوتونباييفا في بشكيك.

وكانت الولايات المتحدة استأجرت قاعدة ماناس الجوية عام 2001م لتوفير الإمدادات للقوات الأمريكية في أفغانستان القريبة، وسعى باكاييف العام الماضي لعدم تمديد تأجير القاعدة بعد حصوله على وعد روسي، بتقديم مساعدات بلغت 2 مليار دولار، لكنه غيَّر موقفه لاحقًا بعد موافقة الأمريكيين مضاعفة إيجارها من 17 مليون دولار سنويًّا إلى 63 مليون دولار.

وعملت القاعدة ساعات قليلة في ظل الحكومة المؤقتة، قبل أن يعلِّق الجيش الأمريكي عملها وينقل أنشطتها العسكرية ورحلاتها الجوية إلى قاعدة الكويت بصورة مؤقتة.

الرئيس المخلوع

ويؤكد المراقبون أن نظام باكييف ولَّى بلا رجعةٍ لينهي التاريخ السياسي للرئيس الذي وُلد أول أغسطس عام 1949م، وتخرَّج من معهد كويبيشيف للتكنولوجيا بتخصص الآلات الحاسبة،  وعمل حمَّالاً في مصنع تعليب الأسماك وميكانيكيًّا ثم مهندسًا، قبل أن يتولى عام 1985م إدارة مصنع "بروفيل" التابع لوزارة الصناعة الإلكترونية.

ودخل مجال السياسة عام 1991م حين عمل نائبًا لرئيس مجلس السوفيت في مقاطعة جلال آباد التي تولى إدارتها عام 1995م، قبل أن يشغل منصب رئيس الوزراء عام 2000م، وبقي بالمنصب شهورًا قليلة، قبل أن يضطر لتقديم استقالته بسبب وقوع أحداث مأسوية أسفرت عن  اضطرابات جماهيرية ومقتل 5 أشخاصٍ وإصابة العشرات بجروح في جنوب البلاد.

وفي عام 2004م انتخبت القوى السياسية المعارضة النائب باكييف رئيسًا لاتحاد القوى السياسية "حركة قرغيزيا الشعبية"، وبعد قيام ثورة السوسن في 25 مارس 2005م تم تعيينه قائمًا بأعمال رئيس الجمهورية ورئيسًا للحكومة القرغيزية المؤقتة، قبل انتخابه في يوليو 2005م رئيسًا للجمهورية القرغيزية.

وجدَّد ولايته الرئاسية في انتخابات عام 2009م التي لاقت انتقاداتٍ لاذعة من الاتحاد الأوروبي في تقريره الذي أكد افتقادها للنزاهة والشفافية، وحصل باكييف على عدة أوسمة دولية، أهمها وسام بطرس الأكبر الروسي ووسام "النجمة الفضية" للجمعية البرلمانية في رابطة الدول المستقلة.

تدهور

ويتهم باكييف أطرافًا خارجيةً بتجييش الثورة، إلا أنه لا يستطيع نفي الوضع المتدهور الذي وصلت إليه قرغيزيا خلال فترة حكمه؛ سواء على المستوى السياسي والاقتصادي أو في ملف الحريات وحق التعبير.

ويعيش نحو ثلث سكان قرغيزيا، البالغ عددهم 5.5 ملايين نسمة، تحت خط الفقر، ويبلغ متوسط الدخل الشهري للفرد نحو 130 دولارًا فقط، فيما بلغت السوم (عملة قرغيزيا الوطنية) أدنى مستوياتها خلال سبعة أعوام، ويبلغ سعر الدولار 45 سومًا.

وفضلاً عن تدني الأجور يواجه القرغيزيون ارتفاع الأسعار وسرقة أموال الخزانة العامة نتيجة تفشي الفساد، كما أن تحويلات العاملين القرغيزيين في روسيا انخفضت خلال الأزمة المالية العالمية، وهي تمثل وحدها نحو 30% من اقتصاد قرغيزيا البالغ قيمته 4.7 مليارات دولار.

كما مرر الحزب الحاكم بداية عام 2010م الجاري قانونًا جديدًا لتنظيم أنشطة المؤسسات الدينية، وهو القانون الذي وصفته المنظمات الإسلامية والمسيحية على أنه يقمع الحريات الدينية في البلاد، كما لا يميز بين التطرف والتعبير السلمي عن الدين.

القوى الخارجية

وتتشابه السيرة الذاتية لباكييف مع كثير من كوادر المعارضة التي تسيطر على الحكومة حاليًّا، كما تشابهت أوضاع البلاد في عهده مع أحوالها إبان حكم الرئيس الأسبق عسكر عاكييف، ما يلفت إلى أن ثورة أبريل قد تسير على نهج سابقتها في مارس 2005م، والسبب هو التأثيرات الخارجية التي تملك معظم أوراق مستقبل البلاد.

وتقع جمهورية قرغيزيا في شمال شرق آسيا الوسطى، وهي من أكثر بلدن العالم فقرًا؛ حيث تحتل الجبال أكثر من ثلاثة أرباع أراضيها ولا تطل حدودها على بحار، ولكنها تحتل مكانًا كبيرًا في الإستراتيجية العسكرية، لكلٍّ من روسيا وأمريكا والصين التي تشاركها في منطقة حدودية تبلغ 858 كم.

ويراها المتنافسون بوابة تطل على دول وسط آسيا الغنية بالطاقة، ومنطقة محورية في خطط الغرب للقضاء على الحركات الإسلامية في أفغانستان وآسيا الوسطى التي تشهد صعودًا إسلاميًّا منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، وهو الصعود البادي في اضطرابات وادي فرجانا بين أوزبكستان وطاجيكستان.

ومع التنافس بين القوى الثلاثة على سيادة قرغيزيا، يتفقون على أهمية استقرارها والسيطرة على أي أعمال عنف بها، حتى لا تمتد إلى الدول المتاخمة لها في كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان، ويكون لذلك عواقب لا يمكن التنبؤ بها على المنطقة بالكامل.

والاستقرار الذي تنشده القوى الكبرى لقرغيزيا، هو استقرار قيامها بمصالحهم بنسب معينة، واستثمار الأحداث والحركات الشعبية في رفع تلك النسب وزيادتها؛ وذلك دون التورط في دعم مسلح موسع لكل الأطراف بما يفتح دوامة عنف تؤثر على مصالحهم بالمنطقة.

ومن هذا نفهم رفض روسيا وأمريكا تقديم دعم عسكري كبير لأي من أطراف النزاع خلال الحركات الشعبية السابقة، حتى لو كانت نتائجها في غير صالح أحد المعسكرين، وتفضيل البقاء على الحياد عسكريًّا، مع التحرك سياسيًّا وماليًّا لاستمالة الطرف الكاسب وضمان تأمين مصالحهم هناك.

وهي المصالح التي تتغير وفق مقتضيات السياسة الدولية وحسب طلبات التحرك على رقعة الشطرنج في الحرب الباردة المستمرة بين واشنطن وموسكو، وكلتا العاصمتين جاهزتان للاستغناء عن حليف سابق والاتفاق مع نظام جديد؛ بما يضمن الحفاظ على نسبة مصالحها في البلاد أو في سبيل رفعها.

دروس

وإذا كانت المعطيات الراهنة تؤكد انهيار نظام باكييف، وانتقال زمام السلطة إلى المعارضة، إلا أن حساباتها المعقدة لا تؤكد انتقالها للشعب القرغيزي؛ لأن الأهم من القيام بالثورة هو تربية الشعب على أسس وثقافة الحرية التي تؤمن قيامها بتحقيق متطلباتهم، أو إقالة قياداتها بالطرق السلمية، كما حدث مع فيكتور يوتشينكو زعيم الثورة البرتقالية ورئيس أوكرانيا السابق، الذي خرج من الانتخابات الرئاسية يناير الماضي يجر ذيول الهزيمة والانكسار، بعد أن حصد ما يقارب 5.4% من الأصوات فقط.

أما أن تكتفي الثورة ببعض أعمال السلب والنهب التي تُعبِّر عن غياب ثقافة الاحتجاج، وتسلم قيادتها لأجندة خارجية جديدة تنفذ مشاريع موسكو وتراعي مصالح واشنطن، فهو نعي رخيص لدماء راحت ضحية جهلها بواقع بلادها السياسي، وربما تكون مدادًا لثورات جديدة على أنظمة مختلفة، إلى أن يتمكن الشعب القرغيزي من تشكيل نخبة وطنية انتماؤها الوحيد لبلادها.

وإذا كان البيت الأبيض المحروق في العاصمة بشكيك رسالة قوية لكلِّ مقرات الحكم عما قد تفعله الجماهير إذا اشتد جوعها وظلمها، فإن درس الثورة القرغيزية الأهم لدعاة الإصلاح الحقيقيين؛ هي أن تربية الشعوب أهم من ثوراته، وترسيخ إيمانه بالحرية وحقه في حكم بلاده، هو ضمان السير على الطريق الصحيح للنهضة.

مسرحية "أوباما- ميدفيديف".. للكبار فقط!

 
12-4-2010

كتب- عصام فؤاد:

صخب إعلامي مكثف صاحب توقيع الرئيسين الأمريكي والروسي على اتفاقية جديدة للحد من الأسلحة الهجومية الإستراتيجية (ستارت 2)، فيما تؤكد بنود المعاهدة والظروف الدولية المصاحبة أنها لن تكون أكثر من "شو إعلاني" جديد، يحقق مصالح بعينها لكلا الطرفين أو حلفائهما.

فقد توجهت أنظار العالم كله صباح الخميس الماضي إلى العاصمة التشيكية براغ؛ حيث التقى الرئيس الأمريكي باراك أوباما نظيره الروسي ديمتري ميدفيديف؛ للتوقيع على اتفاقية الحدِّ من الأسلحة الإستراتيجية بين روسيا والولايات المتحدة، ونقلت عدسات العالم مراسم التوقيع على الهواء مباشرةً؛ باعتبار أنها من أهم أحداث القرن الحالي.

ورحَّب يوكيا أمانو المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالمعاهدة الأمريكية الروسية، وقال: إن الحد من كمية الأسلحة النووية يمثل خطوةً إيجابيةً؛ من أجل إقامة عالم يخلو من الأسلحة النووية، ويعيش في ظل الأمن والسلام، (ويمثل خطوة ستنعكس إيجابيًّا على الجهود الرامية إلى حظر انتشار الأسلحة النووية).

وتحلُّ هذه المعاهدة الجديدة محل سابقتها (ستارت 1) عام 1991م، والتي انتهى مفعولها في 5 ديسمبر عام 2009م، وتحتاج للتصديق عليها من مجلس الشيوخ الأمريكي والدوما (البرلمان الروسي)، حتى تصبح سارية المفعول.

وتنص المعاهدة الجديدة بين روسيا والولايات المتحدة على خفض ترسانتي البلدين من الأسلحة الإستراتيجية الهجومية، وتقليص الرءوس النووية الحربية إلى 1550 لدى كل من الطرفين، وهو ما يعتبر أقل بـ74% من حدود (ستارت 1) عام 1991م، وأقل بـ30% عن السقف المحدد لهذه الرءوس (1700- 2200) وفقًا لمعاهدة موسكو عام 2002م.

وجاء توقيع المعاهدة الجديدة ثمرةً للمفاوضات الثنائية التي عقدت في جنيف طوال أشهر، ولفت مدفيديف إلى أن المعاهدة الجديدة لن تكون فاعلةً وقابلة للتنفيذ إلا بشرط عدم توسع منظومة الدرع الصاروخية الأمريكية، سواء في النوع أو العدد، فيما صرَّح أوباما بأنه يؤيد "حوارًا جديًّا" مع موسكو حول هذه المسألة الشائكة.

مكاسب روسية

ويفتح توقيع (ستارت 2) صفحةً جديدةً في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، التي يأمل رئيسها جني أرباح اقتصادية نظير الموافقة على شروط المعاهدة، التي لم تعطِ روسيا مميزات إضافية كسابقتها في 1991م.

وتأتي الاتفاقية الجديدة بعد عام من لقاء وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ووزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، وضغطهما على زرٍّ رمزيٍّ لإعادة تشغيل العلاقات الثنائية بين البلدين.

ويتوقع الجانبان تقدمًا أكبر في علاقات البلدين هذا العام بعد نتائج ليست كبيرةً العام المنصرم، كان من بينها التوصل إلى اتفاق حول نقل الشحنات الأمريكية إلى أفغانستان عبر الأجواء الروسية، مقابل توقف الأمريكان عن مواصلة تنفيذ مخطط حكومة بوش لإقامة الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية.

وأكد الرئيس الروسي ميدفيديف- في مؤتمر صحفي عقده مع نظيره الأمريكي عقب التوقيع- أنه سيزور الولايات المتحدة في الصيف المقبل، لبحث دفع سبل التعاون الاقتصادي بين البلدين ومسارات تطويره.

وتناولت مباحثات الرئيسين تنمية حجم الاستثمارات الأمريكية في الاقتصاد الروسي، والتي تبلغ 7 مليارات دولار فقط، من خلال مشاريع كبرى في مجال التكنولوجيات المتقدمة، لدعم اقتصاد روسي "ذكي"، يقوم على أساس التكنولوجيا المتقدمة، ويستخدم الخبرة الأمريكية في هذا المجال.

ويعتبر التعاون الاقتصادي بين روسيا وأمريكا هو الأكثر تأخرًا بالنظر لمستوى التعاون العسكري والأمني؛ إذ تتفق الدولتان على كثير من الملفات، مثل الحرب الأمريكية على أفغانستان، وتأمين الكيان الصهيوني، ورعاية تفوقه العسكري على مجموع الدول العربية، والمصالح الأمريكية بالشرق الأوسط، فيما تراعي الولايات المتحدة الإستراتيجية الروسية في آسيا الوسطى وبلاد القوقاز.

كما شهد توقيع (ستارت 2) توافقًا أمريكيًّا روسيًّا في مسألة فرض عقوبات أشد على إيران، وصرَّح أوباما بأن "بلاده ستتحرك مع روسيا في مجلس الأمن لتمرير تلك العقوبات، ولن يتم التسامح مع تصرفات تنتهك معاهدة حظر الانتشار النووي".

وقال ميدفيديف: "إن طهران لا تأبه بمجموعة مقترحة من الحلول الوسط البناءة، ولا يمكننا أن نغلق أعيننا حيال ذلك، ولا أستبعد أن يضطر مجلس الأمن لفرض عقوبات؛ ولكن ذكية ومركزة؛ بحيث لا تؤدي إلى كارثة إنسانية".

تاريخ إجرامي

تصريحات أوباما بأن الاتفاق "سيجعل الولايات المتحدة والعالم أكثر أمانًا"، تحتاج إلى مطالعة تاريخ بلاده في استخدام القوة النووية، ومراجعة بنود الاتفاقية التي تفند بل تكذب تصريحاته.

ويذكر التاريخ أن الولايات المتحدة هي الوحيدة التي استعملت القنبلة النووية في تاريخ الحروب، عندما ضربت مدينتي هيروشيما وناجاساكي اليابانيتين في أغسطس عام 1945م، بقنبلتين نوويتين خلَّفتا أكثر من 120.000 ألف قتيل في نفس اللحظة، وضعف هذا العدد بعد سنوات.

 ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وقع نحو 2000 انفجار نووي بغرض التجريب، قامت بها الدول السبع التي أعلنت امتلاكها أسلحة نووية، وهي: الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة والصين وباكستان والهند، وأعلنت كوريا الشمالية رسميًّا امتلاكها لأسلحة نووية؛ لكنها لم تقدم أدلة ملموسة حول إجراء اختبار لقنبلتها النووية.

 وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة وروسيا يمتلكان 90% من الأسلحة النووية في العالم، ويأتي الاتحاد الروسي في مقدمة مالكي الرءوس النووية؛ حيث يمتلك نحو 18 ألف رأس معظمها مخزن، وكان ينشر منها حوالي 5000 رأس نووي، أغلبها على حدوده الشرقية المتاخمة لأوروبا، فيما تحلُّ الولايات المتحدة ثانيًا من حيث عدد الرءوس بنحو 11 ألف رأس نووي، أغلبها في المخازن.

وتحوز المملكة المتحدة حوالي 400 قنبلة نووية، فيما قلَّصت فرنسا عدد الرءوس النووية عام 2008م إلى النصف تقريبًا، لتضمَّ ترسانتها نحو 350 رأسًا نوويًّا، وتمتلك الصين 400 رأس، والهند نحو 90، مقابل 40 رأسًا نوويًّا باكستانيًّا، أما قوة كوريا الشمالية النووية فتقدر بحوالي 15 قنبلة نووية.

ولم تعلن الحكومات الصهيونية أو تنكر رسميًّا امتلاكها لأسلحة نووية، وتضع مجلة "جينز" البريطانية المتخصصة في الشئون العسكرية الكيان الصهيوني في المرتبة السادسة من حيث القوة النووية، وقالت- في تقرير لها يوم السبت 10/4/2010م- إن الكيان لديه أسلحة نووية تتراوح ما بين 100- 300 رأس نووي، يمكن تركيبها على صواريخ أرض- أرض، أو إطلاقها من مقاتلات وغواصات نووية.

وكان هناك عدد من الدول التي امتلكت أسلحة نووية ثم تخلت عنها، وهي: أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان اللائي ورثْن آلاف الرءوس من الاتحاد السوفيتي، ولكنها تخلت عنها عام 1996م بنقلها إلى روسيا، غير جنوب إفريقيا التي أنتجت 6 قنابل نووية في الثمانينيات، ولكنها تخلت عنها، وقامت بتدميرها في التسعينيات.

وعلى العكس من روسيا التي تعارض بشدة الانتشار النووي، ساعدت أمريكا حليفتها بريطانيا على بناء ترسانتها النووية، ثم لم تعترض على المشروع النووي الفرنسي، وكان قرب الترسانتين جغرافيًّا من الاتحاد السوفيتي عاملاً إستراتيجيًّا مهمًّا في الحرب الباردة.

ثغرات الاتفاقية

تاريخ الولايات المتحدة في استخدام السلاح النووي أو دعم نشره لفائدتها، يفنِّد المزاعم الحالية بنزعه عالميًّا؛ الأمر الذي تؤكده بنود المعاهدة الجديدة التي تضم ما يزيد عن 160 صفحة، ولا تشمل أحكامها الأسلحة المخزنة، ولكنها تعتني بالأسلحة المنشورة فقط، والتي تمثل أقل من ربع الأسلحة المخزنة.



وتقضي الاتفاقية بأن يقلص الجانبان أسلحتهما الإستراتيجية الهجومية؛ بحيث لا تزيد كمياتها الإجمالية بعد مرور 7 سنوات من سريان مفعول المعاهدة عن 1550 قطعة من الرءوس النووية القتالية، و700 قطعة من الصواريخ الباليستية المنشورة العابرة للقارات، والصواريخ البالستية المنصوبة في الغواصات والقاذفات الثقيلة، و800 قطعة من المنصات المنشورة وغير المنشورة للصواريخ البالستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية المنصوبة في الغواصات والقاذفات الثقيلة.

ولا تنص المعاهدة الجديدة على استمرار المراقبة على تصنيع الصواريخ الروسية، كما أنها لا تقضي بحضور مراقبين في أثناء تصفية تلك الأسلحة، كما يحق لروسيا الخروج من المعاهدة إذا ضخمت واشنطن إلى حد كبير درعها الصاروخية.

وقد حظرت المعاهدة نشر الأسلحة الإستراتيجية الهجومية خارج أراضي الدولة التي تمتلكها، لكنها أباحت مرور الغواصات وتحليقات الطائرات ودخول الغواصات في موانئ دول أخرى، وفقًا  لأحكام القانون الدولي المتفق عليها.

واعتبرت المعاهدة أن إتلاف الأسلحة الإستراتيجية الهجومية يمكن عن طريق تحويلها إلى نوع جديد من الأسلحة التي لا يدخل في نطاق المعاهدة، فإذا تمت إعادة تجهيز منصة للصواريخ البالستية العابرة للقارات أو الصواريخ البالستية المنصوبة بالغواصات- لتستخدم كمنصة من نوع آخر- فإنها توصف بمثابة منصة لذلك النوع الذي تم تحويلها إليه.

ويستمر مفعول المعاهدة خلال 10 سنوات إذا لم يتم استبدال اتفاقية أخرىبها قبل حلول هذا الموعد، ويمكن أن يتفق الجانبان على تمديد مفعول المعاهدة لفترة لا تزيد عن 5 سنوات.

ويحق لكل من واشنطن وموسكو الخروج من المعاهدة، في حال إذا هددت الأمور المتعلقة بها  مصالحها، ويبطل مفعول المعاهدة بعد مرور 3 أشهر، اعتبارًا من لحظة إبلاغ أحد الجانبين الآخر بهذا الشأن، كما فعلت الولايات المتحدة حين خرجت عام 2002م من معاهدة الدرع الصاروخية الموقعة عام 1972م، وذلك من جانب واحد.

مضمون فارغ

البنود السالفة تثبت فراغ المعاهدة من مضمون حقيقي، فضلاً عن قدرة أي من الطرفين على التنصل منها في أي لحظة، حال هددت اليسير من مصالحه، إلا أن تدشينها بهذا الزخم الإعلامي قدم مكاسب مختلفة لإدارتي الكرملين والبيت الأبيض.

فبجانب المكاسب الاقتصادية التي ستجنيها روسيا، تضمن الاتفاقية مكاسب سياسية للرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف الذي يحتاج إلى إنجازات قوية؛ للخروج من مظلة رئيس الوزراء المتنفِّذ فلاديمير بوتين.

وتعكس معاهدة (ستارت 2) التوازن في مصالح روسيا والولايات المتحدة، فلا تتجه المعاهدة فعلاً إلى تخليص العالم من الأسلحة النووية، بل تحتفظ للدولتين بحق التهديد باستخدام الأسلحة النووية في ضربة أولى؛ ما يُبقي العالم تحت خطر التهديد النووي، بدون تقدم خطوة واحدة نحو النزع الشامل لهذه الأسلحة.

وتلبي المعاهدة حاجات الدولتين لتوفير بعض من تكلفة المحافظة على الأسلحة النووية وتأمين مخاطرها، كذلك فإن التطور الكبير في الأسلحة التقليدية جعل الأسلحة التقليدية شديدة التأثير؛ بحيث تقترب من نتائج الأسلحة النووية من دون المشكلات المتعلقة بالإشعاعات والنتائج المعنوية السيئة.

وفي هذا الإطار يأتي الكشف عن نية الجيش الأمريكي تطوير أسلحة ذات رءوس تقليدية، حتى تتمتع بسرعة فائقة وقوة تفجير عالية؛ ما يمكنها من ضرب أي هدف في العالم في غضون ساعة واحدة، بقوة تدميرية تقترب من قوة الأسلحة النووية.

كما تحرص المعاهدة على توفير عمليات تحقيق تضمن لطرف معرفة ما يفعله الآخر؛ ما يحقق درجة من الثقة في عدم انتقال الأسلحة الإستراتيجية إلى جهات أخرى، ويقلل من مخاطر الحوادث والسرقة وحتى البيع؛ ما يقصر حق دخول النادي النووي على أعضائه الحاليين، ويحظر عضويته على المتطلعين إليها، خاصةً من الأطراف الإسلامية، حتى يستمر التفوق الصهيوني في هذا المجال.

مكاسب أوباما

والنقطة السابقة تعدُّ أهم المطامح الأمريكية، وقد صرَّح أوباما بأن المعاهدة ستحاول وقف ظهور دول جديدة تمتلك السلاح النووي أو تنوي امتلاكه، وقال هذا أمر يشكِّل خطرًا غير مقبول على الأمن العالمي قد يؤدي إلى سباق التسلح في الشرق الأوسط وفي الشرق عمومًا!!.

وترى إدارة أوباما أن تحسين العلاقات مع موسكو خطوة مهمة في طريق إنهاء المشروعات النووية الإيرانية وقضية كوريا الشمالية، فضلاً عن التعاون في ملفات أفغانستان والعراق.

ويضمن التلميع الإعلامي للرئيس الأمريكي تحقيق أول انتصار فعلي لسياسته، ويرسم نصرًا شخصيًّا لقائد يتصور العالم خاليًا من الأسلحة النووية؛ ما سيكون له أكبر الأثر في أصوات الناخبين الأمريكيين في انتخابات التجديد النصفي نهاية العام الحالي.

ويأتي التوقيع بعد ثلاثة أيام من إعلان إدارة أوباما إستراتيجية نووية جديدة، تتعهد بعدم استخدام أمريكا سلاحها النووي هجوميًّا، باستثناء كوريا الشمالية وإيران، ويستطيع أوباما أن يستخدم نتائجها حشد الزخم لقمة الأمن النووي ولمنح إدارته مصداقية أكبر في القمة المقرر عقدها في واشنطن يومي 12 و13 أبريل الحالي.

فيما لا تلغي سياسة أوباما للحد من استخدام القوة النووية حق استخدام النووي للحفاظ على مصالح أمريكا وحلفائها، وهذا ما أعلنته وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون من أن بلادها ستنظر في استخدام الأسلحة النووية في الظروف القصوى للدفاع عن مصالحها الحيوية أو مصالح حلفائها وشركائها.

إيران وباكستان

   وبينما تحرص قمة واشنطن على تجييش المجتمع الدولي ضد أية تحركات- خاصة الإسلامية- لامتلاك السلاح النووي؛ يعلن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو اعتذاره عن عدم حضور القمة، لوأد التحركات التركية التي ستدعو إلى فرض رقابة على المفاعلات والمنشآت النووية الصهيونية، وممارسة ضغوط على الكيان لينضم إلى معاهدة حظر انتشار السلاح النووي.

ويمثل إجهاض برنامج إيران النووي الخطوة الأولى في مسيرة (ستارت 2)، قبل أن يتسع مشوارها ليشمل النووي الباكستاني الذي يحظى باهتمام أمريكي متنامٍ، ويبدو أن فاتورة الاتفاقية الجديدة سيدفعها- كالعادة- العرب والمسلمون، لتحقيق مكاسب شخصية وأخرى دولية تصب جميعها بعيدًا عن الأراضي العربية والإسلامية.

ساحل العاج.. تاريخ مملكة مسلمة



21-3-2010

كتب- عصام فؤاد:

"بالإسلام بدأ التاريخ الأهم لإفريقيا السوداء، وبشرائعه وتعاليمه تقدم السود ليبلغوا شأوًا كبيرًا في الحضارة والمدنية".. عبارة سجلها المؤرخ الفرنسي جويلية، ورددها معه كثيرون من دارسي تاريخ جنوب الصحراء الكبرى والغرب الإفريقي؛ حيث تحتل دولة ساحل العاج مكانة فريدة بماضٍ مشرف عريق ومستقبل مبشر، وحاضر يغلبه الأسى والدماء.

ساحل العاج أو "كوت ديفوار" بالفرنسية، ويرجع اسمها الحالي إلى القرن الخامس عشر مع انتشار تجارة العاج على ساحلها الجنوبي المطل على المحيط الأطلسي؛ حيث كان التجار يجمعون أنياب الفيلة لبيعها، ويحدها من الشمال دولتا مالي وبوركينافاسو، ومن الشرق دولة غانا، ومن الغرب دولتا غينيا وليبيريا.

 وتبلغ مساحة ساحل العاج مساحتها الإجمالية 322.462 كم، وعاصمتها السياسية مدينة ياموسوكرو، أما أكبر مدنها ومركزها الاقتصادي فهي مدينة أبيدجان في الجنوب قرب الساحل، ويقدر عدد السكان بنحو 20 مليونًا بينهم 11.5 مليونًا من المسلمين، في حين تتراوح نسبة النصارى بين 20%- 25% معظمهم كاثوليك (80%)، ويشكّل الوثنيون النسبة الباقية.

 فجر الإسلام

 تعددت طرق دخول الإسلام إلى ساحل العاج وكان أسبقها وأنجعها طريق التجارة، مع تنقلات التجار المسلمين ورحلاتهم المستمرة إلى غرب أفريقيا سعيًا وراء الرزق، وشيئًا فشيئًا توغل التجار جنوبًا للحصول على العاج المستخرج من سن الفيل في ساحل العاج؛ حيث أدهش القبائل الوثنية صلاة المسلمين، ودفعهم للتعرف على دينهم.

 وكانت أخلاق المسلمين وصدقهم وأمانتهم الأساس في نشر الإسلام بين القبائل الوثنية التي حاز انتباهها كتاب "القرآن الكريم" الذي يحمله المسلمون في كل مكان، وظنوا أنه السر وراء ثرائهم، كما اعتمد الملوك الوثنيون على المسلمين في إدارة الشئون المالية والإدارية؛ ما ساهم في نشر الإسلام بالبلاد.

 واعتمد التجار في نشر الدعوة على أخلاقهم إلا أنهم عمدوا في القرن العاشر الميلادي إلى استقدام الفقهاء خاصة من المغرب لنشر الفقه الإسلامي في المناطق التي يكثر بها المسلمون، ولذلك ساد المذهب المالكي في ساحل العاج وغرب إفريقيا كما يسود في المغرب كله.

 وشعرت القبائل الوثنية بعلاقات قريبة مع التاجر المسلم، خاصة أن الأخير مع تعدد رحلاته وطول إقامته كان يلجأ لبناء منزل على الطرز الإسلامية الحديثة، ويتزوج من أهل البلاد، فدعم ذلك وشائج المودة مع أصهاره، وساهم في دخولهم الإسلام.

 وإذا كانت المدن وأسواقها قبلة التجار، فقد ارتحل إلى ساحل العاج العديد من الدعاة والمتصوفين قصدوا ريفها وغاباتها، بغرض الدعوة للإسلام والبعد عن شهوات وملذات الدنيا، فكان لهم أكبر الأثر في نشر الإسلام وتصحيح العقيدة، وحث القبائل على التخلي عن عادتها الوثنية.

 الماندينجو

 أما الانقلاب الأكبر وسبب تحول ساحل العاج إلى الإسلام فيأتي عام 1025م حين اعتنق زعماء قبيلة الماندينجو الإسلام، والماندن أو الماندينجو إحدى أكبر وأهم قبائل إفريقيا الغربية، وينتشرون منذ القديم على ضفتي نهر النيجر وما حوله من حزام الصحراء الكبرى شمالاً وشرقًا، إلى ضفاف المحيط الأطلنطي غربًا وجنوبًا.

وهي المنطقة التي تتوزع اليوم بين كل من: غينيا، ومالي، وساحل العاج، وغامبيا، وسيراليون، وليبيريا، والسنغال، وغانا، وبوركينافاسو، والنيجر، ويطلق على لغتهم "أنكو"، وقد أدى اتساع رقعة المناطق التي يسكنونها إلى انقسام لغتهم إلى أربع لهجات رئيسية: ماندنكا، بمبارا، مندنكو، جولا، وتتفرع عن كل لهجة رئيسية بضع لهجات فرعية، ولكنها تدل على مسمى واحد وعلى شعب واحد.

واستطاعت قبائل الماندينجو المسلمة في شمال ساحل العاج من الاستقلال عن مملكة غانة 1050م، قبل أن تتمكن دولة المرابطين من احتلال عاصمة المملكة بعد حرب دامت نحو عشرين عامًا، والقضاء نهائيًّا على مملكة غانة عام 1076م على يد أمير المرابطين في الجنوب أبو بكر بن عمر.

وبعد دخول قبائل الماندنيجو في الإسلام، انطلق رجالها لنشر الدعوة الإسلامية، في غرب إفريقيا كلها، وإن لم يستطع الإسلام الانتشار في جنوب ساحل العاج؛ بسبب وجود الغابات الكثيفة التي تفصل بين الشمال المسلم والجنوب الوثني، كذلك بعد عواصم الممالك الإسلامية عن ساحل العاج.

واستطاع الإسلام بناء حضارات جديدة بالبلاد وغيَّر- على نطاق واسع- من عادات أهلها وثقافتهم، فاندثرت عادة العري وشيوعية الجنس، وتم تنظيم الزواج وتحديد عدد الزوجات مع منح المرأة حق اختيار زوجها، ووقف عادة توريث المرأة للابن أو الأخ، كما حدد الإسلام العلاقات الأسرية وأعطى المرأة حق الحضانة، وتم تقسيم الميراث على أساس الشرع، وعقاب المجرمين وفقًا لأحكام الإسلام في القصاص.

وتوالت الممالك الإسلامية في غرب إفريقيا وساحل العاج وأهمها مملكة مالي التي اشتهر ملوكها برحلات الحج، ثم صنغاي وكانم وبرنو وغيرها، حتى ظهرت الأساطيل الأوربية على شواطئ غرب إفريقيا أواسط القرن الخامس عشر الميلادي، وكان السبق للبرتغال ثم تلتها فرنسا وبريطانيا.

وبعد اكتشاف الأمريكتين عام 1492م، تعرضت ساحل العاج لهجمات أوربية واسعة لسلب ونهب ثرواتها واختطاف الأطفال والشباب والفتيات، وحمل ذلك كله على سفنهم المتجه إلى أمريكا، واستمرت هذه الجرائم البشعة حتى تم تحريم تجارة الرقيق عام 1848م، بعد ما تسببت في تفكيك قبائل الماندينجو ونشر الذعر والهلع في غرب أفريقيا كله.

نابليون الأفريقي



وفي عام 1835م ولد ساموري توري لوالدين مسلمين، وقيل كافرين ولكنه اعتنق الإسلام في زيارته لساحل العاج ليجلب منها السلاح، وتعلم القتال في جيش الملك الوثني سوري بيراما ملك بيساندوجو.

وفي عام 1861م، تحصن بالجبال وجمع حوله العديد من رجال قبائل الماندينجو المسلمين، وأسس أكبر إمبراطورية إسلامية وقتها في غرب إفريقيا، وكانت تضم أجزاء شاسعة من بلاد ساحل العاج.

وأعلن ساموري تطبيق الشريعة الإسلامية في مملكته عام 1884م، ولقب نفسه بأمير المؤمنين؛ وذلك بعد انتصاره على القوات الفرنسية التي بدأت الحرب ضده عام 1881م، ورغم هزيمتها إلا أنها واصلت الزحف نحو مملكته فواجهها ببسالة من جديد واستطاع تكبيد حملاتها خسائر فادحة على مدار 17 عامًا حتى لقبه الفرنسيون بـ"نابليون الإفريقي".

واستخدمت فرنسا كل قوتها المدفعية واستعانت بالقبائل الوثنية في الشرق، كما استمالت ملك غينيا المسلم تيبا لضرب ساموري؛ ما اضطر الأخير لعقد هدنة مع الفرنسيين عام 1887م، تخلى بموجبها عن بعض المناطق لفرنسا التي لم تكتف بذلك، وعادت لإعلان الحرب، حتى استولت على عاصمته كانان، فأسس عاصمة جديدة في مدينة داباقالا بساحل العاج 1891م لتكون بعيدة على الفرنسيين.

وبعد حروب طويلة قدم فيها ساموري ومسلمو ساحل العاج أروع صور الجهاد، استطاعت القوات الفرنسية محاصرتهم في غابات ساحل العاج، ووقع ساموري في الأسر بمنطقة جويلمو، ليتم سجنه في 29 سبتمبر 1898م، وترحيله إلى الجابون حيث لقي ربه عام 1900م.

الاحتلال الفرنسي

وكانت فرنسا قد خلفت البرتغال على جنوب ساحل العاج، وعقدت عام 1843م معاهدة مع ملك الأغني، قرب مدينة أبيدجان، وبموجبها بسطت الحماية على الجنوب، وبعد الانتصار على ساموري، دانت البلاد كلها لفرنسا، التي كانت تعرف أن الإسلام والمسلمين هم فقط من يهددون مشروعها الإستراتيجي في ساحل العاج.

وكان الشمال ذاخرًا بالمدارس الإسلامية التي تعلم الدين واللغة العربية، فاتجهت فرنسا لعلمنتها، وإبعاد الدين عنها، فيما نشرت البعثات التنصيرية خاصة الكاثوليكية التي تدين بها فرنسا، وأنشأت العديد من المدارس المسيحية لنشر تعاليمها، بينما دخلت البروتستانتية على يد واعظ ليبيري عام 1913م، يدعى وليام هاريس.

وفترت الأعمال الفرنسية مع نشوب الحرب العالمية الأولى، قبل أن تعود مجددًا بعد انتهائها لمواصلة المشروع الفرنسي بمسخ هوية البلاد، واستخدام ذهب المعز وسيفه لتحويل المسلمين عن دينهم، ولتعزيز الكاثوليكية، فأنشأت المدارس الفرنسية التي سمحت بالدراسة فيها للمسيحيين والوثنيين فقط، فيما حرمت المسلمين من شغل الوظائف الحساسة والمهمة في بلادهم، ومكنت الكاثوليك من السيطرة على الجهاز الإداري للدولة.

وفي عام 1939م صدر قانون غرضه وضع رموز وزعماء المسلمين تحت المراقبة، ليمكن وزارة الداخلية من التضييق على أصحاب الشعبية من المسلمين، وحصر أعمال الدعاة وتحديد أماكن تحركاتهم، لإفساح المجال أمام المنصرين فقط في الغابات الاستوائية جنوب ساحل العاج.

كما قررت سلطة الاحتلال منح مكافآت فورية لكل من يرتد عن الإسلام ومنحه الجنسية الفرنسية، ومنعت تدريس الإسلام في المدارس، وشمل الحظر لغة الأنكو الخاصة بقبائل الماندينجو المسلمة التي أصبحت لغة الإسلام في غرب أفريقيا، فيما حرصت على تعليم ضعاف العقيدة من المسلمين في مدارسها أو نقلهم إلى باريس، حتى يتشربوا بالثقافة الفرنسية، ويحتقروا هويتهم وتعاليمهم ومن ثم إشاعة ذلك بين أهاليهم وفي مناطقهم.

وحاول حاماله بن محمد بن عمر مواجهة الإفساد الفرنسي بعد قدومه لشمال ساحل العاج منفيًا من السودان عام1930م؛ حيث اشتغل بالوعظ والإصلاح ودعا لتغيير العادات الوثنية واستبدالها بالتقاليد الإسلامية، كما هاجم الصوفية المبتدعة، واستطاع أعداؤه إقناع السلطات الفرنسية في كوت ديفوار بأنه كان المسئول في وقت سابق عن الانتفاضات السياسية في السودان الفرنسية،  فطردته السلطات من كوت ديفوار وحظرت تعاليمه.

ورغم كل الممارسات الفرنسية لبتر الإسلام والمسلمين من ساحل العاج، إلا أن انتشار الإسلام تنامى ليبلغ نحو 2.5%؛ وذلك بسبب تلاقي الإسلام مع الفطرة النقية لأغلب القبائل الوثنية، والخصوبة العالية للشماليين التي سجلت أعلى معدلات الخصوبة في غرب إفريقيا بنحو 8 مواليد لكل امرأة، وزاد من أعداد المسلمين الهجرات المتتالية من الدول الإسلامية المجاورة للعمل في ساحل العاج الغنية خاصة في فترات الجفاف، ثم الاستقرار بها، حتى أن بعض الدراسات تؤكد أن 20% من العاجيين مولودون خارج البلاد.

وارتفعت أعداد المسلمين حتى بلغت نحو 60% من السكان وتمثل السُنة نحو  95% من المسلمين، والباقون من الشيعة البالغ تعدادهم نحو نصف مليون؛ وذلك نظرًا لهجرة آلاف اللبنانيين من جنوب لبنان إلى ساحل العاج التي يقطن بها نحو 150 ألف من أصل لبناني، مع وجود ملحوظ للجماعة الأحمدية الضالة، ومبتدعها ميرزا غلام أحمد والتي حكم العلماء بخروج معتنقها من الملة الإسلامية.

المجتمع المسلم

ويلتزم معظم المسلمين بالمذهب المالكي كشأن دول غرب إفريقيا، وفيما تجد تمثيلاً للعديد من الطرق الصوفية بين مسلمي ساحل العاج، وتستحوذ الطريقة القادرية التي تأسست في القرن الحادي عشر  وتنتشر بالغرب، والتجانية التي تأسست في القرن الثامن عشر وتسود بالشرق، على النصيب الأكبر من الشعبية، كما تحظى السنوسية المدعومة من ليبيا بنصيب وافر.

وستجد بالشمال المرابطين ممن سكنوا ساحل العاج في عهد امتداد دولة المرابطين بالقرن الحادي عشر الميلادي، وللمرابط سلطة دينية مهمة؛ فهو ذلك الطبيب والصوفي وصاحب المعجزات وهو يملك سلطة سحرية وأخلاقية، وهو من يصنع التمائم التي تحمي من يرتديها مسلمًا أو غير مسلم ضد الشر.

وتأثير المرابطين أنتج عددًا من ردود الفعل في مجتمع ساحل العاج، من بينها سلسلة من الحركات الإصلاحية المرتبطة بالسعودية التي كانت ترسل مع الحجيج كتب حركتها الوهابية، أو تنشر فكرها عبر من يتعلمون في مكة والمدينة ويعودون إلى ساحل العاج، وهذه الحركات الإصلاحية في كثير من الأحيان تدين تصوف المرابطين وتصفه بأنه غير إسلامي، ولكن غالبية الفقراء يرون أن المرابطين يتحدثون بالنيابة عن المضطهدين، ويرون أن حركات الإصلاح الوهابية تسعى لدعم مصالح المسلمين الأكثر ثراء.

ويعد عيدي الفطر والأضحى من أهم وأشهر أيام البلاد؛ حيث يأخذ المسلمون إجازة رسمية ويقومون في نهاية شهر رمضان بإعداد ولائم ضخمة تجتمع حولها القبائل فرحة بتوفيق الله لهم للصيام، ويصلي المسلمون معًا في ساحات واسعة، ويقضون أيام العيد في زيارات الأصدقاء والأهل وتبادل الهدايا.

 استقلال وتبعية

 وفي عام 1955م؛ وافقت ساحل العاج على مشروع ديجول الذي قدمته باريس للمستعمرات الإفريقية، وكان يعطي للدول التي تقبله استقلالاً صوريًّا، فقامت حكومة وطنية تعمل تحت الحماية الفرنسية، وقبل منحها الاستقلال الكامل عام 1960م، عمدت فرنسا إلى ترك السلطة بيد "هوفي بوانيه" رئيس الحزب الديمقراطي ذي الغالبية الكاثوليكية.

 ونشط بوانيه للبر بقسمه أمام بابا الفاتيكان بتحويل ساحل العاج إلى قلعة كاثوليكية، وأنفق ثروة ضخمة في بناء أكبر كنيسة في إفريقيا وهي كنيسة السيدة مريم العذراء في ياموسوكرو التي جعلها عاصمة البلاد، كما حول اسم ساحل العاج إلى الفرنسية ليصير كوت ديفوار.

وكان بوانيه- مزدوج الجنسية- عميلاً فرنسيًّا بامتياز فأصر على بقاء قوات فرنسية في مناطق متعددة بينها وسط البلاد، كما باشر بناء المدارس الكاثوليكية، ونقل الإشراف على مدارس المسلمين من وزارة التربية والتعليم إلى وزارة الداخلية، كما قام لأول مرة بطمس الاحتفالات الوطنية بعيدي المسلمين أو رفض اعتبارهما مناسبة احتفال وإجازة رسمية للبلاد.

مقاومة المسلمين

ومن جانبهم؛ واجه المسلمون الهجمات التنصيرية بإنشاء العديد من المدارس الإسلامية، واستعانوا بعلماء من غينيا المجاورة لتدريس العلوم الشرعية، كما أسسوا الجمعية الإسلامية لتنظيم الحج والعمرة، ومنظمة المجلس الإسلامي الأعلى لساحل العاج، الذي أنشأ المعهد العلمي العربي لتدريس اللغة العربية، كما دشنوا أكبر مركز اسلامي في ابيدجان اسمه مركز "ويليامزفيل" الإسلامي الثقافي، ولكن تأثيره قلَّ كثيرًا بعد رحيل مديره محمد لامين كابا.

وانتشرت مدارس تعليم القرآن واللغة العربية خاصة في الفترات المسائية، ورغم المشكلات التي عانت منها المدارس في البداية لضعف مستوى المدرسين وقلة رواتبهم ونقص الكتب الحاد وضعف الإقبال عليها لعدم خضوعها للتعليم الرسمي، إلا أنها نجحت في رفع مستوى التعليم بالشمال، حتى بلغت نسبة المدرسين المسلمين 55% في المدارس الابتدائية، و50% في المدارس الثانوية، و30% من أساتذة الجامعات، بينما يشكل الطلاب المسلمون 40% من طلبة جامعة أبيدجان، ويقرأ المسلمون معاني القرآن على لغة الماندنيجو؛ حيث قام بالترجمة الشيخ سليمان كانتي من غينيا.

كذلك استطاع المسلمون أبناء التجار السيطرة على التجارة؛ ما جعلهم يتمتعون بدرجة عالية من الغني والثراء، يدلل عليها امتلاكهم نحو 70% من المباني الفخمة في المدن وتحكمهم في رءوس الأموال التجارية الداخلية.

وحققت ساحل العاج- بفضل المسلمين- تقدمًا اقتصاديًّا كبيرًا، وبلغ معدل النمو حوالي 6% كما بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 2000 دولار، وتفوقت البلاد في إنتاج الكاكاو حتى بلغ 40% من الإنتاج العالمي، هذا فضلاً عن المشاريع الزراعية بالشمال خاصة للموز والأناناس.

وفي عام 1990م استدعى بوانييه الزعيم المسلم حسن أوطارا نائب رئيس صندوق النقد الدولي وقتها ليترأس الحكومة، والإشراف على تقدم اقتصادي للبلاد، وأعطاه تقريبًا كل صلاحيات رئيس الجمهورية؛ بسبب شيخوخته ومرضه.

الحروب الأهلية

وخافت فرنسا على مصالحها في ساحل العاج، فأعدت شخصية نصرانية أخرى وهو هانري كونان بيديه، رئيس البرلمان المخول من قِبَل الدستور لخلافة رئيس الدولة في حال وفاته، فلم يكن صعبًا لبيديه استلام الرئاسة بعد وفاة الرئيس العجوز عام 1993م، وسط تأييد داخلي وخارجي مسيحي.



ولكي يتفادى بيديه الخسارة أمام أوطارا في الانتخابات الرئاسية، أصدر قانونًا بمنع دخول الانتخابات إلا لأصحاب الجنسية العاجية النقية؛ ما كان يمنع دخول أوطارا الانتخابات لأن أمه كانت من بوركينافاسو، وبذلك يتخلص من الزعيم المسلم الذي يتمتع بأصوات الأغلبية المسلمة، إضافةً إلى أصوات البسطاء والمنصفين من النصارى والوثنيين الذين أعجبوا به من خلال إصلاحاته الاقتصادية في البلاد.

 وفي 23 ديسمبر 1999م، دبر ضابط كاثوليكي هو (روبرت جيه) انقلابًا ضد بيديه مستغلاً الأزمات السياسية التي لاحقت البلاد جراء سياسات الرئيس وبرنامجه الاقتصادي للتكيف الهيكي، ووعد جيه بإجراء انتخابات رئاسية في سبتمبر 2000م، وأعلن السماح لأوطارا بخوضها.

 إلا أنه رجع وقرر منع الزعيم المسلم من الانتخابات وقام بتحديد إقامته، وأجرى انتخابات شابها تزوير واسع، إلا أنه فوجئ بمنافس قوي هو (جباجبو)، الذي أعلن فوزه في الانتخابات ودعا إلى انتفاضة شعبية أدت في النهاية إلى فرار (جيه) خارج البلاد، وإعلان (جباجبو) نفسه رئيسًا لساحل العاج.

 رئيس المذابح

 ورفض جباجبو التصالح مع زعماء المسلمين وإجراء انتخابات نزيهة، وعمد لتشكيل ميليشيات عسكرية باسم (كتائب الموت)، أغلبها من أفراد قبيلته (البيتي)، فقامت بارتكاب أبشع المذابح في صفوف المسلمين، وحرق مساجدهم، ولم تكتف فرق الموت باستهداف عامة المسلمين في ساحل العاج، بل شنت حملة التصفية على العلماء والأئمة ومحفظي القرآن؛ سعيًا لإيجاد حالة من الانفصام بين المسلمين ودينهم، وإفشال مساعي المؤسسات الإسلامية لتنمية الوعي الديني للمسلمين، وإفشال مخططات المنظمات التنصيرية لتجريف هويتهم.

وتوالت الحركات الانقلابية ضد جباجو، وكثرت الجرائم في المسلمين، حتى قامت باريس بدعوة كل الفصائل للمصالحة في ماركوسي بفرنسا؛ حيث تم التوقيع على اتفاقية ماركوسي التي تنص على أن يحتفظ الرئيس لوران جباجبو بالكرسي الرئاسية إلى نهاية ولايته عام 2005م، وتشكيل حكومة وحدة وطنية يتولى المسلمون فيها رئاسة الوزراء، وزارة الداخلية ووزارة الدفاع، وتتولى التحضير للانتخابات الرئاسية عام 2005م.

إلا أن جباجو لم ينفذ من الاتفاقية سوى استكمال فترة رئاسته، وقام بتعطيل الانتخابات الرئاسية حتى الآن بحجج مختلفة؛ ما أرجع الأمور للتوتر من جديد وقسم البلاد بين شمال وجنوب، في ظل غياب دور فاعل من الوطن الإسلامي لوقف نزيف مسلمي الشمال، الذين أعلنوا رفضهم التسليم حتى ينالوا جميع حقوقهم الوطنية والدينية، مهما كلفهم الثمن من غالٍ أو رخيص.